Members of Iraqi security forces detain
Members of Iraqi security forces detain

519515 4

مصطفى فحص/

بين التصعيد الإيراني والفتور الأوروبي في التعامل معها، تشق انتفاضة الشعبين اللبناني والعراقي طريقها الصعبة والمكلفة نحو بلورة وقائع سياسية واجتماعية مختلفة عن تلك التي فرضتها التسويات الإقليمية والدولية على حساب مصالحهما، وجعلتهما يخضعان لوصاية إيرانية بمباركة غربية.

انتفض الشعبان العراقي واللبناني، فاعتبرت طهران أن النيران وصلت حدائقها الخلفية؛ وأن هذا الأمر سيؤثر على موقع واقعها الجيوسياسي، ضمن ما باتت تُسميه بفضائها الاستراتيجي الممتد من طهران إلى جنوب لبنان برا، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب بحرا، والذي غلفته بغطاء جيوعقائدي برر لها مشروع نفوذها الجيوستراتيجي خارج حدودها الوطنية باعتباره جزءا من عقيدة النظام الثورية.

وسبق لطهران أن عبرت مرارا بوضوح عن حدود هذا الفضاء، وهو ما برز على لسان ممثل مرشد الجمهورية في خرسان علم الهدى الذي قال منذ أسابيع في خطبة الجمعة إن "إيران اليوم ليس لديها القيود الجغرافية التي كانت في الماضي، اليوم إيران هي قوات "الحشد الشعبي" في العراق، و"حزب الله" في لبنان، و"أنصار الله" (الحوثيين) في اليمن، و"الجبهة الوطنية" بسوريا (النظام السوري)، وحركتي "الجهاد" و"حماس" الفلسطينيتين، كل هؤلاء أصبحوا يمثلون إيران، ولذلك إيران لم تعد نحن فقط".

في ظل نشوة انتصار إيران الإقليمي، قلب الشارعان العراقي واللبناني الطاولة على الجميع

وبذلك، يمكن وضع كلام علم الهدى في سياق موقف طهران المتشدد من حركة الاحتجاجات في لبنان والعراق، والذي جاء مباشرة على لسان رأس هرم السلطة المرشد علي خامنئي الذي وصف التظاهرات في لبنان والعراق بـ"أعمال الشغب"، إضافة إلى موقف سكرتير مجلس الأمن القومي الأدميرال علي شمخاني الذي اعتبر أن ما يحدث في العراق ولبنان "أشبه بفتنة داعش"، وهو اتهام جديد يضاف إلى قائمة الاتهامات التي وجهت للمتظاهرين ووصفتهم بالعملاء لواشنطن وتل أبيب ولأنظمة "الرجعية العربية" وتُحركهم سفارات أجنبية.

عمليا، قبل انفجار الأوضاع في لبنان والعراق كانت إيران تبني مخطط حماية نفوذها واستقراره بناء لمعطيات تراجع الضغوط العسكرية والسياسية من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، نتيجة القرار الغربي تجنب المواجهة المباشرة معها، إضافة إلى اتكالها على وكلائها في شن ضربات استراتيجية حققت لها أفضلية عسكرية في الشرق الأوسط.

ويشير تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ببريطانيا "IISS" نشرته صحيفة الغاردين إلى أن إيران "تقاتل وتربح الحروب التي تقاتلها وسط الناس، لكن ليست الحروب التي تندلع بين الدول، إيران تتجنب أي صراع مماثل بين الدول، لأنها تعلم تفوقها عليها، وبدلا من ذلك، تسعى إيران إلى الحرب غير المتكافئة من خلال الاعتماد على شركاء من غير الدول والحكومات".

وفي ظل نشوة انتصار إيران الإقليمي، قلب الشارعان العراقي واللبناني الطاولة على الجميع وجعلا من طهران، التي كانت تضع مسدس أذرعها المسلحة على طاولة المفاوضات مع المجتمع الدولي، الطرف الأضعف في هذه المفاوضات، بعدما خرج استقرار لبنان والعراق من قائمة المكاسب الإيرانية وتحولا إلى أداة ضغط ضدها في أية تسويات مقبلة، بعدما تراجعت قدرتها على التحكم الكامل في هذين البلدين.

هذا التطور وانعكاساته على طهران وموقعها، ساعهم في رفع حدة تعاطيها المتوتر والعنيف مع الأزمة خصوصا في العراق، الذي يمثل خسارة التحكم حتى النسبي في إدارته ضربة قاسية للسطوة الإقليمية الإيرانية، بعدما كان العراق منطلق للاحتكاك الإيراني الخشن مع الدول الإقليمية والمجتمع الدولي عبر أذرعها السياسية والمليشياوية التي تسيطر على السلطة منذ 2003 وتشكل قوة عسكرية موازية لقوة المؤسسات الرسمية.

تتحكم إيران بمصير العراق ولبنان السياسي، ولكن لم تعد قادرة على التحكم بمصير شعبيهما

وفي الوقت عينه، أصبح "حزب الله" في لبنان في مواجهة حركة احتجاجات مطلبية تعمل على بلورة شخصيتها السياسية بشكل يفرض على "حزب الله" قراءة مختلفة للمشهد اللبناني ما بعد 17 أكتوبر، ولا يمكن معالجتها أو الالتفاف عليها بنفس الخطاب والأدوات السابقة خصوصا أن الطبقة السياسية التي تحتمي بـ"حزب الله"، ويحتمي هو بها، وتسعى للحفاظ على امتيازاتها تواجه جيلا جديدا قد تجاوزها.

وعليه، فإن طهران، التي وضعت نفسها في مواجهة انتفاضة الشعبين، هي في موقف الدفاع عن النفس، حيث لا يمكن لنظامها العقائدي تقبل فكرة انتقال الحرائق الإقليمية إلى حديقتها الخلفية باعتبار أنها تمارس انتدابا كاملا على العراق الذي يمثل شرعية نفوذها العقائدي، ولبنان الذي تتعامل معه كأنه درة التاج الإمبراطوري.

تتحكم إيران بمصير العراق ولبنان السياسي، ولكن لم تعد قادرة على التحكم بمصير شعبيهما، والأخطر أن هذه الانتفاضة في بعديها العقائدي والجغرافي من الممكن أن تمتد حرائقها من الحدائق الخلفية إلى حرائق داخل البيت.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان حلول أمنية لأزمة اقتصادية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

إيران... حرائق الحدائق الخلفية AE45E947-7FCC-440D-B43A-721BC44B2B44.jpg Reuters إيران-حرائق-الحدائق-الخلفية القوات الأمنية العراقية تعتقل متظاهرا في بغداد 2019-11-09 01:38:48 1 2019-11-08 19:42:27 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.