519984 4

سونر چاغاپتاي، آنا بورشفسكايا، كونور هايني، دانا سترول، وتشارلز ثيبوت/

عندما يجلس الرئيس رجب طيب إردوغان والرئيس دونالد ترامب وجها لوجه في اجتماعهما المزمع في واشنطن في 13 نوفمبر، ستجري محادثاتهما على خلفية التوترات الأميركية ـ التركية المتزايدة بشأن قضايا السياسة الخارجية، إلى جانب المخاوف من احتمال تكرار ما حدث في الزيارة الأخيرة للرئيس التركي.

فخلال زيارة إردوغان في مايو 2017، اشتبك حراسه الأمنيون في شجار عنيف مع المحتجين في "شيريدان سيركل"، ذلك الحادث الذي أضر بشكل كبير بصورة تركيا في الولايات المتحدة.

ونظرا إلى الأجواء السائدة حاليا في واشنطن، فقد يواجه إردوغان احتجاجات أوسع هذه المرة، مع احتمال أن يؤدي ذلك إلى كارثة دبلوماسية علنية. والأهم من ذلك، قد يصدر الكونغرس قريبا عقوبات تستهدف أنقرة إذا فشل الرئيس التركي في تهدئة المشرعين الغاضبين. وللحد من هذه المخاطر، يجب على الرئيس ترامب أن يستخدم علاقته القوية بإردوغان لتذليل الخلافات حول المواضيع التالية.

توغل تركيا في سوريا

في التاسع من أكتوبر، أرسلت أنقرة قوات إلى شمالي سوريا بهدف إضعاف "وحدات حماية الشعب" الكردية المتفرعة عن "حزب العمال الكردستاني" التركي المدرج من قبل الولايات المتحدة على لائحة الإرهاب. وسابقا، كانت واشنطن قد دخلت في شراكة مع "وحدات حماية الشعب" وائتلافها الكردي ـ العربي، "قوات سوريا الديمقراطية"، لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") منذ عام 2014.

يتصاعد الغضب تجاه تركيا في صفوف هيئات من السلطة التنفيذية أيضا

ومع انهيار المناطق الرئيسية من دولة "الخلافة" التابعة لتنظيم "داعش" في عام 2017، بدأ المسؤولون الأميركيون العمل مع أنقرة لوضع خطة لإنشاء "منطقة آمنة" في شمال شرقي سوريا ونقل "وحدات حماية الشعب" بعيدا عن الحدود التركية.

في هذا الوقت، فإن الغاضبون في واشنطن من إردوغان كثر لأنه أمر بتوغّل يقوّض هذه الخطط، التي كانت ستسمح للولايات المتحدة وتركيا بالعمل معا في المنطقة دون السماح لروسيا ونظام الأسد بالدخول إليها.

وفي 28 أكتوبر، صوت مجلس النواب الأميركي على قانون يقضي بفرض عقوبات على المسؤولين العسكريين الأتراك الذين شاركوا في التوغل ومنع بيع الأسلحة التي قد تستخدمها قواتهم في سوريا. وسيتم الآن النظر في مشروع القانون في مجلس الشيوخ الأميركي وإقرار محتمل. ويتصاعد الغضب تجاه تركيا في صفوف هيئات من السلطة التنفيذية أيضا، حيث تعارض وزارة الدفاع الأميركية التوغل التركي.

وعلى الرغم من هذا العمل التركي، وقرار ترامب المتزامن بسحب القوات الأميركية من سوريا، لا تزال لدى الولايات المتحدة مصلحة قوية في التأكد من استمرار عمليات مكافحة الإرهاب في شمال شرقي سوريا، فضلا عن معالجة الأسباب الجذرية التي تقف وراء ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" وإيجاد حل سياسي لإنهاء الحرب. وتستلزم المهام الأخيرة العمل مع تركيا للضغط على نظام الأسد، الذي ستساعد سيطرته المستمرة على سوريا [على نجاح] تنظيم "داعش" في تجنيد المزيد من الكوادر كجماعة سرية متمردة.

والآن وقد لبّت الولايات المتحدة مطلب تركيا الرئيسي ـ أي التنحي جانبا لإفساح المجال أمام العمليات التركية ضد "وحدات حماية الشعب" ـ يجب أن تتمثل أولوية إدارة ترامب خلال المحادثات مع إردوغان والمسؤولين الآخرين في القضاء على العناصر الأكثر تطرفا بين الوكلاء السوريين في تركيا، وتصميم هيكليات حكم محلية شاملة في المناطق التي تنشط فيها تركيا، وحماية حقوق الأقليات.

يجب على الحكومتين أيضا تنسيق إجراءاتهما الدبلوماسية بشأن أعمال اللجنة الدستورية التي تقودها الأمم المتحدة في سوريا، لأن ترك تركيا تقف بمفردها في دعم المعارضة السياسية من شأنه أن يعطي نفوذا أكبر لنظام الأسد وروسيا.

وأحد العوائق في هذا الشأن هو أن قبضة ترامب على أنقرة أصبحت حاليا أضعف بكثير مما كانت عليه منذ شهر فقط، نتيجة لأوامره بالانسحاب المفاجئ والشكوك المتزايدة بشأن قدرة الصمود والتحمل الأميركية.

ومع ذلك، عليه الاستفادة من نفوذه المتبقي وتقاربه الشخصي مع إردوغان، والضغط عليه لتحمّل المسؤولية في موضوعين مهمين يمكن القيام بهما بدعم من الولايات المتحدة وأوروبا، وهما: السيطرة على أي محاولة كبيرة من تنظيم "الدولة الإسلامية" لمعاودة نشاطه، ومنع نظام الأسد وحلفائه من استغلال الوجود المستمر للتنظيم الإرهابي في سوريا كأداة لتحقيق أهدافهم.

دور تركيا في برنامج "أف ـ 35"

مضت أنقرة قدما هذا العام في صفقة شراء أنظمة الصواريخ الدفاعية الروسية "أس-400" رغم التحذيرات الأميركية المتكررة من أن الصفقة قد تهدد أمن الأنظمة العسكرية الأميركية في تركيا.

وردا على ذلك، اتخذ البنتاغون خطوات لطرد أنقرة من برنامج مقاتلات "أف ـ 35"، فأرسل أفرادا عسكريين أتراك متمركزين في الولايات المتحدة إلى وطنهم بعد فترة وجيزة من إعلان إبعاد البلاد عن البرنامج في 17 يوليو.

وحتى الآن، لا تزال تركيا مزودا كبيرا لقطع غيار طائرات "أف ـ 35"، حيث أن ثمانية من شركاتها تقوم بتصنيع أكثر من 900 قطعة غيار وتبقى المزود الوحيد لمعدات الهبوط ووحدات واجهة الصواريخ. لكن هذه العلاقة الصناعية تنتهي بحلول مارس 2020 مع تحوّل سلاسل الاستحواذ نحو الولايات المتحدة.

وهناك مجال محدود متاح أمام تركيا لتهديد الإنتاج عبر وقف الصادرات، لكن ذلك لن يؤثر إلا مؤقتا على الإنتاج، بينما يحتمل أن يدمّر فرص البلاد في الانضمام مجددا إلى برنامج كانت قد انضمت إليه للمرة الأولى كعضو مؤسس.

لدى بوتين نفوذ أكبر بكثير على إردوغان من نفوذ هذا الأخير عليه

وإذا اختارت أنقرة هذا المسار، فمن المحتمل أن تتصدى لها واشنطن بعقوبات تؤثر على العمليات الحالية وعلى استعداد العديد من النُظم الأميركية الصنع التي تعتمد عليها تركيا. وهذا النوع من اللكمات واللكمات المضادة من شأنه أن يضر بصورة ملحوظة بصحة العلاقة على المدى الطويل.

وعلى أي حال، من المرجح أن يؤدي الضغط المشترك بين الكونغرس والبنتاغون إلى منع إعادة قبول تركيا إلى برنامج "أف ـ 35" في أي وقت قريب، لذا سوف يتطلع إردوغان إلى روسيا للبحث عن حلول بديلة. ووفقا لبعض التقارير عرضت موسكو لأنقرة خيارات متعددة من مقاتلات الجيل الرابع والخامس، والتي من شأن أي منها أن يعمّق الانقسام بين حلف "الناتو" وتركيا.

قضايا روسية أوسع نطاقا

على الرغم من أن الرئيس فلاديمير بوتين وغيره من كبار المسؤولين الروس قد عبّروا عن تحفظاتهم بشأن التوغل التركي في سوريا، إلا أن قرارات البيت الأبيض بالانسحاب قد عززت السمعة التي تطمح إليها روسيا، وهي أن تكون وسيطا موثوقا كما يُفترض يمكنه التحدث إلى جميع الأطراف في الشرق الأوسط. وفي إطار هذه اللعبة الجيوستراتيجية الأوسع، عملت روسيا تدريجيا على جذب تركيا إلى دائرة نفوذها في السنوات الأخيرة.

ويتبادل إردوغان وبوتين مشاعر مودة كرئيسين قويين، وقد فتحت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016 الباب أمام بوتين للتودد بصورة أكثر إلى نظيره التركي. وسابقا، كانت تركيا تعتبر روسيا عدوها التاريخي ودولة تسبب الاضطرابات في المنطقة.

وعلى الرغم من أن هذه النظرة المتأصلة بالكاد قد زالت، إلا أن الانقلاب الفاشل أتاح لموسكو استغلال مخاوف إردوغان المحلية، وعزلة أنقرة الإقليمية، وطَبْع بوتين في زرع الشقاق داخل حلف "الناتو"، الأمر الذي دفع الحكومتين إلى تعميق تعاونهما بشكل مطرد.

أظهر استطلاع للرأي أن 55 في المئة من الجمهور الروسي يريد إنهاء انخراط بلادهم في سوريا بالكامل

على سبيل المثال، في الوقت الذي تنصب فيه جميع الأنظار على التوغل التركي عبر الحدود، لاحظ القليلون الاتفاق الأخير بين موسكو وأنقرة حول بدء التداول بعُمْلتيهما الوطنية. وتقوم روسيا أيضا ببناء أول محطة للطاقة النووية في تركيا.

لكن هذه العلاقة ليست متساوية. فلدى بوتين نفوذ أكبر بكثير على إردوغان من نفوذ هذا الأخير عليه، بدءا من علاقاته الطويلة الأمد مع "حزب العمال الكردستاني"، مرورا بالعلاقة الاقتصادية التي ترجَّح لصالح موسكو، (تعتمد تركيا إلى حد كبير على الغاز الطبيعي الروسي وتدفق السياح الروس)، وصولا إلى العمليات الإعلامية الروسية المتزايدة داخل تركيا من خلال وسائل إعلام مختلفة كـ "سبوتنيك".

ومع ذلك، تنطوي الخطوات الأخيرة لبوتين على بعض المخاطر والتحديات. فمن ناحية، تقوم الشرطة العسكرية الروسية بدوريات في مدينة منبج في شمال سوريا التي تتاخم المناطق التي تسيطر عليها الآن القوات المدعومة من تركيا، مما يزيد من خطر الاشتباكات العرضية بينهما.

وفي المقابل، أظهر استطلاع للرأي أجري في مايو أن 55 في المئة من الجمهور الروسي يريد إنهاء انخراط بلادهم في سوريا بالكامل. ومع ذلك، لا يبدو التدخل مسألة ذات أولوية عالية بالنسبة لهم في الوقت الحالي، لذلك من المحتمل أن تكون لدى بوتين مهلة محلية كبيرة لمواصلة التدخل في سوريا.

جدول أعمال الكونغرس الأميركي

كان المشرعون الأميركيون موحدين بشكل خاص في معارضتهم لقرار إدارة ترامب بسحب القوات الأميركية من شمال شرقي سوريا، والإذعان المتصوَّر للعمليات العسكرية التركية ضد الأكراد السوريين. فمن وجهة نظرهم، أضرت هذه العمليات بالمدنيين، وغيرت قسرا التركيبة السكانية من أجل طرد الأكراد، وأتاحت الظروف لازدهار المتطرفين العنيفين.

يحرص الكونغرس على تمييز نفسه عن البيت الأبيض في تناول الأخير للعلاقات مع إردوغان

وفي 16 أكتوبر، ومن خلال تسليط مجلس النواب الأميركي الضوء على الطبيعة المشتركة لكلا الحزبين لهذه المشاعر، صوّت المجلس بأغلبية ساحقة (354 مقابل 60) لتمرير قرار يدعو تركيا إلى "ضبط النفس" في سوريا. كما أدان القرار التطورات الأخيرة كونها تمنح حياة جديدة لـ تنظيم "داعش" بينما تشجع نظام الأسد وروسيا.

وفي 29 أكتوبر، أقر مجلس النواب الأميركي بأغلبية ساحقة إجراء آخر (403 مقابل 16) يهدد بفرض عقوبات على المسؤولين الأتراك المتورطين في التوغل. وفي حين أنه من غير المرجح أن يتم إقرار هذا الإجراء في مجلس الشيوخ دون تعديلات كبيرة، إلا أن ذلك المجلس يبدو مستعدا لخوض معاركه الخاصة مع تركيا.

على سبيل المثال، يدعو مشروع قانون لمجلس الشيوخ جرى طرحه مؤخرا إلى إعداد تقرير يقيّم قابلية نقل الأصول الاستراتيجية الأميركية من القاعدة الجوية في أنجرليك. وما يضيف إلى التوترات، هو موافقة مجلس النواب بأغلبية ساحقة في الشهر الماضي على القرار غير الملزم المتعلق بالإبادة الجماعية للأرمن، على الرغم من أن المجلس كان قد أجل التصويت على هذا المشروع لسنوات.

وفي الواقع، يحرص الكونغرس الأميركي على تمييز نفسه عن البيت الأبيض في تناول الأخير للعلاقات مع إردوغان. ومع ذلك، يحتاج المشرّعون الأميركيون إلى أن يدركوا أن أي عقوبات أخرى من المرجح أن تدفع أنقرة إلى التقارب بصورة أكبر من موسكو.

الخاتمة

لقد نجح إردوغان حتى الآن في إيجاد طرق كفيلة بتأليب ترامب وبوتين ضد بعضهما البعض، لتحقيق أقصى قدر من المكاسب التركية في سوريا. وبعد حصوله على موافقة ترامب للتوغل عبر الحدود، توسط إردوغان في صفقة مماثلة مع بوتين في اجتماع عُقد في سوتشي في 22 أكتوبر.

العلاقة بين ترامب وإردوغان هي إحدى القنوات الثنائية القليلة التي لا تزال صالحة

ومع ذلك، فإن رحلته إلى واشنطن ستتطلب مقاربة مختلفة، وهي: بناء الثقة مع الكونغرس والهيئات الحكومية خارج البيت الأبيض. والأهم من ذلك، يجب أن تتجنب التفاصيل المتعلقة بالمحافظة على أمنه مواجهة المتظاهرين مجددا. وستُعتبر زيارته ناجحة إذا لم تزد خلافا آخر واستياء جديدا على العلاقات الثنائية.

ومن جانبه، يحرص الرئيس ترامب على الحفاظ على علاقاته الجيدة مع إردوغان مع إعطائه مظهر الاستجابة للمخاوف التي عبّر عنها صناع السياسة الأميركيون الآخرون. ففي أعقاب التوغل التركي، أصدر البيت الأبيض في 14 أكتوبر عقوبات خفيفة إلى حد ما ضد أنقرة، باستهدافه أصول بعض الوزراء. ومع ذلك، رَفَع الرئيس الأميركي تلك العقوبات بسرعة في 23 أكتوبر بعد ضمان وقف إطلاق النار التركي في سوريا.

ومع ذلك، يبدو أن العلاقة بين ترامب وإردوغان هي إحدى القنوات الثنائية القليلة التي لا تزال صالحة في زمن يشهد خلافات سياسية حادة وتتناقص فيه الثقة بين المؤسسات في كلا البلدين. لذلك، يجب على صانعي السياسات النظر في أفضل السبل لمعالجة مخاوفهم عبر هذه القناة.

سونر چاغاپتاي هو زميل "باير فاميلي" في معهد واشنطن ومؤلف الكتاب "إمبراطورية إردوغان: تركيا وسياسة الشرق الأوسط". آنا بورشفسكايا هي زميلة أقدم في معهد واشنطن ومؤلفة دراسته الأخيرة "تحول المشهد: الدور العسكري لروسيا في الشرق الأوسط". المقدم كونور هيني (سلاح الجو الأميركي) هو زميل عسكري في المعهد. دانا سترول هي "زميلة كاسين" في المعهد، وعملت سابقا كأحد كبار الموظفين في "لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي". تشارلز ثيبوت، هو دبلوماسي فرنسي وزميل زائر مقيم في المعهد، وكان قد شغل مناصب في سوريا وغيرها.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
إردوغان في واشنطن: وضع جدول أعمال لزيارة محورية 64F61158-6453-4E8A-8723-49D2F47BC2EB.jpg Reuters أردوغان-في-واشنطن-وضع-جدول-أعمال-لزيارة-محورية إردوغان وترامب خلال قمة لحلف "الناتو" في بروكسل في يوليو 2018 2019-11-12 15:42:58 1 2019-11-12 15:49:35 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.