تشييع علاء أبو فخر في بلدة الشويفات اللبنانية
تشييع علاء أبو فخر في بلدة الشويفات اللبنانية

521346 4

حازم الأمين/

انتزعت الانتفاضة اللبنانية قتيلها علاء أبو فخر من براثن وليد جنبلاط. أعلنته قتيلها، وطافت بصورة جنبلاط مرددة "كلن يعني كلن". لم يجر ذلك في سياق مواجهة. فقط ارتفعت صور علاء في ساحات لا يرى جنبلاط وجهه فيها، كالنبطية وطرابلس وجل الديب. وفي اليوم الثاني اعترف الزعيم الدرزي أن علاء ليس قتيله، وأن عليه أن يكون في مؤخرة المشيعين.

وفي اليوم نفسه صفعت الانتفاضة سمير جعجع. فقد أقدم مناصروه على محاولة بناء جدارٍ اسمنتي في نفق نهر الكلب، وحملوا صور البطريرك الماروني الراحل نصرالله صفير. الجواب كان قاطعاً، فأحد وظائف الانتفاضة كان تحطيم الجدران، وبعد وقت قصير تم تحطيم الجدار وعاد الحكيم إلى صومعته في معراب.

"كلن يعني كلن" هي سر نجاح هذه الخلطة السياسية والاجتماعية التي فاجأ جيل الانتفاضة جيل الانقسام بها

 

ومثلما يشعر اللبنانيون بانفصال أهل الحكم عن الواقع في التعامل مع الانتفاضة، يشعرون أيضاً أن أهل السلطة الموازية يعيشون نفس الفصام، ذاك أن "كلن يعني كلن" هي سر نجاح هذه الخلطة السياسية والاجتماعية التي فاجأ جيل الانتفاضة جيل الانقسام بها. وأي خلل في هذه "الخلطة السحرية" سيفضي إلى عودتنا إلى مربع الانقسام البائس. علينا أن نشطب كل الوجوه، وعلينا أن نتجاوز ممثلي مرحلة الفشل كلهم. صور صفير هي أيضاً جزء من تلك المرحلة. ليس للرجل يد بما حل بصورته، لكن الأخيرة مثبتة في خريطة ذلك الزمن. رفيق الحريري نفسه لم ينج من ضرورات تجاوز ذلك الزمن. في ساحة الشهداء لم يكترث أحد للضريح الذي يتوسط ساحة التظاهر، ولم يتجرأ أحد على رفع صورته. الانتفاضة صدرت عن حساسية أخرى تماماً، وهذا ما أخرجها من مشهد الانقسام.

الأرجح أن رجلاً كوليد جنبلاط يمكنه أن "يبلع الطعم" وأن لا يقاوم جموح الانتفاضة لاستهدافه. وسمير جعجع أيضاً سيتجاوب مع مشهد يشتغل أمام ناظريه، لكن ذلك لن يدوم طويلاً، فالنظام المقيم في وعي هذا النوع من الرجال لن يستكين لهزيمة، تماماً كما لن يستكين حزب الله لأهداف الانتفاضة ولهزها نظام الفساد الذي يحتضن سلاحه. وإذا كنا قد شهدنا في الأيام الفائتة محاولات متكررة للحزب لإجهاض الانتفاضة وتفريق أهلها وترويعهم في صور والنبطية وفي ساحة الشهداء، فمن الواضح أننا سنشهد محاولات موازية لخصوم الحزب ولشركائه في الانقسام وفي الفساد وفي الفشل، وسيطل علينا من يقول أن علاء أبو فخر هو قتيله، ومن يذكرنا بنفق نهر الكلب بصفته خط انقسام لطالما فصل بين اللبنانيين.

نحن إذ نرفع الصوت خوفاً على الانتفاضة من السقوط، نستعين في مخاوفنا بأنفسنا وبشقاق لطالما كان علامة فشلنا وهزيمتنا

 

الطلب من الانتفاضة بأن تُبقي الحساسية عالية حيال معادلة "كلن يعني كلن" طلب متأخر. من الواضح أنها تسبقنا كل مرة إلى هذه المعادلة، ذاك أنها خارجها بالفعل، بينما نحن أبناء الانقسام وأهله نمارس جهداً وضغطاً لكي ندخلها إلى وجداناتنا وإلى ممارساتنا وإلى كتاباتنا. هي بالنسبة إلى الجيل المنتفض انفعال عادي وبديهي، وهي بالنسبة إلينا قناعة يجب استدخالها من خارج منظومة وعينا بأنفسنا وببلدنا. ولهذا لم يتأخر المنتفضون في رفع صورة وليد جنبلاط بوصفه واحداً من "كلن يعني كلن" عشية مقتل علاء أبو فخر الذي رفعوا صورته بصفته قتيلهم، بينما احتاجنا نحن يوم وليلة حتى نستيقظ على ضرورة انتزاع القتيل من شر الانقسام.

كم كان نموذجياً لخصوم الانتفاضة أن ينجح مناصرو جعجع ببناء الجدار تحت صور الكاردينال الراحل؟ وكم كان نصر لصحف النظام ولتلفزيوناته إذا ما التقطوا صورة لنعش علاء ملفوفاً بعلم الطائفة والحزب؟ ونحن إذ نرفع الصوت خوفاً على الانتفاضة من السقوط، نستعين في مخاوفنا بأنفسنا وبشقاق لطالما كان علامة فشلنا وهزيمتنا، بينما لا يبدي المنتفضون أي حساسية حيال هذه المخاوف، ولو لم يتراجع أصحاب الجدار عن جدارهم، كان أشقاؤهم الأصغر سناً سيتوجهون لإزالته بأنفسهم، فالجدار بالنسبة إليهم حاجز بينهم وبين أنماط حياتهم، وبينهم وبين زملاء في الدراسة والعمل والحب والصداقة، بينما هو بالنسبة إلينا ذكرى أيام ما زالت تستيقظ فينا وتقلقنا.

بالأمس ألحقت الانتفاضة هزيمة أخرى بـ"الثورة المضادة". سقط قناع جديد بعد أقنعة عون ونصرالله وقبلهما الحريري. السلطة لا يمكن تجزئتها، والمواجهة يجب أن تشمل الجميع. ومحاولات الأمس يجب أن تُواجه بالافتراء على أصحابها تماماً كما افتروا علينا. يجب الانقضاض على نواياهم قبل أن تتحول إلى أفعال. يجب أن نحاسب جنبلاط على رغبته المضمرة بمصادرة قتيلنا، قبل أن تتحول هذه الرغبة إلى قول وإلى فعل. لا بأس بممارسة بعض الافتراء، فقد أصابنا في السابق منه أصناف أشد قسوة وأكثر إيلاماً. 

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

  

إنه قتيلنا EFF21154-64DD-4467-A467-4C78925016E3.jpg AFP إنه-قتيلنا تشييع علاء أبو فخر في بلدة الشويفات اللبنانية 2019-11-14 18:11:52 1 2019-11-14 18:27:32 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.