صلاة عيد الأضحى في أحد مساجد الهند
صلاة عيد الأضحى في أحد مساجد الهند

519800 4

محمد المحمود/

أشرت في المقال السابق إلى أن غضب الأصوليين المتطرفين الانغلاقيين من نقدي لمنظومتهم الفكرية/ العقائدية التي يتشرعن الإرهاب بها كان غضبا طبيعيا ومتوقعا. لا يمكن أن يرفعوا لي أكفهم بالسلام، وتَفْتَرّ لي ثغورهم عن ابتسام، وأنا أضع على مشرحة النقد سردياتهم العقائدية التي يعتقدون ـ واهمين ـ أنها الصواب الديني المطلق. لا يمكن أن يُوقِّعوا معي معاهدة سلام وأنا أجرِّد مقولاتهم التأسيسية من أوهام القداسة التي يزعمونها لها.

لكن ـ وكما أشرت من قبل ـ اللامتوقع والمفاجئ كان غضب أولئك الذين طالما تمظهروا بشيء من الانفتاح والاعتدال، أو غضب أولئك الذين كانوا من جملة عموم المتدينين، لا من صرحاء المتطرفين. ما يعني أن السرديات العقائدية الانغلاقية استطاعت استلحاق أغلبية المتدينين بركابها، حتى أصبح هؤلاء الأغلبية ـ واعين أو غير واعين ـ من عُتاة المتطرفين الانغلاقيين.

أعلن التقليديون المتطرفون عليَّ حربا شاملة. فتحوا كل جبهات القتال التي اعتقدوا أنهم سيستطيعون إسكاتي من خلالها. جبهة إكمال الدراسات العليا، وجبهة الاستقرار الوظيفي، وجبهة التشويه الاجتماعي، وجبهة الضغوط العائلية، وجبهة الشتائم الإعلامية (ما يعدونه نقدا وهو تكفير صريح أو تكفير مضمر)، بل وجبهة التهديد بالقتل.

كارثة أن تكتسح ثقافة الانغلاق وعي شرائح كثيرة من مجتمعنا

في هذه الحرب الشاملة استخدموا كل الأسلحة، المشروعة، وغير المشروعة/ القذرة، معتقدين أنهم في "جهاد" عظيم لنصرة دين الله. حتى الوالد ـ حفظه الله ـ استغلوا تديّنه الفطري ودماثة أخلاقه وثقته العامة بالمتدينين، فألحوا عليه أيما إلحاح ليتحول من "أب رحيم" إلى "خصم خصيم" في حربهم القذرة التي حاولوا أن يُصوِّروها له بوصفها حربا ضروسا بين الإيمان والكفر، وأن عليه ـ بوصفه مؤمنا متدينا ـ أن يكون في صفوف المؤمنين، ضد الكافرين الضالين المُضلّين، وطبعا هم من المؤمنين، وأنا من الكافرين؛ كما يزعمون!

لا ريب أنهم حققوا بعض الانتصارات في هذه الحرب. انتصروا في مجال الدراسة، كما في مجال الوظيفة، وأيضا في مجال التشويه الاجتماعي المتواشج مع التشويه الديني. ولكنهم لم ينتصروا في جبهة الوالد ـ حفظه الله ـ حتى وإن تسببّوا له بكثير من الأذى جرّاء تكثيفهم الضغوط عليه، بل والدفع بها في أكثر من اتجاه؛ ليرجعوا خائبين في نهاية المطاف.

والأهم، وهو معيار النصر والهزيمة في هذه الحرب، أنهم لم يستطيعوا كسر إرادتي في نقد أفكارهم المتطرفة؛ فبقيت أكشف حقيقة مقولاتهم الانغلاقية، وأفضح سريرة تطرفهم التكفيري، وأحفر في تاريخهم فاضحا مداريات القداسة الوهمية، وفي المقابل، أستنبت البدائل التنويرية التي ستحيلهم إلى ممثلي "عصر قروسطي ظلامي" بائد؛ لا تصفه الأجيال اللاحقة المستنيرة بغير التخلف والانحطاط والانغلاق.

وأيا كان الأمر، فليست المشكلة الأهم والأخطر في هؤلاء العقائديين المتطرفين المنغلقين، إذ هم قلة على أي حال، وإنما الخطورة في انتقال عدوى التطرف والانغلاق إلى عموم المجتمع المتدين، هذا المجتمع البسيط الذي استطاعوا إيهامه أنهم الناطقون حقا باسم الدين الصحيح، باسم الصواب المطلق، وأن "المنظومة التقليدية" المتخمة بمقولات التبديع والتفسيق والتضليل والكراهية والتكفير والتحريض على القتل، تراث مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن من خالفها فهو مبتدع أثيم، أو ضال هالك، أو كافر مآله "قتل في الدنيا"، و "جحيم في الآخرة". ومن ثّمَّ، فمن خالف ـ مجرد خلاف ـ هذا "الحق المبين" الذي يعتقدون أنهم يُمثِّلونه، فهو ـ بحكم عقيدة الولاء والبراء ـ "عدو مبين"، وأما من تصدى له؛ فعرَّى تهالك مبانيه وزيف معانيه، وكشف الكوارث الدينية والمدنية فيه، فهو ـ في اعتقادهم الدوغمائي الانغلاقي ـ عدو الله، وعدو الدين، لا خيار لأي مؤمن إلا أن يعاديه، ويؤذيه، ويحاول إلغاءه بما يستطيع من صور الإيذاء والإلغاء، ولو بالتصفية الجسدية، كما فعل الأسلاف/ أسلافهم بالجعد بن درهم والحلاج والسهروردي، إلى ما فعله الأخلاف في فرج فودة ونجيب محفوظ.

إذن، كما قلتُ من قبل: ثمة ما يجمع بين المتطرفين التكفيريين الانغلاقيين وعموم المتدينين في قاع الوعي الاجتماعي، بحيث يُسَهّل استلحاقهم كمحاربين من الصف الثاني في صفوف التطرف ضد دعاة التنوير والانفتاح. وقد عانيت من هؤلاء/ محاربي الصف الثاني أكثر مما عانيت من غلاة المتطرفين. ورغم أنهم كانوا مجرد مُقلّدين بُلَداء ذهنيا وفقراء معرفيا، إلا أنهم كانوا ـ تحت وطأة صرامة العقائد التقليدية في تعاملها مع المخالف ـ يحاولون إثبات صدق إيمانهم لأنفسهم بالقدرة على نبذي وهجري، وفي بعض الأحيان، التبرع بالإساءة قدر المستطاع.

لقد استطاع غلاة المتطرفين تحويل عموم المتدينين إلى انغلاقيين غير واعين بانغلاقهم، إلى رافضين لأي اختلاف؛ حتى أصبح هؤلاء العموم متطرفين فطرة/ طبيعة، بحيث يمتدحون "اعتدالهم" المزعوم في مقابل المسلك الإرهابي العيني، غير مدركين أن "اعتدالهم" هو عين التطرف، وأنه الخطوة الأولى في طريق الإرهاب أو ـ على الأقل ـ في طريق تأييد الإرهاب.

لقد أصبح "المتدين العادي" يتوهم نفسه قَيّما على تديّن الناس أجمعين، وأنه المحظوظ بـ"أصدق وأصفى عقيدة"، دون العالمين. لهذا، تجده يُطالب كل مفكر/ كل مثقف/ كل إعلامي أن يوافقه في كل شيء، يحاصره ليكون متحدثا باسمه، وإلا فهو ـ في أيسر الأحوال ـ مرفوض على مستوى موقعه كمفكر/ كمثقف/ كإعلامي، وعلى مستوى وجوده المحض كإنسان.

حتى رجل الدين المنتمي لهذه المنظومة التقليدية، يكفي أن يختلف معها في أقل من 1 في المئة من فروع العقائد وليس من أصولها، حتى يكون مصيره التضليل الذي يقف به على تخوم التكفير. تضليله وربما تكفيره لا يصدر فقط عن مشاهير "السلك الكهنوتي" (الرائج جماهيريا، والموجود ضمنيا/ دونما تنظيم ظاهر، والذي يعدّ نفسه حامي حمى الإسلام) وإنما أيضا يصدر أيضا من عموم المتدينين، ابتداء من عند أنفسهم، وليس اقتداء بما يقوله الكهنوت الديني؛ لأن مقولات التراث الذي يتشرعن به الكهنوت قد أصبحت من جملة الثقافة العامة لـ"المتدين العامي" الذي ينطق بلسانها على سبيل الجزم واليقين.

ليس هذا فحسب، بل إن شرائح كثيرة من غير المتدينين، بل ومن بعض أولئك الذين يمارسون سلوكيات معلنة تقدح بأخلاقياتهم في السياق الديني، تجدهم يصطفّون مع غلاة المتطرفين في حربهم ضد ناقدي منظومة التطرف والانغلاق. يكفي أن تنتقد سلوكيات أحد كبار مجرمي التاريخ، من طغاة القرون الأولى؛ حتى تجد العامي الذي لم يُفكّر قبل اليوم في حرف من دينه (بل ورث ما يُقال فقال ترديدا) يحاضر في تأكيد انحرافك عن سبيل الصالحين، وضلالك عن طريق المؤمنين؛ من حيث هو يؤكد أنه المتحدث بصحيح وصريح الدين!

يمكنك أن تلاحظ الأثر الأخطر للتقليدية في اندياح مفاهيمهما ومقولاتها على سطح الوعي الاجتماعي، من خلال ملاحظتك لضمور الفعاليات النقدية حتى عند المتخصصين في فروع المعرفة. لدينا في أوطاننا مئات، وربما آلاف المتخصصين في علم الاجتماع، وفي علم النفس، وفي علم التاريخ، وعلم اللغويات، وفي الأنثروبولوجيا، وفي علم الأديان المقارن...إلخ، ومع هذا فلن تجد لهم دراسات نقدية جادة تعاين التراث والتاريخ والسرديات العقائدية الموروثة بموضوعية علمية محايدة. لقد تحوّل هؤلاء إلى "عوام" تقليديين في موقفهم من كل ما يتعلق بالأنا، حضاريا وعقائديا؛ لأنهم يدركون أن أي اختلاف، فضلا عن النقد والتشريح، سيضعهم على محك التضليل والتكفير، بل إن كثيرا منهم انخرط في محاولة التبرير الاجتماعي، أي أصبح متحدثا بلسان الثقافة الاجتماعية التقليدية السائدة المُبَجِّلة للتراث، المتشنجة عند أول مساس به على سبيل النقد الذاتي.

عندما دخلت إلى عالم "تويتر" منتصف عام 2013، كنت مترددا؛ لأني كنت أدرك أنه سيأخذ من وقتي وجهدي. ومع أن كثيرا من الزملاء كانوا يُهَوّنون الأمر عليّ، ويؤكدون أنه مجرد وسيلة تواصل عام، أستطيع الانعزال عنه متى أردت، وأنه ليس ترفا، بل ضروري بحقي؛ إلا أن ترددي استمر لأكثر من ثلاث سنوات، ثم دخلت لأرى ولأسبر طبيعة المجتمع القريب والبعيد. وكانت المفاجأة أني أصبحت مع غلاة المتطرفين والتكفيريين (المعروفين بأسمائهم ومواقعهم الوظيفية، فضلا عن المجاهيل) في فضاء واحد، أصبحت معهم وجها لوجه؛ بعد أن كنت أسمع عن تكفيرهم وتضليلهم وتسفيههم وشتمهم لي، بل ودعوتهم الصريحة لقتلي كزنديق!

المفاجأة الأكبر أنني منذ وقت قريب، لا يتجاوز بضعة أشهر، احتجت للبحث عبر "تويتر"؛ فاطلعت على كم هائل من الهجوم الذي سبق دخولي عالم "تويتر" بسنوات. قبل ذلك، كنت لا أعرف، ولا أريد البحث عن شيء في "تويتر"، إذ هو في نظري مجرد أداة نشر تواصلي عابر، وليس مدونة نشر وتوثيق فكري/ ثقافي يرجع إليها.

عشرات السنين تفصلنا عن اللحظة/ النقلة الفكرية النوعية التي نستطيع فيها أن نضع أقدامنا على العتبة الأولى في سلّم التنوير

كنت أكتب رأيا عابرا، أشير لهذا الأمر أو ذاك، أعلق على قول أو مشهد، وأرد في العام والخاص، ولا علم لي بما سوى ذلك. مَن هاجمني بتكفير أو سبني أو دعا عليّ بهلاك، أو حتى أثنى عليّ وشكرني، أو أشاد بشيء مما أطرح (دون أن يكون كل ذلك ردا مباشرا عليّ، فيظهر لي مباشرة دون بحث من قِبلي) لم أكن لأعلم به؛ إلا أن يُنَبّهني أحد عليه في الخاص أو العام، ونادرا ما يحدث ذلك.

لكن، عندما بدأت البحث عن أشياء محددّة تتعلق بي، اكتشفت ـ عرضا ـ أن كثيرين هاجموني بعنف غير مفهوم، بل ونادوا صراحة بوجوب منعي من الكتابة؛ مع أنني لم أكن أعرفهم، بل ومع أن كثيرا منهم لا ينتمون صراحة للمسار الديني المتطرف الذي يهاجمونني من خلاله، أو يهاجمونني بناء على نقدي له. مستوى عال جدا من الحق والكراهية والتحريض لمجرد الاختلاف النقدي يشي بطبيعة الثقافة المجتمعية الانغلاقية التي استطاع المتطرفون دينيا تثبيتها في الوعي الاجتماعي العام.

إنني هنا لا أتحدث عن معاناتي الخاصة لذاتها، فهي بذاتها محدودة، ولا أثر لها ـ أثرا مباشرا ـ إلا عليّ، وإنما أتحدث عن معاناة مجتمع، عن كارثة مجتمعية من خلال الحديث عن معاناتي. كارثة أن تكتسح ثقافة الانغلاق وعي شرائح كثيرة من مجتمعنا، كارثة أن يتحوّل الضيق بالنقد الذاتي للموروث/ للتراث إلى مبدأ عام يتمفصل عليه وعي عموم المتعلمين، وليس فقط وعي عموم المتدينين.

أن يجعلك كثيرون (من غير المتدينين ظاهريا؛ حتى وإن كانوا يتمثلون ثقافة الانغلاق الديني دون وعي) عدوهم الأول (دون أدنى سابقة من تماسٍ اجتماعي أو فكري، بل فقط لمجرد أنك تمارس حقك في نقد التراث أو نقد التاريخ أو نقد العادات والأعراف الاجتماعية)، فهذا يعني أن أمامنا عشرات السنين التي تفصلنا عن اللحظة/ النقلة الفكرية النوعية التي نستطيع فيها أن نضع أقدامنا على العتبة الأولى في سلّم التنوير.

اقرأ للكاتب أيضا: "داعش" والفكر الداعشي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الأصوليون والمجتمع التقليدي 00B03AC5-7283-4295-BD04-0FC0FBB20355.jpg AFP الأصوليون-والمجتمع-التقليدي صلاة عيد الأضحى في أحد مساجد الهند 2019-11-11 13:44:36 1 2019-11-11 13:59:36 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.