519523 4

منى فياض/

تعب الأطفال، ذوو الأعمار الهشة في مظاهرة صيدا يوم السبت الفائت، فافترشوا الأرض. رفّ قلبي فاقتربت لأصورهم، التفتوا وتلقائيا رفعوا علامة النصر. سألت صبيا هناك: لماذا نزلت؟ احتار وقال "كل شيء مش منيح". تهتف صبية: "نحنا مش وجع نحنا أوجاع".

في إحدى الخيم التي نصبوها في الحديقة خلف تجمعهم، وجدت عددا من الناشطين المداومين هناك ليل نهار. قالوا لي إنهم بدأوا بالتظاهر منذ ما قبل شهرين، وهذا ما يرددونه في طرابلس، كانوا قلة وتأتي الأجهزة الأمنية فتقمعهم وتفرقهم. لكن تظاهراتهم لم تتوقف. ذات مرة تظاهروا بقرع الطناجر، وهي الخطوة التي انتقلت إلى بيروت لاحقا.

مساء الخميس في 17 أكتوبر عندما أعلن وزير الاتصالات في الحكومة المستقيلة ضريبة الـ 6 سنتات الشهيرة، نزلوا هم أنفسهم كعادتهم، لكنهم فوجئوا هذه المرة باستجابة المارة ودهشوا عندما أصبحوا أكثر من 400 شخص بلمح البصر.

قالت لي سيدة: "أصبح التشريج بـ 50 ألف ليرة بعد أن كان 38,5 ألف وهذا كثير جدا علينا". ولقد أضيف عليها عبء 6 دولار. الغريب أن الوزارة تضع التعرفة الرسمية بالدولار! فرض المتظاهرون جعلها بالليرة دون ربطها بالدولار.

نظر إليّ أحد الفاعلين بينهم والعائد من ألمانيا لعدم تأقلمه هناك: "يقولون إننا نتمول من السفارات! نحن نجمع من جيوبنا ألف ليرة من كل واحد، ويكون مع واحدنا 5 آلاف (3 دولارات أو أقل مع انهيار سعر العملة)، تصوري رجالا مثلنا ليس في جيبهم أكثر من 5 آلاف! مع ذلك نجمع المال اللازم ونطبخ ونوزع الطعام. تهينهم بروباغندا تبعيتهم وتمويلهم من الخارج، وتتعمق الهوة. ثار الطلاب مؤخرا بعد اتهامهم بقبض 10 دولارات لكل واحد للنزول. من هم في السلطة يفترضون أن الناس تشبههم، مأجورة ومستفيدة.

المتجمعون هناك نصفهم عاطل عن العمل، البعض منذ ثلاث سنوات أو أكثر. سألت أحدهم كيف تعيش؟ "قال مع أهلي، وأخجل أن أعيش على كاهل والدي العامل في النجارة". البعض الآخر يعمل ولكن بأجور منخفضة: "500 ألف ليرة شهريا (300 دولار أو أقل) دون أي ضمان أو تقديمات صحية واجتماعية. "أذلونا" يقولون بغضب، "سرقونا وجعلونا نقف على أبوابهم نتسول، ونرتمي على أبواب المستشفيات والمدارس والضمان والوزارات، وإذا أردنا أن نتوظف يسألون عن طائفتنا وزعيمنا وليس عن حقنا بالعمل وكفاءتنا. أذلونا نريد استعادة كرامتنا".

السيدة التي اضطرت لترك عملها فتفرغت لأولادها قالت لي: "هذا النائب الذي يذلني أمام بابه ويهين كرامتي، ألا يعرف أن منصبه هو وظيفة أنا منحته إياها لخدمتي وليست حقا له كي يستفيد ويراكم الثروات".

تعاين أمامك طفرة في الوعي انبثقت من تفشي القصور وسوء الإدارة ونهب المال العام والاحتقار الذي مارسه، ويمارسه، السياسيون عليهم وعلى حقوقهم.

تراكمت الشكاوى والتساؤلات والانتقادات، التي كانت كنداءات في الصحراء. لكنها فجأة سُمعت واكتست بالمعاني ووجدت لها اسما: ثورة.

كأنهم التقطوا شيئا كان موجودا في ما يشبه ما دون الوعي ولكنه في اقترابه الفجائي من الوعي تسبب بشرارة وها قد انبثق وعي جديد. فكرة قوية وانفعال قوي. وها هم يتجمعون معا ويشعرون بالقوة والتضامن. ينزلون رجالا ونساء، كبارا في السن وشبابا وأطفالا. الكثير الكثير من الشابات والشبان. يحملون أطفالهم مع غضبهم وآلامهم وعذاباتهم وكرامتهم المهانة في محاولة منهم للخروج من هذا القعر القاتم الذي أوصلوا أنفسهم إليه بخضوعهم طويلا لابتزازات وحيل الطبقة الحاكمة. يشجعون بعضهم بعضا وتختفي الحساسيات. وتولد منظومة قيم جديدة.

يعلّمون السلطة كيف تكون النظافة. فيكنسون ويجمعون كل يوم بقايا الليل. يعطون الدولة دروسا بيئية فيفرزون النفايات ويبيعونها ويشترون طعاما من المزارعين. جيل جديد نضج في غفلة عن الكبار وسبقهم. يعرف ما يريد، "نريد مدرسة رسمية بمستوى المدرسة الخاصة، لا نريد أن يدفع أهلنا الأقساط الخيالية كي نبقى دون عمل أو نهاجر، ونريد ونريد...".

أكثر من عشرين يوما تكتظ بهم الساحات، صبايا وشباب دون حادثة تحرش واحدة أو عنف أو اعتداء أو سرقة.

إنها ثورة فاقت أحلامنا الأكثر تفاؤلا. رأينا فيها بروز الفرد المسؤول الحر من الولاءات العصبية والمذهبية والعائلية. يصرخ أحدهم: "كم واحد اسمه جورج؟" تتعالى الأصوات: "أنا أنا". "كم واحد اسمه إيلي؟ كام واحد اسمه محمد؟ كام واحد اسمه علي؟" وتتعالى الأصوات "أنا أنا. شفتوا كلنا سوا".

يهتفون: "القائد في غيره الوطن، ما في غيره. لن نعيد تجربة الأجيال السابقة كلن يعني كلن وزعيمك واحد منن".

ثورة يحميها جيش الشعب في ظل علم واحد لونه أحمر وأبيض وتتوسطه شجرة؛ ربما هو الوحيد في العالم مع شجرة وكندا مع ورقة الأيرابل الشهيرة.

تمتلئ الساحات بأعداد من النساء تكاد تفوق أعداد الرجال. طفلات وصبايا وأمهات وجدّات، محجبات وسافرات، عاملات وربات بيوت. يغنين ويرقصن ويشعرن بالفرح. إنهن في عيد. والعيد، كالحرب والأزمة الاقتصادية تجعل المعادلات مختلفة وتتغير المفاهيم وتجعل من المرأة كائنا أقوى وأشد عودا. "إن التقدم في ميدان التفكير لا يحصل إلا في أوقات الأزمات الكبرى. خاصة عندما تهتز المؤسسات التقليدية أو تتغير لحصول حوادث تاريخية تساهم في قلبها على الأقل"، على رأي غاستون بوتول منظر الحرب.

حتى الأغاني القديمة اكتسبت معاني جديدة؛ واستعادت الأغاني التي كنا نتأفف منها مؤخرا:

تسلم يا عسكر لبنان

تعلى وتتعمر يا دار

وبحبك يا لبنان يا وطني

ويا حرية

حتى بعض أغاني جوليا (زوجة الوزير العوني إلياس بوصعب) مثل "أنا بتنفس حرية"، تغني مع بعض التجاذب الوجداني.

لكن أغنية مثل "بيكفي إنك لبناني" لعاصي الحلاني كانت ستثير الهزء على الأرجح قبل 17 أكتوبر، أثناء حالة الإحباط والقرف والاكتئاب السائدة حينها. لكنها الآن تملأ الساحات يرددونها بملء أفواههم وحناجرهم ويتلذذون بمعانيها.

"غطي الشمس بفيّ جبينك بحقّلك وطنك دينك لو هالدنيي سألت مينك قلن إنك لبناني.. بطل السلم وبطل الحرب همزة وصل الشرق وغرب تضل تحب وتنحب بيكفي إنك لبناني.. لبناني ومطرح ما تروح حامل وطنك قلب وروح".

كذلك أغنية جوزف عطية، "لبنان رح يرجع" التي يقول فيها "لبنان رح يرجع والحق ما بيموت والشمس رح تطلع تزين سما بيروت.. من هون ما منفل حصرم بعين الكل بهالأرض بدنا نضل لو ضل خمس بيوت". أو راغب علامة حين يغني "صار الوقت يا ناس تصرخ على العالي"، التي أرادوا منعها عندما نزلت الأسواق.

وبسرعة قياسية استولدت الثورة أغانيها:

علي العطار غنّى:

"قوم تحرك يا شعبي

غيّر هالحالة الصعبة

قوم تحرر ما تتأخر هيدي حقوقك مش لعبة

بدنا نبني دولتنا دولة تجسد وحدتنا \ تعرف قيمة قوتنا وآمال الشعب تلبي

بدنا دولة حكيمة تعمل لبلادها قيمة وتتطلع بهموم الناس ما تمشي عالتعليمة

دولتنا اللي منريدها بتملك قرارها بإيدها تحمينا بأيام الحرب ما تسحب منا إيدها".

وأكثر الأغاني تعبيرا عن العلاقة بين الثوار ورجال السلطة أغنية كتبها شخص اسمه ابراهيم الأحمد، عبر فيها عن الحقوق المهدورة للشعب اللبناني، عنوانها "الشعب يريد إسقاط النظام"، يتحاور فيها مع مسؤول في السلطة والكورس يقول له، لا:

"أعطوني فرصة وبلا جرصة بس خلوني ضل.. طب شوفولي حل أعطوني مهلة صغيرة وسهلة بجيب الكهربا واللي خربها الله يوفقكن ما عاد أسرقكن.. أعطوني مدة بهيدي المدة بشيل الضرايب منبقى حبايب.. اعطوني شوي بجيب المي وبمنع الفساد وبلغي الاستبداد الله يوفقكن ما عاد أسرقن.. عندي خطة وما رح مطها بس وقفولي سب بجيب الواتساب.. أعطوني نتفة بخلي الكلفة أرخص من زمان يا شعب لبنان لله يوفقكن ما عاد أسرقكن.. أعطوني دقيقة وبلا نيقة صلح الأوضاع والحق اللي ضاع أعطوني وقت وهلق فقت بشيل النفايات بصلح الطرقات.. الله يوفقكن ما عاد أسرقكم.. أعطوني يوم بشيل هموم بظبط البلد بصدق بالوعد أعطوني لحظة ومنا مزحة برجع المسروق والوضع بروق... الله.. طب قولو شو بدكم:

بدنا يسقط الرئيس ومجلس النواب بدنا تسقط الحكومة تنبقى أحباب الشعب يريد إسقاط النظام".

إنها ثورة لن تتوقف حتى تستكمل تحقيق ما خرجت لأجله: استعادة الحقوق كاملة، استعادة لبنان وطنا للجميع.

اقرأ للكاتبة أيضا: الثورة الجميلة.. لبنان موحد بلا طائفية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

اسمعوا جيدا.. إنها ثورة 05768D84-77A4-4043-87C9-48F46EB26208.jpg Reuters اسمعوا-جيدا-إنها-ثورة حفلة فنية لموسيقيين معارضين للسلطة في لبنان 2019-11-10 02:22:05 1 2019-11-08 22:27:48 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.