جدارية تسخر من أداء القنوات التلفزيونية العراقية
جدارية تسخر من أداء القنوات التلفزيونية العراقية

519381 4

عمران سلمان/

في التاريخ الحديث للشعوب توجد عدة أحداث بارزة شكلت صدمة أو رجة في الوعي الجمعي، قادت بدورها إلى تحولات على المستوى السياسي والحضاري، بما في ذلك إجراء مراجعات فكرية مختلفة. باستثناء منطقتنا العربية التي يبدو أنها محصنة حتى الآن من تأثير هذا النوع من الصدمات، مهما كانت شدتها أو حجمها. فما هو السبب؟

منطقة متفردة

اليابان أدارت بوصلتها السياسية والحضارية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وكذلك فعلت تركيا بعد الحرب العالمية الأولى، فيما تغير البناء الفكري والثقافي لأوروبا كليا بعد الحربين. وشهدت عدة دول في أفريقيا وأميركا الجنوبية أيضا قطيعة مع أنظمة حكم وثقافات سابقة، في مسعى منها لمنع تكرار المآسي والآلام التي تسببت بها لملايين من البشر.

وكان العامل المشترك بين هذه التجارب هو أن اتجاه التغيير يسير دائما إلى الأمام، رغم الصعوبات هنا وهناك، بمعنى استحداث منظومات فكرية وسياسية جديدة، تساعد هذه الشعوب على تجاوز الماضي، والعمل على بناء المستقبل، سواء تعلق الأمر بالأنظمة الديمقراطية أو المصالحات السياسية أو مراجعة أفكار التفوق العرقي أو السياسي أو الديني أو الطائفي.

عقلية المؤامرة تناسب أيضا العديد من الحكومات العربية لأنها تعفيها جزئيا من المسؤولية

لكن منطقتنا العربية، تبدو وحيدة ومتفردة في تعاملها مع الصدمات والأحداث الكبيرة التي شهدناها خلال العقود الماضية. فلا الحروب الكثيرة التي خيضت في المنطقة أثمرت نضجا أو تغيرا إيجابيا في التوجهات السياسية للدول والشعوب، ولا الدمار البشري، المادي والنفسي الذي أحدثته الجماعات الإرهابية مثل "داعش" و"القاعدة" وغيرها، قد دفع إلى مراجعات على مستوى الأفكار والممارسات.

البغدادي في تل أبيب!

لقد لفت نظري على وجه خاص ردود الفعل على مقتل زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي، أن عددا لا بأس به من التعليقات في الصحف والمواقع الإلكترونية، كان إما مشككا في عملية القتل، أو اعتبارها مجرد مسرحية!

بل ذهب عديدون، وبينهم من يفترض أنهم محللون، وبينهم من يفترض أنهم أيضا مسؤولون سياسيون، إلى الحديث المكرر عن كون "داعش" نفسه ما هو إلا مؤامرة أميركية إسرائيلية، هدفها الوحيد والنهائي هو الإساءة إلى العرب والمسلمين عبر تشويه صورتهم والنيل من مصالحهم.

أكثر من ذلك قادت مخيلة البعض إلى اعتبار أن البغدادي لم يكن سوى عميل للموساد الإسرائيلي تم تجنيده للقيام بالمهمة و"أنه عاد الى مكتبه ورتبته في مقر الموساد بتل أبيب، يعتمر القلنسوة ويشرب مع زملائه نخب نجاح مهمته!".

طبعا لا توجد مشكلة في هذا النوع من التفكير، لو كان محصورا في دوائر ضيقة، فنظرية المؤامرة (حتى في أسوء صورها) موجودة عند معظم الشعوب، وهناك في كل زاوية من زوايا الأرض آراء وأفكار غريبة وصادمة أحيانا، مما لا يخطر على بال إنسان.

انسحاب الوعي

ولكن المشكلة أن هذا النوع من التفكير يجد أرضية خصبة لدى الكثير من المواطنين العرب، حتى بات يحدد سقف المنطق السياسي السائد اليوم في المنطقة.

وبالطبع فإن ما يثير الدهشة هنا هو هذا الاستعداد السريع والسهل لتصديق هذا النوع من الأفكار التي أقل ما يمكن أو توصف به أنها سخيفة ومنافية للواقع.

فما السبب؟

في اعتقادي توجد عدة أسباب لهذه الظاهرة، ولكن الأهم من بينها يعود إلى حالة الانسحاب الشديدة في الوعي والذي تراكم عبر سنوات بفعل الطريقة المدمرة التي تعاملت بها الحكومات والأنظمة السياسية العربية المختلفة مع مواطنيها.

فإضافة إلى الاستبداد والقمع والفساد، هناك أيضا حجب كامل للمعلومات واستهتار واضح بقيمة الإنسان. وهناك ميل دائم للتعامل مع المواطنين كما لو كانوا أطفالا أو قصرا بحاجة دائمة إلى من يفكر عنهم ويتخذ القرارات نيابة عنهم. وهناك حرص سلطوي على جريان السياسات والتعليمات والمعلومات في اتجاه واحد فقط من الأعلى إلى الأسفل.

الحق على الأجانب!

هذه الطريقة الممنهجة في التعاطي مع المواطنين قتلت الإمكانية لخلق أي تفكير مستقل لديهم أو الاستعداد لتحمل المسؤولية عن أي أمر مهما كان صغيرا.

وبحيث لم يتبق لدى المواطن العربي سوى تلك المساحة الضيقة والتي يستطيع من خلالها تفسير ما يدور حوله، بطريقة تتناسب مع العقلية التي تكونت لديه.

المشكلة أن هذا النوع من التفكير يجد أرضية خصبة لدى الكثير من المواطنين العرب

بالنسبة له، فإن الآخرين والأجانب منهم تحديدا، يقومون بكل شيء لتحديد مسار المنطقة، فهم يحيكون المؤامرات ويخدعون الشعوب ويزرعون الرؤساء ورؤساء الحكومات ويتدخلون في أدق التفاصيل المتعلقة بشؤون هذه الدول! وبالتأكيد فإن "داعش" لا يمكن أن يكون استثناء هنا!

ولدعم هذه الطريقة في التفكير لا بأس من الاستعانة بقصاصة من هنا وقصاصة من هناك، وترجمات محرفة لكتب أو مقالات أجنبية واستشهادات غير موجودة في الأصل الأجنبي وفيديوهات مفبركة.. الخ.

ويبدو أن عقلية المؤامرة تناسب أيضا العديد من الحكومات العربية، لأنها تعفيها جزئيا من المسؤولية، ولذلك فهي لا تمانع أحيانا في انتشار بعض النظريات، وأحيانا تساهم في الترويج لبعضها الآخر وتشجع الناس على الإقبال عليها.

اقرأ للكاتب أيضا: أبعد من القضاء على البغدادي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
مناعة المنطقة العربية ضد الصدمات! FC717EBE-8737-4F65-A7DE-D61796A3660B.jpg AFP مناعة-المنطقة-العربية-ضد-الصدمات جدارية تسخر من أداء القنوات التلفزيونية العراقية 2019-11-08 13:00:59 1 2019-11-07 18:17:11 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.