العلة الأهم في الانتفاضة العراقية تتعلق بالموقف من الجماعات والميليشيات والقوى العسكرية في البلاد، التي هي أُس مشكلة البلاد
العلة الأهم في الانتفاضة العراقية تتعلق بالموقف من الجماعات والميليشيات والقوى العسكرية في البلاد، التي هي أُس مشكلة البلاد

519831 4

رستم محمود/

تستميت غالبية النخب الثقافية والمدنية العراقية في سبيل خلق الكثير من التماهي بين انتفاضة العراق الراهنة ونظيراتها التي في باقي دول المنطقة. كتلك التي حدثت مؤخرا في كل من لبنان والسودان والجزائر، وفي عموم فضاء الربيع العربي من قبل، منذ عقد وحتى الآن. 

تخلط هذه النخب بين تطلعاتها وتصوراتها لما يجري في البلاد، وبين الطبائع البارزة والسمات العامة والديناميكيات الداخلية للحراك العراقي. فالحراك العراقي ملكُ نفسه، ولا سلطان أو وصاية لأحد عليه، ولا تستطيع أية نزعة تبشيرية أن تُجيره لصالحها.

دون شك ثمة الكثير من ملامح التشابه بين انتفاضة العراقيين ونظيرتها الأخرى في باقي الدول، كالسلمية والتجمهر العام وشغل الساحات العامة ومحاولة تعطيل دوائر الدولة، لكن طيف الميزات التي تتحلى بها هذه الانتفاضة العراقية، وكتلة ما تضمره وتسكت عنه من نزعات وتصورات وفاعليات، إنما تخلق فارقا بنيويا وجوهريا بينها وبين ما يناظرها في الدول الأخرى. ومن جهة يجعلها في عِداد الحركات "المستعصية"، التي تحولت في الكثير من البلدان، بالذات في سوريا واليمن، إلى أشكال من التناحر الداخلي وتمزيق الدول وتحطيم فضائها العام.

التوزع الجغرافي يزيل عن الانتفاضة العراقية سمة العمومية

فانتفاضة العراقيين مناهضة تماما لنخب الحكم العراقية، بقادتها ورموزها وأحزابها السياسية، وما يستطيل وينفرز منها من مؤسسات أو أجهزة بيروقراطية، المتهمة من قبلها بشدة الفساد والاغتراب عن المجتمعات العراق، بل حتى أن غالبية واضحة من المنتفضين، إنما تعتبر تلك النخبة الأوليغارشية الحاكمة بمثابة قوة احتلال للفضاء العراقي.

لكن ذلك هو حدود هذه الانتفاضة، على الأقل حتى الآن. فما يجري هو مناهضة تلك النخبة فحسب، ولا يتجاوزها بأي شكل ليطال الدولة العراقية نفسها، بمواثيقها وهويتها وعلاقات سلطاتها وشكل توزيع قوتها، كما فعلت كل ثورات الربيع العربي الظافرة، وما تحاول الثورة اللبنانية الراهنة لأن تفعله/تحققه.

فخيال الانتفاضة العراقية لا يتجاوز حدود التصدي والتحطيم المادي لنخبة حكم السلطة العراقية، دون أي مسٍ، ولو على مستوى الكلام، للنبع الحقيقي الذي تدفقت منه هذه النُخب وطبائعها الفاسدة وقدرتها على التملص من أي عقاب، أي مركزية الدولة العراقية ونزعاتها العسكرية، التي ما تزال الانتفاضة العراقية صامتة وكتومة بخصوصها، مُعتبرة بأنها قضايا خارج التفكير والنقاش، وطبعا خارج القابلية للتحطيم والتغيير، بمعنى ما قضايا مُقدسة.

حدود التوزع الجغرافي للمنتفضين العراقيين، الممتد من العاصمة بغداد ونزولا نحو كامل الجنوب العراقي، أي بيئة الشيعة العراقيين فحسب، إنما تشكل أكبر تفسير لسمة الانتفاضة العراقية سابقة الذكر. فما يحدث هو انتفاضة جماعة الأغلبية السكانية العراقية على نخبهم الحاكمة، وليس على ركائز الدولة العراقية، التي هي في وعيهم الداخلي المستبطن دولتهم.

في هذا الإطار، فإن المنتفضين العراقيين إنما يطابقون غالبية السُنة السوريين، الذين شاركوا في الثورة السورية، وكانوا يستميتون في سبيل تحطيم سلطة حكم البلاد، التي كانوا يرونها سلطة الطائفة العلوية، لكنهم توقفوا في مطالبهم عند ذلك، دون أي مس بركائز الدولة السورية، التي كانوا يرونها ذات سمات سُنية تماما، خصوصا في أجهزة ومواثيق القضاء والتعليم والرموز العليا في البلاد. وكان ذلك التناقض هو السبب الأكثر وجاهة للتعفن الداخلي للثورة السورية.

نفس ذلك التوزع الجغرافي إنما يزيل عن الانتفاضة العراقية سمة العمومية، على عكس باقي الانتفاضات، التي كانت في جوهرها مناهضة شاملة في وجه الدولة والسلطة التي تقسم المجتمع على أحياز وجماعات متمايزة ومتصارعة في المتن الوطني. 

جميع ثورات الربيع العربي الناجحة قد فعلت ذلك بأدوات التوزع الجغرافي ورموز "الوطنية العمومية"، وبتلك العمومية غلبت أفعال الدولة التقسيمية للمجتمع. لا تفكر ولا تفعل الانتفاضة العراقية ذلك، تمشي بإصرار لأن تكون انتفاضة شيعية فحسب، راضية ومتجاهلة لباقي بيئات المجتمع العراقي، معتبرة بأن ذلك ليس مهمتها الأساسية.

ما يحدث هو انتفاضة جماعة الأغلبية السكانية العراقية على نخبهم الحاكمة

لا يُعرف مثلا المسار الذي يُمكن أن تأخذه هذه الانتفاضة العراقية فيما لو انضم إليها السُنة العراقيون، وصاروا بالتقادم يُظهرون أشكالا من مطالب وخطابات مظلوميتهم الذاتية، واشتكوا من استمرار هيمنة الشيعة على الدولة العراقية، بالذات على مؤسساتها الأمنية والعسكرية وقرارها الإقليمي الاستراتيجي، وطالبوا بالمزيد من السلطات على مناطقهم وخيراتها الاقتصادية وحقوقها المالية!

الأمر نفسه ينطبق على الأكراد العراقيين. أية تحولات قد تصيب عالم المنتفضين العراقيين هؤلاء، حينما تصل الأمور لدرجة مطالبة البيئات العراقية الأخرى بالمزيد من حقوقها الذاتية، التي ستكون بالضرورة حسما من السلطة المطلقة لبيئة عراقية بعينها على الدولة والسلطة في البلاد، حسما من السلطة المُطلقة لبيئة المنتفضين أنفسهم.

كان الأكراد العراقيون قد عايشوا شيئا مطابقا لذلك في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم. فبينما كانت القوى السياسية العراقية المركزية وقواعدها الاجتماعية تتصارع فيما بينها لحكم البلاد، وبالرغم من حدة ودموية الصراع فيما بينها، فإنها جميعا كانت متفقة على أن الأكراد العراقيين، وحركتهم القومية، لا يمكن لها أن تكون جزء من هذه الديناميكية المتصارعة على الدولة وسلطة البلاد وسياساتها الاستراتيجية، وكانوا متوافقين بشكل مطلق على رفض أي شكل من الحكم الذاتي لهؤلاء الأكراد، محسوم من السلطة المطلقة لهذه الأحزاب العراقية المتصارعة وقواعدها الاجتماعية المؤيدة لها.

العلة الأهم في الانتفاضة العراقية تتعلق بالموقف من الجماعات والميليشيات والقوى العسكرية في البلاد، التي هي أُس مشكلة البلاد. فالمنتفضون يعرفون أكثر من غيرهم بأن الحكومة العراقية ورئيس وزرائها إنما هم السلطة الشكلية والإدارية في البلاد، وأن السلطة الحقيقية هي بيد تلك الجماعات المسلحة، بما في ذلك الكثير الأجهزة الأمنية النظامية نفسها.

فالمنتفضون العراقيون في ذلك المسعى إنما صاروا يطابقون طيفا من المعارضين اللبنانيين الشكليين، الذين يعتبرون أن التغيير في البلاد يأتي عبر معارضة بعض الوزراء البيروقراطيين التقنيين في سلطة البلاد، وليس في "حزب الله"، سُلطة الهيمنة العسكرية والأمنية الحقيقية في البلاد.

 أخيرا، فإن الانتفاضة العراقية تواجه مأزق "الوصول المبكر للحائط". فالمنتفضون العراقيون يظهرون كما راديكاليا مما يرفضونه "شلع قلع كلهم حرامية"، لكنهم بالمقابل، يُظهروا أعلى درجات عدم الإدراك لما يسعون لتحقيقه.

لا يُعرف مثلا المسار الذي يُمكن أن تأخذه هذه الانتفاضة العراقية فيما لو انضم إليها السُنة العراقيون

ففي حين كانت جميع انتفاضات الربيع العربي تجري في دول تعيش في ظلال أنظمة شمولية، تسعى لتحقيق مستويات عالية من الحريات السياسية والعامة، وبناء أشكال من الأنظمة الديمقراطية؛ فإن الانتفاضة العراقية تجري في بلد متمتع بتلك السمات من الحريات السياسية واللعبة الديمقراطية، وإن بنسب وأشكال مختلفة.

لأجل ذلك المأزق، فإن الانتفاضة العراقية تحارب في سبيل التأجيل المُستدام للإجابة على ترسانة من الأسئلة الواجبة والملحة، وعلى رأسها السؤال الأعمق والأكثر بساطة: ما الذي تسعى الانتفاضة لتحقيقه؟!

لا يعتبر المنتفضون العراقيون بأن استقالة الحكومة سيحقق مطلبهم الأساسي. لا يزال النقاش حول الانتخابات المبكرة وقانون انتخابي جديد غير ناضج، في الوقت الذي لا يحقق فيه المنتفضون النصاب الرمزي والشعبي الضروري لأن تكون انتفاضتهم وثورتهم وطنية مدنية عامة في البلاد، في مواجهة الهيمنة الإقليمية الإيرانية عليها.

كل تلك القضايا هي من علامات ضعف الانتفاضة العراقية وقابليتها الذاتية للتحطم. لكن الأكثر تراجيدية فيها هو قُدرة نفس قوى الحُكم على العودة من جديد، وبنفس الزخم، فيما لو جرت أية انتخابات عامة عما قريب.

اقرأ للكاتب أيضا: محرقة الجيوبوليتيك

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الانتفاضة العراقية.. الأسئلة المؤجلة 7C510CA9-F74D-4D6F-B33F-0466FE8CE5BD.jpg AFP الانتفاضة-العراقية-الأسئلة-المؤجلة العلة الأهم في الانتفاضة العراقية تتعلق بالموقف من الجماعات والميليشيات والقوى العسكرية في البلاد، التي هي أُس مشكلة البلاد 2019-11-11 15:21:32 1 2019-11-11 15:47:32 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.