519629 4

مشرق عباس/

من الواضح أن القوى السياسية، والمليشيات المسلحة المسيطرة على القرار الرسمي العراقي، قد اختارت بشكل قاطع عدم التمعن في معطيات الاحتجاج العراقي الصاعق ونتائجه وعدم بحث خيارات مختلفة بخصوص طرق التعاطي معه، واختارت بدلا من ذلك الطريق السهل في فض الاعتصامات ومنع التظاهرات، ومن ثم العمل على تصفية من يُعتقد أنهم الأكثر نشاطا في انتفاضة تشرين (أكتوبر) العراقية.

على أي حال، فإن دفع الأزمات إلى الأمام ليست سياسة استثنائية في العراق، بل تكاد تكون السياسة الأكثر شيوعا لدى الزعماء العراقيين الذين فشلوا منذ 2003 في إنتاج أية حلول، وراقبوا بعبث مريب تطور الغضب وتفشي اليأس والإحباط في صدور المواطنين الذين واكبوا إدارة الحكومات المتعاقبة غير الكفؤة لملفات تمس حياتهم ومستقبلهم مثل صراع الهويات، واستشراء الفساد، وبيع المواقف السياسية لصالح الأجنبي، حتى انفجروا في حراك اجتماعي غير مألوف، تعرف بدايته من دون أن تتحدد نهايته.

يحاول النظام الإيحاء بتلقيه دعما إقليميا ودوليا غير محدود لتنفيذ خطط تصفية الاحتجاج

ليس بالأمر الجديد أن يحاول الزعماء أنفسهم، الذين رعوا مهرجان الفساد والرثاثة والعته السياسي منذ سنوات، تجاوز البديهيات في فهم الحراك الشعبي، والقفز إلى مفهوم "الانتصار" على الشعب نفسه باستخدام أدوات القمع التقليدية مثل توسيع نطاق العنف المفرط في مواجهة التظاهرات، وتنفيذ أعمال خطف واعتقالات خارج النصوص القانونية والدستورية، والتهديد باستخدام النظام القضائي المثير للشكوك لتلفيق التهم للمعارضين.

الأدهى أن النظام نفسه يحاول، إضافة إلى نشر اليأس حول إمكانية التغيير الإيجابي والدستوري الذي يطالب به المتظاهرون، الإيحاء بتلقيه دعما إقليميا ودوليا غير محدود لتنفيذ خطط تصفية الاحتجاج ومن ثم اقتلاع جذوره ومنع تفجره في مراحل لاحقة.

يمكن القول جزئيا إن الحكومة العراقية المحكومة بإرادات زعماء القوى وأمراء الطوائف، بالإضافة إلى الإرادتين الإيرانية والأميركية، نجحت بنشر الضبابية حول حجم ومستوى القمع الإجرامي الذي استخدم في قمع التظاهرات.

كما يمكن القول إن الحكومة حاولت عبر ربط نفسها باستقرار العراق المطلوب دوليا، والتحذير من إمكان عودة الجماعات المتطرفة للسيطرة على المدن العراقية في حض دول مهمة عبر العالم، بالإضافة إلى بعثة الأمم المتحدة في العراق على الصمت عن جملة من الانتهاكات الفاضحة التي ارتكبتها قوات أمنية رسمية بحق الأهالي المدنيين، والاستعانة بمليشيات غير رسمية لتنفيذ تلك الارتكابات.

كما يمكن الجزم، بنوع من الكوميديا السوداء، بأن القوى السياسية المتورطة بالفساد وتقاسم مقدرات البلد نجحت في تحقيق بعض المكاسب من الاحتجاجات التي خرجت ضدها، فمررت أسماء وزراء وفق التوليفة المحاصصاتية، وتقاسمت مجلس الخدمة الاتحادي، وشبكة الإعلام العراقية، واستحوذت على المئات من المناصب الخاصة، ومررت صفقات ما كانت ستنجح في تمريرها لولا أنها ألغت بشكل مستعجل وتحت ظلال الاستجابة لمطالب المتظاهرين صلاحية مجالس المحافظات الحالية.

فموضوع مثل إجراء تعديل دستوري يسمح بتحويل النظام البرلماني إلى رئاسي، كان قد تصدر الفوضى المعلوماتية حول الطلبات الحقيقية للمتظاهرين، مع أنه من مطالب "ائتلاف دولة القانون" بزعامة نوري المالكي منذ العام 2010، ومن ثم من مطالب "عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي منذ 2018.

طريقة التعاطي العنيفة مع احتجاجات تشرين لن تنهي الاحتجاج

واقع الحال أن ما يتم الحديث عنه حول الاستجابة لمطالب المتظاهرين، كان في واقع الحال استجابة إلى متطلبات المحاصصة التي خرج الناس ضدها، فيما رفضت القوى الرئيسية التعاطي مع مطالب جوهرية مثل التأسيس لقانون انتخابي عادل وإجراء انتخابات ومبكرة ومفوضية مستقلة، ونظام محاسبة حقيقي لمن تورط بدماء المحتجين.

واختيار فض التظاهرات بالقوة بدل التعاطي مع مطالبها الدستورية بمسؤولية، هو وحده ما سيجيب عن السؤال المحوري حول مستقبل الاحتجاج العراقي الذي استمر يعبر عن نفسه بطرق مختلفة منذ العام 2011 من دون أن يلاقي آذانا صاغية، فيطور آلياته لتصبح أكثر عنفا، وتطور سلطة الأحزاب الأوليغارشية العراقية مستوى عنفها، وتزيد من تمترسها.

والمحصلة أن طريقة التعاطي العنيفة مع احتجاجات تشرين، واختيار معاقبة الشعب العراقي واتهامه بالتآمر بدل احتواء غضبه المحق، لن ينهي الاحتجاج وإنما سيفتح احتمالاته المستقبلية على خيارات أكثر عنفا وأكثر خطورة، كما أن الإبقاء على آليات حل الأزمة قيد التعطيل والتعاطي معها بيد حكومة مشغولة بخرافة الانقلاب عليها، ومجموعات مسلحة منكبة على استغلال الاحتجاج للاستيلاء على القرار الأمني الرسمي لصالحها، وقوى سياسية تتآمر لنيل المكاسب والمناصب من آلام المتظاهرين وتضحياتهم، هي وصفة خراب إضافية لبلد ابتلي بنقص حكمة حكامه.

اقرأ للكاتب أيضا: العراق.. الأحزاب تغلق النفق!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

هل انتهى الاحتجاج العراقي؟ C3B51B8D-B4E4-4B4C-8A6A-2C6E6D3BD31A.jpg Reuters هل-انتهى-الاحتجاج-العراقي عناصر من القوات الأمن العراقية في البصرة 2019-11-10 05:35:16 1 2019-11-10 05:44:05 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.