اعتصام نظمه بهائيون في ريو دي جينيرو في البرازيل عام 2011 لمطالبة السلطات الإيرانية بإطلاق سراح معتقلين من الطائفة البهائية
تظاهرة سابقة في البرازيل لأعضاء الديانة البهائية للمطالبة بإفراج السلطات الإيرانية عن سجناء بهائيين

521416 4

عمران سلمان/

قبل أسبوعين تقريبا مرت الذكرى 200 لميلاد "الباب" واسمه "سيد علي محمد" في مدينة شيراز الإيرانية، وهو يعتبر الشخص الثاني في الديانة البهائية، بعد مؤسسها "بهاء الله" واسمه الأصلي "ميرزا حسين علي"، وإنما أطلق على "سيد علي" لقب الباب بسب أنه كان المبشر بظهور الدين الجديد، وقد أعدمته السلطات الإيرانية في عام 1850 في مدينة تبريز بعد انتشار دعوته وتزايد عدد أتباعه وخشية شاه إيران من اتساع نفوذه. وقد نقل مؤيدوه رفاته من مكان إلى آخر لمدة ستين عاما عقب وفاته إلى أن تم دفنه أخيرا في مدينة حيفا حيث المقر الرئيسي للديانة البهائية.

وقد كانت لي فرصة في الأسبوع الماضي لحضور احتفالا بالمناسبة في مدينة ليزبيرغ بولاية فيرجينا أقامته الطائفة البهائية، وكان أكثر من لمسته في الحفل هو روح الوداعة والمحبة والإنسانية الجمة.

رفض لعب دور الضحية

إن أهم ما يميز الديانة البهائية، ليس فقط ميلها الواضح إلى ناحية الأخلاق والابتعاد عن السياسة والتشجيع على التعليم واكتساب المعارف ونشر السلم والمحبة بين البشر، وإنما إلى جانب كل ذلك هو أنها لم تسقط في فخ لعب دور الضحية، رغم ما تعرضت له من صنوف القتل والاضطهاد والتعذيب، وإنما ابتكرت أدوات إبداعية مكنتها من البقاء في إيران وامتداد رقعتها إلى أكثر من 200 بلدا وبحوالي سبعة ملايين شخص.

طوال تاريخها في إيران تعرض مؤسس البهائية وأتباعه إلى أشد أنواع القمع والتنكيل، فقد قتل الآلاف من البهائيين وأودع بهاء الله في سجن "سيا جال" سيئ الصيت، ثم تم نفيه إلى العراق ومنها إلى اسطنبول فأدرنة ومنها إلى سجن عكا، والذي كان قلعة يودع فيها العثمانيون عتاة المجرمين والقتلة.

بعد الثورة الإسلامية تم طرد جميع الطلبة والأساتذة البهائيين من الجامعات الإيرانية

ولم ينته القمع الموجه ضد البهائية حتى في العصر الحديث. فبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 أصبح قمع البهائيين سياسة رسمية للحكومة الجديدة، على النحو الذي مارسته النازية الألمانية ضد اليهود.

ففي السنوات التي أعقبت الثورة تم اعتقال الآلاف من البهائيين، بمن فيهم معظم القادة المنتخبين على المستويين المحلي والوطني. وقد تعرض العديد منهم للتعذيب وأعدم نحو 200 شخصا منهم.

طرق مبتكرة للبقاء

ومع ذلك رفض البهائيون القبول بدور الضحية أو اللجوء إلى العنف في مقابل ذلك. فمبادئهم، حسبما يقولون، تفرض عليهم الخضوع للحكومة وتحرم اللجوء إلى العنف أو التحريض أو الانخراط في أي نشاط حزبي.

بدلا من ذلك وجد البهائيون طرقا مبتكرة ومرنة لممارسة معتقداتهم. فقد أسسوا المدارس الخاصة بهم منذ أوائل القرن العشرين. كما أنشأوا المستشفيات والعيادات بمساعدة البهائيين الأميركيين والأوروبيين.

بعد الثورة الإسلامية تم طرد جميع الطلبة والأساتذة البهائيين من الجامعات الإيرانية. وقد تقدم البهائيون إلى السلطات الجديدة بمطالب لإنصافهم ورفع الظلم عنهم، ولكن دون جدوى.

تقمع الحكومة الإيرانية البهائيين دون هوادة

وردا على ذلك أسس البهائيون نظاما غير رسمي للتعليم الجامعي والذي تطور فيما بعد إلى "المعهد البهائي للتعليم العالي". حيث كان التدريس يتم في منازل البهائيين في مختلف مناطق إيران، وكان طاقم التدريس مكون من الأكاديميين البهائيين الذي منعوا من التعليم في الجامعات الإيرانية.

وكان هذا المعهد الذي أصبح فيما بعد يعطي دروسه عبر الإنترنيت أيضا، هو الفرصة الوحيدة للبهائيين داخل إيران للحصول على تعليم جامعي.

حملة القمع مستمرة

لكن الحكومة الإيرانية شنت في عام 2011 حملة منظمة للقضاء على هذا المعهد، حيث داهمت قوات الأمن عشرات المنازل ودمرت أجهزة الكمبيوتر وأتلفت المواد التعليمية ووضعت العشرات من المدرسين والإداريين في السجن. ولم تكن من تهمة توجه ضد هؤلاء سوى رغبتهم في تقديم العلم إلى طلابهم وإصرارهم على خدمة مجتمعهم.

إن الحكومة الإيرانية الحالية التي تشتكي من استهداف الآخرين لها، عن حق أو باطل، تقوم هي في الوقت نفسه بقمع البهائيين دون هوادة وهم إيرانيون مستضعفون ومسالمون ولم يرتكبوا أي جريمة أو عصيان ضد الدولة الإيرانية أو نظامها.

لا يمكن للإنسان أن يفهم هذا التناقض سوى أنه جزء من عقلية العداء والاستقواء ضد الآخر، والتمييز على أساس الدين أو المعتقدات، وهو أمر كان يفترض أنه من مخلفات القرون الماضية، لكنه للأسف يطبق اليوم وبصورة فاضحة ومن دون أي رادع أو وازع أخلاقي، والأدهى أن يكون ممارسة رسمية على مستوى الحكومة والدولة الإيرانية.

اقرأ للكاتب أيضا: مناعة المنطقة العربية ضد الصدمات!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

إيران والبهائية: 200 عام من القمع! 65CFFE25-44F0-463B-B7F8-B411B1A177B3.jpg AFP إيران-والبهائية-200-عام-من-القمع اعتصام نظمه بهائيون في ريو دي جينيرو في البرازيل عام 2011 لمطالبة السلطات الإيرانية بإطلاق سراح معتقلين من الطائفة البهائية 2019-11-15 12:17:09 1 2019-11-15 12:25:09 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.