جدراية للشاب علاء أبو فخر، الذي قتل بعد مقابلة رئيس الجمهورية ميشال عون، يرسمها في طرابلس اللاجئ الفلسطيني غيث الروبة، الذي لجأ إلى لبنان من سوريا
جدراية للشاب علاء أبو فخر، الذي قتل بعد مقابلة رئيس الجمهورية ميشال عون، يرسمها في طرابلس اللاجئ الفلسطيني غيث الروبة، الذي لجأ إلى لبنان من سوريا

521116 4

حسن منيمنة/

تقترب الثورة اللبنانية من إكمال شهرها الأول، وتستمر الطبقة السياسية في محاولات البحث عن وسائل تنفيسها وتشتيتها واستيعابها. بعض أصحاب المناصب والخبرة يشيرون بقلق إلى التداعيات الخطيرة، اقتصاديا وسياسيا، لاستمرار الحراك الشعبي في تعطيله للحياة الاقتصادية وصولا إلى تحميله مسؤولية الانهيار المرتقب، فيما يلوّح البعض الآخر بأن حال الفوضى من شأنها تعميق الشروخ بين بيئة وأخرى، ووضع شارع في مواجهة شارع، بما يؤسس لحرب أهلية جديدة.

دون الوقوع في فخّ سجالات مع هذه الطروحات التي يختلط فيها الصادق بالمنافق، ودون إصدار بيانات نافية وناقضة، ومن خلال اتساع دائرة المشاركة في التظاهرات، وتعزيز التواصل بين الناشطين من مختلف المناطق، يبدو جليا بأن الرأي السائد في أوساط الثورة مختلف تماما.

بلهجة عرسالية رائعة، في تظاهرة في شتورا اعتمدت أسلوب طرابلس بالاحتفال الثوري، اختصر أحد الثوار واقع الأزمة ومطلب الثورة: "حرب؟ ما في حرب! حل؟ ما في حل! في مصاري، سرقتوهن، نهبتوهن، أخدتوهن... ردّوهن!".

صدق ثوار لبنان.

استرداد الأموال المنهوبة هو دون شك في صدارة الأولويات، أقلّه في المرحلة الاستدراكية لهذه الثورة، أي في معالجتها لخطايا الجمهورية الثانية، قبل الدخول، إذا نجح الثوار في ترجمة اندفاعهم وشعاراتهم برامج سياسية، إلى التأسيس للجمهورية الثالثة التي ينتهي فيها منطق الطائفية والإقطاعية.

المسألة هنا وهنالك قد لا تكون سرقة بالمعنى القضائي، بل هدر طائش حينا، ونهب ممنهج ومشرعن أحيانا

على مدى الأعوام الماضية، رغم الإحباط العائد إلى فجور الفاسد والصمت المريب لمن عليه أن يقاضي ويسائل، وفي وجه واقع مجتمعي كاد أن يستسلم للأقدار، واصلت مجموعات من النشطاء المدنيين والصحافيين الاستقصائيين عملها التوثيقي لأوجه متراكمة من النهب والسرقة والاختلاس الممنهج والفساد بمختلف أشكاله.

وإذا كانت الثورة قد أعادت الاعتبار لهذا المجهود الهام، فإن آليات الانتقال من الطرح الإعلامي لهذه الحالات إلى المقاضاة القانونية متوفرة للتوّ فقط للشطر الأوسط من حالات فقدان المال العام، أي تلك التي يرتكبها موظفون في القطاع العام خلافا للقوانين المرعية بما يحقق لهم الكسب المالي غير المشروع ويحرم المواطن من الخدمات التي كان يفترض أن توفّرها الأرصدة المسروقة.

والأموال المسروقة في هذا "الشطر الأوسط"، على أهميتها وضرورة العمل على استرجاعها، تتضاءل أمام حجم الأموال المنهوبة أو الضائعة في "الشطر الأعلى" من حالات فقدان المال العام، أو المبددة في "الشطر الأسفل" منها.

"الشطر الأعلى" هنا هو ما جعل من "الجمهورية الثانية" مزرعة لزعماء الطوائف وأمراء الحرب. هو وليد صيغة توافقية بينهم شرّعت لهم تقاسم ثروات الوطن، المحلية منها والواردة إليه لرفعه من أزماته، بمعرفة المانح أو دونها، بحجة التوازن بين الفئات والطوائف، وإن جاء ذلك على حساب مصلحة المواطن وكرامته، وفي أحيان عدّة حياته.

قد تكون الكهرباء هي المثال الصارخ على هذ الممارسات المهينة والمشينة. فقد هُدرت على مدى السنين مبالغ خيالية كان من شأنها بناء بنية تحتية للتيار الكهربائي لأوطان عدّة، وحُمّلت الأجيال القادمة الديون المترتبة عن هذا الإنفاق المستهتر، عند الحد الأدنى، فيما بقي المواطن اللبناني يصارع الظلمة ويقدّم جزءا هاما من دخله لأصحاب المولدات، للحصول على التيار في ساعات انقطاعه من المؤسسة العامة.

وقد تضاهي قضية شركة سوليدير مسألة الكهرباء، بل قد تزيد بالنسبة للبعض، في استملاكها لعقارات وسط بيروت، بشكل مصادرة قسرية، ثم بفشلها تحقيق وعودها الإنمائية والاستثمارية، رغم الرواتب الضخمة والامتيازات للقائمين عليها.

والمسألة هنا وهنالك قد لا تكون سرقة بالمعنى القضائي، بل هدر طائش حينا، ونهب ممنهج ومشرعن أحيانا. قد يمكن إخضاع بعض أطراف الموضوع للملاحقة القانونية، حيث انضوت الممارسات ضمن العقود على مخالفات وتجاوزات قابلة للمساءلة. وقد يمكن تدفيع ثمن سياسي لبعض الزعامات التي أتاحت لهذه الحالات الشاذة أن تتحقق وأن تستمر، غير أنه من فائق الصعوبة الاقتراب من استرداد الأموال المنهوبة والمهدورة، سواء ضمن الإطار العدلي القائم، أو مع استصدار قانون جديد في هذا الشأن أعدّته وتعمل على إقراره الطبقة السياسية نفسها المسؤولة عن هذه الحالات.

وفي حين أنه للكهرباء ولسوليدير حصّة الأسد في هذا الشطر الأول، فإن السبيل ليس حاضرا، لا من حيث الصلاحية لا الأهلية ولا الكفاءة للشروع بالتعويض عن الضرر المادي، القابل للتقدير، والمعنوي العصي عن أي تخمين، في ترخيص أعمال الكسارات التي دمّرت الجبال والمواقع الأثرية، كما في إباحة البناء مع استباحة الطبيعة على مدى الفضاء اللبناني، وصولا إلى بيع الواجهات البحرية والنهرية، والإضرار بالبيئة والإنسان، وتدمير الإرث البيئي والوطني والذي هو من حقوق الأجيال القادمة.

استرداد الأموال المنهوبة هو دون شك في صدارة الأولويات

والسؤال الهام كذلك هو هل يمكن إهمال الاستنزاف المالي والمادي للمجتمع اللبناني نتيجة للمناكفات السياسية على طول عمر الجمهورية الثانية، والذي قد يزيد، في ضياع فرص النمو والازدهار عن المال المنهوب والمهدور واقعا؟ بل كيف يمكن الفرز بين هذه العوامل المتداخلة دون الوقوع في فخ التسطيح القابل لإعادة التوظيف السياسي؟

التيارات اليسارية، سواء منها المنسجمة مع محور "الممانعة" أو الصادقة بيساريتها العقائدية، تسعى إلى تحميل مصرف لبنان وعموم القطاع المصرفي مسؤولية رئيسية للفساد، من خلال الحديث عن تواطؤ السلطة ورأس المال، أو عن التبعية للنظام العالمي والخضوع لرغبات الصناديق الدولية، أو حتى من خلال الغوص في قراءات نظرية اقتصادية اختزالية حول أزمة النظام الغربي.

"النيوليبرالية" هي اليوم بالتالي موطن العلة وأساس الشر لدى هذه الجهات، دون أن يتفق من يتحدث عنها عن مضامينها. بل لربما أنه في غموض تعريف "النيوليبرالية" ما يزيد من وطأة إدراجها في الكلام، كما كان حال "المحافظين الجدد"، وهي ليست عنهم ببعيدة، في نظر من يستدعيها.

ليس اليسار وحده من يشتكي من أزمة النظام العالمي الرأسمالي المعولم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بل تكثر الأصوات الداعية إلى التنبه من ميل هذا النظام تلقائيا إلى دورات الأزمات الخانقة ثم الانفراجات، بما يؤدي إلى ضرب الاستقرار على المستويات المختلفة. على أن الانتقال من العام (العالمي) إلى الخاص (اللبناني) في هذا الشأن يحتاج إلى قدر من التأني لتجنّب أن تصبح المسألة وسيلة وحسب في سجالات سياسية مستجدة، عقيمة وقابلة للتوظيف.

هل أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة "فاسد" يجب أن يسقط ويعيد ما نهبه من أموال (مهما كانت، إذ لا أدلة أو قرائن هنا)، أو هل أنه حاول تطبيق سياسة نقدية هادفة إلى تحقيق استقرار العملة الوطنية، ونجح بذلك، في حين أن المسؤوليات الاقتصادية المرتبطة بهذه السياسة النقدية، وهي القابلة للجدل، تقع على عاتق السلطتين التنفيذية والتشريعية، واللتين بقيتا غائبتين عن القرار في هذا الشأن؟

 وهل أنه على رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة أن "يعيد 11 مليار دولار"، وإلا جاز لأهل الخير أن يأكلوا دون أن يدفعوا في المطاعم التي قيل أن لأحد أقربائه حصة فيها، على أن يحسم دولة الرئيس قيمة الوجبة من الأموال التي نهبها، وفق القناعة العامة التي تكاد أن تجمع أنه وضع اليد وحسب على هذه المليارات (دون أن تساؤله بشأنها الجهات المختصة في الحكومات التالية والتي ساد عليها خصومه)؟ أم هل أن السنيورة كان قد وضع موضع التطبيق قراءة مطاطة لقاعدة متبعة لموازنات متتالية من أجل تصريف أعمال الدولة، بما يصل وحسب إلى حد الاتهام بمخالفة العرف أو الدستور، في حين كان الفريق الخصم يسعى إلى تعطيل المؤسسات الدستورية برمّتها؟

وتتجلى الطبيعة الأهوائية لمحاربة الفساد إعلاميا في التقرير المرئي الذي استهدف وزير الخارجية جبران باسيل. إذ جاءت خلاصة التقرير لتضع أمام المشاهدين كامل دخل باسيل منذ توليه المنصب العام في مواجهة قيمة أملاكه المسجلة منذ ذلك الحين. مليون وربع مليون دولار مقابل ٢٢ مليون دولار. رغم أن التقرير زعم الرغبة بالاستفسار وحسب، غير أن الأمر ينضوي على اتهام واضح بالفساد.

الفاسد هنا هو المقارنة، حيث أن 22 مليون دولار هي القيمة التقديرية اليوم، وليست ما دفعه الوزير لشراء هذه العقارات، علما بأن باسيل قد رفع السرية المصرفية عن نفسه، وجرى الكشف عن حساباته فتبين بأنه مديون للمصارف بثلاثة ملايين دولار، وهو تفصيل لم يرد في هذا التقرير. أي أنه يجوز أن يكون الرجل قد أحسن الاستثمار في السوق العقارية. لا تنتفي إمكانية أن يكون قد استفاد من فساد. ولكن التقرير الفاضح جاء قاصرا.

ليس في ما سبق رغبة أو نية في تبرئة سلامة أو السنيورة أو باسيل، فقد يكون أي منهم الناهب الأول لثروات لبنان. إنما تبقى البينة على من ادّعى، والتهمة ليست البرهان. والصعوبة عندما تحاكم السياسات، بما في ذلك تلك المسؤولة عن قطاع الكهرباء وسوليدير، تكمن في تبيان النية. هل من أقدم على الفعل أراد تنفيذ الواجب ففشل، أم هل أنه تعمّد الفشل لتحقيق النهب.

من شأن الثورة، كما هي فاعلة اليوم، الاستمرار بالضغط على السلطة القائمة، بوصفها سلطة تصريف أعمال، للمضي قدما بمساءلة شفافة للتجاوزات والمخالفات والسرقات التي تقع ضمن صلاحية القضاء والتي تطال "الشطر الأوسط" من فقدان الأموال العامة.

أما "الشطر الأول" فهو بحاجة ماسة إلى إطار كفيل بنقله من حالة الاتهام القائم على الانطباع والقابل للتوظيف السياسي إلى الصيغة الكفيلة بأن تحاسب على أساس المعطيات الموضوعية.

مطلب أن ترحل الطبقة الحاكمة برمّتها لا يستقيم مع تجريم دون أدلة

المطلوب بالتالي ليس استصدار قوانين من سلطة سياسية هي في موقع الاتهام ولا يصحّ بالتالي أن تكون هي الحكم بل المطلوب هو تصعيد ثوري، يدعو كافة الطاقات الحقوقية في لبنان، وهي وافرة، إلى مناقشة التجارب العالمية في العدالة الانتقالية للاستفادة منها وللوصول إلى أشكال محلية لجهود استرداد الأموال المنهوبة، تؤطرها وتصدرها السلطة التشريعية المقبلة والتي تقبل بها الثورة.

ربما أن أحد السبل الناجعة في هذا الصدد، مع استحالة استرجاع المهدور وصعوبة استرداد المنهوب بكماله، البحث في إمكانية إقامة "هيئة مصارحة ومصالحة مالية" تسمح للسياسيين وشخصيات الأعمال في حالات لا يمكن الفصل في جرميتها، كالاستفادة من تشريعات تسببت بالضرر وبهدر المال العام دون أن يكونوا هم من استصدروها، بالتقدم طوعا بالتعويض للخزينة العامة.

للثورة محافلها في وسط العاصمة، والرجاء هنا هو أن يتحقق في حلقاتها ونقاشاتها البحث عن التوازن بين الإصرار على تحقيق الحق باسترداد المنهوب والضائع، وبين المحافظة على منطق الإنصاف. فمطلب أن ترحل الطبقة الحاكمة برمّتها لا يستقيم مع تجريم دون أدلة، في السعي إلى الانتقال إلى دولة سيادة المواطن.

غير أنه، بالإضافة إلى هذين الشطرين، الأوسط القابل للمقاضاة الفورية، والأعلى، الواضح المعالم وإن لم تكن صيغ المساءلة المنتجة متوفرة، شطر ثالث أكثر صعوبة، يتعلق بمسؤوليات فردية وجماعية للمواطنين. على أمل أن يكون موضوع المقال التالي.

اقرأ للكاتب أيضا: "المقاومة" في وجه ثورة لبنان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

القضائي والسياسي في استرداد الأموال المنهوبة 80D986EA-7AEE-4DC4-B034-D857ADBC9E25.jpg AFP القضائي-والسياسي-في-استرداد-الأموال-المنهوبة جدراية للشاب علاء أبو فخر، الذي قتل بعد مقابلة رئيس الجمهورية ميشال عون، يرسمها في طرابلس اللاجئ الفلسطيني غيث الروبة، الذي لجأ إلى لبنان من سوريا 2019-11-13 13:15:21 1 2019-11-13 13:24:29 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.