عناصر أمنية كردية تحرس مخيم الهول الذي يتواجد به عوائل داعش
عناصر أمنية كردية تحرس مخيم الهول الذي يتواجد به عوائل داعش

521149 4

تشارلز ثيبوت وماثيو ليفيت/

بعد مقتل زعيم تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") أبو بكر البغدادي في 27 أكتوبر، قد يتساءل المرء عن سبب استمرار توافد المسؤولين الأجانب إلى واشنطن لحضور اجتماع "التحالف العالمي لهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية»" في 14 نوفمبر. إلا أن التهديد الذي يشكله التنظيم استمر عبر سنوات من الانتكاسات المماثلة، لذلك يتعين على العديد من الدول الفاعلة في مواجهة تنظيم "داعش" مناقشة أفضل السبل لمواصلة جهودها.

عندما عقد المسؤولون اجتماعهم السابق "لهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية»" في باريس في يونيو الماضي، خلصوا إلى أنه "مع مراعاة الوضع الأمني غير المستقر على الأرض، من الأهمية بمكان أن تبقى القوات العسكرية التابعة للتحالف في [دول] المشرق لتوفير الدعم اللازم لحلفائنا على الأرض".

ويجري حاليا اختبار هذا الالتزام بشدة عبر قرار واشنطن سحب قواتها والتخلي أساسا عن "قوات سوريا الديمقراطية". وستخضع القيادة الأميركية للمزيد من الاختبار في اجتماع الرابع عشر من نوفمبر بشأن الحفاظ على إطار عمل التحالف، الذي هو أمر ضروري لتنسيق الأعمال التي تتجاوز المستوى العسكري ومواصلة المسيرة نحو النصر طويل الأجل ضد تنظيم "داعش".

ما الذي حققه التحالف عسكريا

تم إنشاء التحالف في سبتمبر 2014 ردا على غزو تنظيم "داعش" لمساحات واسعة من أراضي سوريا والعراق. ومنذ ذلك الحين، شكل التحالف الإطار الرئيسي الذي قام من خلاله 81 بلدا بتنسيق جهودهم العسكرية والمدنية لمواجهة التهديد.

وشكّلت قوات "البيشمركة" الكردية والقوات الاتحادية في العراق و"قوات سوريا الديمقراطية" الكردية والعربية في شمال شرقي سوريا الحلفاء المحليين الأساسيين للتحالف في هذه المعركة. وقدمت الولايات المتحدة الدعم الأكبر لهذه القوات من خلال عملية صغيرة لكن فعالة لمكافحة الإرهاب.

تستمر الظروف الأساسية التي أدت إلى ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية"

وساهم العديد من الحلفاء في هذه الجهود من خلال جمع المعلومات الاستخباراتية، وشن غارات جوية، وتوفير المعدات، والتدريب العسكري، ومن بينهم أستراليا وبريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والأردن وهولندا والبرتغال والسعودية والإمارات العربية المتحدة.

وعلى الرغم من صعوبة الحملة العسكرية وارتفاع عدد القتلى والجرحى، تمكّنت القوات المحلية من استعادة جميع أراضي تنظيم "الدولة الإسلامية" بحلول مارس 2019. كما أن التعاون المستمر مع هذه القوات مكّن تنفيذ العملية الأميركية الأخيرة لقتل البغدادي.

"خريطة وزارة الدفاع الأميركية تُظهر أراضي تنظيم "الدولة الإسلامية" في ذروتها في عام 2015، وكيف قلصتها عمليات التحالف بشكل كبير في السنة الأولى من العمليات".

خطوط الجهود غير العسكرية

على الرغم من أن عددا محدودا فقط من الدول قد شاركت عسكريا، إلا أن التحالف كان آلية فعالة لجميع الأعضاء البالغ عددهم 81 بلدا للتعاون في الجهود الحاسمة الأخرى مثل مكافحة الأيديولوجية الجهادية وتمويل الإرهاب، وتحقيق الاستقرار في الأراضي السابقة لـ تنظيم "الدولة الإسلامية"، وإعاقة تدفق مقاتلي تنظيم "داعش"، ومحاكمة العائدين.

ومنذ عام 2017، بلغ إجمالي المساهمات الأوروبية بموجب إطار عمل التحالف أكثر من 400 مليون دولار لدعم شمال شرقي سوريا. وساهمت هذه الأموال في إزالة الألغام الأرضية التي خلفها تنظيم "الدولة الإسلامية"، وتجنُّب الأزمات الإنسانية في مخيمات اللاجئين، وإصلاح البنية التحتية الأساسية، وتوفير الرعاية الصحية الأولية، وإعادة إطلاق الاقتصاد المحلي.

كما شجع التحالف الدعم الثنائي والمتعدد الأطراف للعراق، والذي شمل توفير الأموال لإعادة بناء جامعة الموصل. وهذه الجهود ضرورية لاستعادة الظروف المعيشية اللائقة للسكان الذين عانوا من حكم تنظيم "داعش" والحرب ضده.

التحالف كان آلية فعالة لجميع الأعضاء

بالإضافة إلى ذلك، قام التحالف بتنسيق مشاريع لمواجهة دعاية تنظيم "الدولة الإسلامية" وإغلاق حسابات شبكة التواصل الاجتماعي التابعة له. كما تم تحسين تبادل المعلومات حول تمويل الإرهاب والمقاتلين الأجانب.

باختصار، تم تشكيل التحالف لضمان الهزيمة الدائمة لـ تنظيم "الدولة الإسلامية"، وسيتطلب زيادة التعاون [بين الدول الأعضاء] حول الأبعاد غير العسكرية لتحقيق هذا الهدف. ولهذا السبب، لا يزال هناك دور مهم [من الضروري] على التحالف الاضطلاع به.

قضايا أساسية للاجتماع القادم

تشمل البنود المدرجة على جدول الأعمال الخاص بالاجتماع الوزاري للمجموعة الصغيرة الذي سينعقد هذا الأسبوع عددا من القضايا السياسية المحتدمة:

كيف ينبغي التعاطي مع الخريطة الجديدة لسوريا؟ إن القضية الأكثر إثارة للجدل هي عدم الاستقرار الناجم عن التوغل التركي والانسحاب الأميركي غير المنسق في شمال شرقي سوريا في الشهر الماضي. وطلب وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان عقْد الاجتماع الوزاري بعد أن شنّت تركيا، وهي أحد أعضاء التحالف، حملة عسكرية لاستعادة منطقة تمتد على عمق ثلاثين كيلومترا على طول الحدود.

سيتعيّن على الدول الشريكة مناقشة عواقب هذه الخريطة المتغيرة الآن، بالتزامن مع حلول القوات التركية والروسية وقوات النظام السوري محل الوجود الأميركي في شمال شرقي سوريا.

وقد أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رغبته في الاحتفاظ بالسيطرة على حقول النفط في شرقي سوريا، ولكن ليس من الواضح أين تخطط واشنطن مواصلة عملياتها ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" وكيف ستقوم بذلك. وبعد أن تخلّى التحالف مؤخرا عن قواعده في سوريا، من المرجح أن يعتمد على أربيل في العراق كقاعدة لوجستية رئيسية له، لكن ذلك سيتطلب انخراطا واسع النطاق مع كل من "حكومة إقليم كردستان" وبغداد.

وعلى أي حال، يضر الوضع الجديد ببعض جهود التحالف، ومن المرجح أن يؤدي إلى قيام الوفد الأميركي بمطالبة شركاء آخرين بزيادة مساهماتهم ونشر قواتهم العسكرية.

ومع ذلك، فبينما عرضت دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا بذل المزيد من الجهود في الأشهر الماضية في أعقاب تصريح الرئيس ترامب في ديسمبر 2018 الداعم لانسحاب القوات، إلا أن المساهمات الأوروبية في عمليات مكافحة الإرهاب ضد الخلايا الإقليمية لـ تنظيم "الدولة الإسلامية" ستكون صعبة دون وجود أميركي.

وبالمثل، لا يمكن للمنظمات غير الحكومية الأوروبية أن تعمل محليا دون ضمانات أمنية أميركية. وحتى الاستهداف الأميركي للإرهابيين قد يصبح أكثر صعوبة في البيئة العملياتية الحالية.

كيف ينبغي التعاطي مع المعتقلين من تنظيم "الدولة الإسلامية"؟ تتمثل مهمة التحالف الأكثر إلحاحا في تصميم استجابة منسَّقة لاحتجاز المعتقلين من تنظيم "الدولة الإسلامية" ومحاكمتهم. وعلى المدى القريب، يعني ذلك منع معتقلي تنظيم "داعش" من الهروب من السجون في نطاق الفراغ الأمني ​​الحالي في سوريا.

وبالتالي، من المرجح أن يُطلَب من المسؤولين الأميركيين الذين سيحضرون اجتماع هذا الأسبوع أن يوضّحوا كيف يمكن توقُع استمرار "قوات سوريا الديمقراطية" في احتجاز مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" والتعامل في الوقت نفسه مع مغادرة القوات الأميركية والتقدم العسكري التركي ـ السوري.

عودة المقاتلين التونسيين إلى ديارهم بشكل جماعي يمكن أن تؤدي إلى تكرار تجربة الجزائر قبل ثلاثة عقود

وفي هذا الصدد، أعلن رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية فخر الدين ألتون في 15 أكتوبر، أنه "لن يُسمح لأحد بإلقاء عبء هؤلاء الإرهابيين [المسجونين] على كاهل تركيا"، لذلك فمن غير الواضح ما إذا كان سيكون من الممكن تقسيم العمل الجديد مع أنقرة.

وحتى الآن، طالب الرئيس ترامب الدول الأوروبية بإعادة مواطنيها الذين انضموا إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" وملاحقتهم قضائيا، ووصل إلى حد التهديد بالإفراج عنهم. وعلى حد تعبير مسؤول أمني لم يُذكر اسمه، تريد الحكومات الأوروبية تجنب إنشاء "خليج غوانتانامو جديد" في سوريا، لكنها أكثر قلقا من المخاطر المحتملة التي تنطوي عليها عملية الإعادة إلى الوطن.

ووفقا لموجز السياسة الصادر من قبل "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" في 25 أكتوبر، هناك حوالي 2000 مقاتل أجنبي من بين حوالي 11000 محتجز من تنظيم "الدولة الإسلامية" في شمال شرقي سوريا. وأشار المصدر نفسه إلى أن حوالي 200 من هؤلاء المقاتلين فقط هم أوروبيين، لكنهم ما زالوا يشكلون تهديدا كبيرا من حيث شن هجمات إرهابية مستقبلية في القارة.

ويأتي غالبية المقاتلين الأجانب من دول عربية أخرى، حيث تكافح المؤسسات المحلية للتعامل معهم دون دعم دولي. لننظر [على سبيل المثال] إلى العدد الكبير من المقاتلين التونسيين؛ إن عودتهم إلى ديارهم بشكل جماعي يمكن أن تؤدي إلى تكرار تجربة الجزائر قبل ثلاثة عقود، عندما لعب المحاربون الأفغان العائدون دورا رئيسيا في الحرب الأهلية في البلاد.

وبالفعل، بينما يدعو بعض الخبراء إلى إعادة المحتجزين إلى أوطانهم الأم، إلا أن العقبات اللوجستية وأوجه القصور القانونية المحتملة من شأنها أن تُعقّد هذا الاقتراح (على سبيل المثال، صعوبة جمع الأدلة للمحاكمة).

وليس هناك خيار سهل لمحاكمة هؤلاء المقاتلين، كما أن القضايا العملية الأخرى هي عملا قيد الإنجاز، مثل تطوير برامج إعادة الإدماج للأفراد المتطرفين، والعنيفين في بعض الأحيان الذين قضوا عقوبتهم. بالإضافة إلى ذلك، تعارض الجماهير الأوروبية إلى حد كبير إعادة هؤلاء المحتجزين إلى أوطانهم.

لا تزال هناك ضرورة إلى التوصل إلى تسوية سياسية في سوريا والعراق

ومع ذلك، يشكّل التعامل مع المقاتلين الأجانب واقعيا الجزء الأصغر من المشكلة. فمعظم المقاتلين المحتجزين البالغ عددهم 11000 شخص هم سوريون وعراقيون يستطيعون إعادة بناء تنظيم "الدولة الإسلامية" في كلا البلديْن إذا تُركوا للقيام بما يريدونه أو يمكنهم القيام بذلك دون أن تتحكم بهم أو تساعدهم أي جهة خارجية، تماما مثلما لجأ تنظيم "القاعدة في العراق" إلى العمل السري في الفترة 2007 ـ 2009 قبل أن يعاود الظهور باسم تنظيم "الدولة الإسلامية" في عام 2011.

وبما أن مصير المقاتلين المحتجزين هو قضية دولية تؤثر بدرجات متفاوتة على حوالي أربعة وخمسين دولة، إلا أن هناك خيار آخر يتمثل في محاكمتهم من خلال ولاية قضائية دولية مخصصة لهذا الغرض، على غرار "المحكمة الجنائية الدولية" ليوغوسلافيا السابقة.

ومع ذلك، يجادل الخبراء بأن إنشاء مثل هذه المحكمة قد يستغرق الكثير من الوقت ومن المرجح أن تعارضه الدول الرئيسية. على سبيل المثال، يبدو أن روسيا عازمة على دفع النظام السوري للسيطرة على معسكرات الاعتقال، مع احتمال استخدام المقاتلين الأجانب لـ تنظيم "الدولة الإسلامية" كورقة مساومة مع الغرب.

اختبار القيادة الأميركية

إلى جانب مناقشة حلول محددة، سيكون الاجتماع بمثابة اختبار للقيادة الأميركية فيما يتعلق بالجهود الدولية لمكافحة الإرهاب. إن المصداقية تتطلب الاستقرار ـ ففي أعقاب انسحاب واشنطن المتسرع من سوريا، سيكون من الصعب للغاية على كبار المسؤولين الأميركيين إقناع الشركاء الغربيين ودول الشرق الأوسط بأن أي مقترحات يقدمونها هذا الأسبوع لن تتغير فجأة في الأسبوع التالي.

لذلك قد لا يكون الحلفاء مستعدين لإرسال قوات أو القيام باستثمارات أخرى تعتمد على بقاء السياسة الأميركية ثابتة. وعلى الأرجح، سيحاولون التكيف مع واقع موقف روسيا المعزز على الأرض في سوريا وتأثيرها المتزايد على مسرح الشرق الأوسط.

ويقينا، يشير تركيز إدارة ترامب على تشارُك الأعباء إلى أنه ما زال هناك دور حيوي أمام التحالف المناهض لـ تنظيم "الدولة الإسلامية" عليه القيام به. والأهم من ذلك، يوفر التحالف إطارا للمناقشات الفنية والسياسية، خاصة مع المسؤولين العرب والأتراك، الذين سيكونون على الأرجح محوريين في مواجهة التهديد الذي يمثله الآلاف من معتقلي تنظيم "داعش".

لكن السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الإدارة الأميركية تريد مواصلة العمل من خلال تحالفات متعددة الجنسيات أو الاستثمار بصورة أكثر في العلاقات الثنائية.

وفي هذا النطاق، يقدّم نجاح خطوط الجهود غير العسكرية التي بذلها التحالف درسا حول ضرورة التعاون المتعدد الأطراف لمكافحة الإرهاب، والذي يشمل المستوى الاستراتيجي.

وتستمر الظروف الأساسية التي أدت إلى ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" ـ أي سوء الحكم والفساد والقمع ـ في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ولا تزال هناك ضرورة إلى التوصل إلى تسوية سياسية في سوريا والعراق.

شجع التحالف الدعم الثنائي والمتعدد الأطراف للعراق، والذي شمل توفير الأموال لإعادة بناء جامعة الموصل

وتتطلب هذه التحديات الصعبة قيام الولايات المتحدة وحلفائها بالانخراط دبلوماسيا على كافة المستويات، مثل الضغط على النظام السوري و"اللجنة الدستورية" التي تترأسها "الأمم المتحدة" بمساعدة تركيا.

وفي العراق، يجب أن يستغل التحالف المناخ الحالي من الاحتجاجات المناهِضة للحكومة من أجل تعزيز الحوكمة الأكثر شمولية في الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية".

واقترح البعض أيضا توسيع نطاق التحالف لمواجهة التهديد الإرهابي والتمرد الذي تشكله ولايات تنظيم "الدولة الإسلامية"، التي انتشرت في أفغانستان والجزائر والكاميرون وتشاد والشيشان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر والهند وليبيا ومالي وموزمبيق والنيجر ونيجيريا وباكستان والفلبين والسعودية والصومال وتركيا واليمن.

[وأخيرا]، فإن استراتيجية مكافحة الإرهاب الوطنية لإدارة ترامب لعام 2018 صبّت مباشرة في مصلحة هذه الشراكات الواسعة النطاق كما يلي: "يتطلب عالمنا الذي يزداد ترابطا أن نمنح الأولوية للشراكات التي من شأنها أن تؤدي إلى كل من الإجراءات والجهود المستمرة التي تقلل من الإرهاب. وبالتالي، ستشارك الولايات المتحدة مع الحكومات والمنظمات و... قطاع التكنولوجيا والمؤسسات المالية والمجتمع المدني".

وفي هذا السياق، يغدو التحالف المناهض لـ تنظيم "الدولة الإسلامية" ضروريا اليوم بقدر ما كان ضروريا قبل الإخفاقات الأخيرة التي تعرّضت لها الجماعة الإرهابية.

تشارلز ثيبوت، هو دبلوماسي فرنسي وزميل زائر مقيم في معهد واشنطن، وقد عمل سابقا في المؤسسات الدبلوماسية الأوروبية في سوريا والجزائر والعراق وفرنسا وبلجيكا وألمانيا. ماثيو ليفيت هو زميل "فرومر ـ ويكسلر" ومدير برنامج "راينهارد" للاستخبارات ومكافحة الإرهاب في المعهد.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الكثير من العمل ينتظر التحالف المناهض لتنظيم "داعش" بعد موت البغدادي DB4875C1-88A8-4E6F-A52B-970C117595C9.jpg AFP الكثير-من-العمل-ينتظر-التحالف-المناهض-لتنظيم-داعش-بعد-موت-البغدادي عناصر أمنية كردية تحرس مخيم الهول الذي يتواجد به عوائل داعش 2019-11-13 15:59:28 1 2019-11-13 16:09:28 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.