519519 4

نصرالدين والي/

نجحت الروح الثورية السودانية في الإطاحة بدكتاتور البلد وفي تحقيق أحد تطلعات الشعب السوداني المتمثّل في رؤية بلدهم يتحرر من أكثر الأنظمة الاستبدادية والدموية في التاريخ السوداني.

ويستعد الشعب السوداني الآن للدفع باتجاه مجموعة من الأهداف والغايات الطموحة إنما القابلة للتحقيق. وستتطلب هذه الأهداف جهودا حثيثة، تكون عاطفية وفكرية، وتبذلها مجموعة من الأشخاص الوطنيين من أجل تنفيذ التغيير اللازم للسودان حتى يظهر مجددا كبلد ناجح.

غير أن الحكومة الجديدة في السودان، أو السودان نفسه، يمكن أن يزيد فرصه في تحقيق تغييرات سياسية واقتصادية وديمقراطية طالما كانت منتظَرة، من خلال استخدام مورد فريد لم يسبق أن تم استغلاله. فبموازاة السعي إلى الحصول على التوجيه والعون الدولييْن، يجب أن تعمل الحكومة السودانية أيضا على تشجيع عودة الشتات السوداني الكبير، مع التركيز خاصة على الشباب السوداني المثقَّف جدا الذي يستطيع استخدام مهاراته المكتسبة في الخارج من أجل المساهمة في بناء بلد سوداني جديد تترسخ فيه الديمقراطية الناجحة والمزدهرة.

يجب أن يشكّل الاستقرار السياسي في البلد الأولوية في خلال الحكومة الانتقالية

في خلال ثلاثين عاما مضى على الحُكم الدكتاتوري الذي مارسه عمر البشير، أُجبر ملايين السودانيين على مغادرة البلاد والاستقرار سواء في البلدان المجاورة أو في أماكن بعيدة في أميركا الشمالية وأوروبا.

ويمثّل هؤلاء الملايين من السودانيين الذين يعيشون في الشتات الآن رأس مال بشريٍّ محتمل كبير للسودان، لا سيما نظرا إلى الوطنية والمعرفة والخبرة والثروة الفكرية والشبكات التي يتمتع هذا الشتات بإمكانية إعادتها إلى البلد.

فإذا أُعطي التكنوقراطيون السودانيون الشباب الذين يعيشون في الخارج، أو أولئك الذين يستوفون معايير مشابهة ويتمتعون بالنزاهة نفسها من داخل السودان، فرصة لخدمة شعبهم وبلدهم، سيستفيد البلد إلى حدٍّ كبير من تدفق المواهب الشابّة. لذلك يجب أن تقوم الحكومة بكل ما في وسعها ضمن صلاحياتها من أجل جذب هؤلاء التكنوقراطيين الشباب للعودة والمشاركة في إعادة بناء البلد.

يدرك ذلك أيضا الشعب السوداني الذي احتجّ ـ وبقي في السودان ـ الفرص الضائعة التي اتّسم بها التاريخ الحديث في بلده المتنوع. كما أنه يعي عمليات الاحتكار المتعمَّدة التي طبعت الاقتصاد في البلد، فضلا عن السلوك السياسي والاقتصادي غير المنطقي المتَّبَع في النظام الحالي إزاء هذه الموارد.

قد يعود السودانيون الشباب المتواجدون في الشتات على الأرجح نظرا إلى الدور الذي أدّاه الشباب السوداني حتى الآن في الثورة. فكانت الانتفاضة بمعظمها حركة جماعية دفع إليها الشباب، وهي تمثّل انتفاضة سياسية شاملة بشكل غير مسبوق في السودان.

وحتى الآن، يشير ما تلا الإطاحة بالنظام عبر الوسائل السلمية إلى أنه ليس من المستبعد أن يتحقق أمل الشتات السوداني في أن تكون الخطوات السياسية والقانونية والإدارية الشرعية المتَّخَذة في الحكومة الانتقالية خاضعة لتوجيه سيادة القانون ويقودها في النهاية التمثيل المنتخَب ديمقراطيا. فترفض شعارات الانتفاضة بشكل واضح كافة أشكال القمع وسياسات السياسة الفاسدة.

إلا أن الشتات السوداني في بعض البلدان يحظى بميزة المشاركة في الاقتصادات الأكثر فعالية والمزيد من الحريات السياسية. إلى ذلك، يمثّل السودانيون الشباب سواء داخل البلد أو خارجه جيلا جديدا من المواطنين الذين يَعون تطوّر القواعد القانونية الدولية التي تشدد على رفض أشكال المعاناة البشرية وسوء المعاملة التي ميّزت السلوك السياسي والاقتصادي الخاص بالنظام القائم حاليا في السودان.

يعكس تسليط الضوء على الرأسمال البشري واقع أن الأسباب الجذرية لصراعات السودان هي حتما من صنع البشر. فلا يعاني السودان من نقص الموارد، بل بالأحرى من نقص الإدارة الفعّالة.

لكن لتقديم حجّة مقنعة تثبت أن زمن سوء الإدارة قد ولّى، على السودان أن يعالج بشكل طارئ الأسباب الجذرية الكامنة خلف أزمته السياسية والاجتماعية ـ الاقتصادية والداخلية الراهنة.

ويجب أن يشكّل الاستقرار السياسي في البلد الأولوية في خلال الحكومة الانتقالية، وأن يكرر السودان بشكل خاص التزامه بتحقيق استمرارية الدولة وسيادتها واعترافه الكامل بحقوق الإنسان.

كما يجب أن يؤكّد مجددا على أن جميع المواطنين متساوون تحت القانون بغض النظر عن خلفيّتهم الاجتماعية أو دينهم أو إثنيّتهم أو عرقهم أو انتمائهم السياسي. وسيشعر السودانيون الشباب المتواجدون داخل البلد وخارجه على حدٍّ سواء بالأمل عند تعيين "وكالة استرداد الأصول" التي تُعنى بالتحقيق السريع في الأفعال الجنائية وبتنفيذ إجراءات من أجل توفير ضمانات للموارد والأموال العامة إزاء كافة الممارسات السيئة واسترداد الأصول والأموال والممتلكات السودانية المأخوذة تحت حُكم البشير.

يجب أن تُصدر هذه الوكالة أوامر بمصادرة الأصول والأموال والممتلكات المسترَدّة في السودان أو الخارج من كافة الأشخاص والوكالات والمؤسسات والشركات العامة والخاصة في آن، التي استفادت بشكل غير قانوني أو غير شرعي من الاستخدام المخطط له مسبقا للأموال أو الموارد أو الخدمات الماليّة. ويمكن أن تُشرف هذه الوكالة أيضا على الجرائم المتعلقة بتبييض الأموال والإتجار بالبشر وتهريب الأسلحة والمخدرات.

وفي ما يخص هذه المسائل الأخيرة، يمكن أن تستفيد الحكومة السودانية الجديدة كثيرا من العمل مع المجتمع الدولي بهدف التصدي لها، لا سيما إذا استطاعت الحكومة السودانية إعادة الاندماج في الجهود الدولية الرامية إلى محاربة الإرهاب والإتجار بالبشر والتهريب غير الشرعي للأسلحة والحفاظ على السلام والأمن الإقليمييْن.

ما يمكن أن يجذب عودة السودانيين أيضا هي قدرة الحكومة الجديدة على تسهيل الحوار المنفتح والقوي والشامل بين التكنوقراطيين السودانيين أكانوا متواجدين خارج السودان أو داخله. ويجب أن يشدد هذا الحوار على الحلول المبتكَرة محليا من أجل تجاوز العراقيل الاجتماعية ـ الاقتصادية والعوائق السياسية التي يسعى السودان إلى تخطّيها.

الطريق التي يجب أن يسلكها السودان واضحة: فلا بد من تحقيق تغيير ملموس وجدّي في ما يتعلق بالمسائل الأساسية في المجتمع السوداني مثل انعدام الأمن الاقتصادي السوداني ـ ابتداء من نقص الأغذية والغاز إلى الارتفاع الشديد في الأسعار ـ وفي الوقت نفسه تعزيز ثقافة المساواة الاجتماعية، واحترام حقوق الإنسان، وحرية التعبير.

إلى ذلك، يجب أن تضمن الحكومة توافر الوظائف للشباب السوداني، من بينهم أولئك الذين يسعون إلى العودة إلى بلدهم الأم، وهو أمر مهم جدا يضمن جودة العيش للجيل المقبل. فستكون أي خطوة حول هذه المسألة بشكل خاص حيوية من أجل إثبات حدوث التغيير في البلد للشباب السوداني.

نصر الدين والي هو سفير السودان السابق لدى منظمة اليونسكو ودولة فرنسا.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
كيف يستطيع السودان أن يستعيد شتاته A1A026F9-1026-4610-A631-9247C12A61FD.jpg Reuters كيف-يستطيع-السودان-أن-يستعيد-شتاته احتفالات بعد الإعلان عن التشكيلة الحكومية. 2019-11-09 02:30:19 1 2019-11-08 21:08:27 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟