تكريما لضحايا الاعتداء على الكنيس في بيترسبرغ پنسلڤانيا
تكريما لضحايا الاعتداء على الكنيس في بيترسبرغ پنسلڤانيا

521460 4

راسل ترافرز/

"في 8 نوفمبر، خاطب راسل ترافرز، القائم بأعمال "مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب"، منتدى سياسي في معهد واشنطن. وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاته".

في الوقت الذي تدرس فيه السلطات الأميركية أفضل السبل لمكافحة الإرهاب وسط ضروريات السياسة الأخرى، يتعين عليها الإجابة على العديد من الأسئلة: كيف تبدو معادلة الخطر في بلد يتسم بمثل هذه البيئة الأمنية الوطنية المعقدة؟ كيف ينبغي للحكومة الأميركية تحسين تخصيص موارد مكافحة الإرهاب بما يحقق أفضل مصلحة للولايات المتحدة عندما تكون هناك أولويات مختلفة للإدارات والوكالات؟ وكيف يمكن لأميركا أن تواصل نجاحاتها في موقفها لمكافحة الإرهاب دون عكس المكاسب التي تحققت منذ هجمات 11 سبتمبر؟

على الجانب الإيجابي من السجل، لم يقم تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") ولا تنظيم "القاعدة" بهجوم ناجح واسع النطاق في الغرب منذ بعض الوقت. وكان آخر هجوم كبير لتنظيم "القاعدة" في دولة غربية هو ذلك الذي وقع ضد مقر صحيفة "شارلي إيبدو" في باريس في يناير 2015؛ كما كان آخر هجوم كبير قام به تنظيم "داعش" هو ذلك الذي وقع ضد ملهى "رينا" الليلي في إسطنبول في يناير 2017.

وقد أدت هزيمة خلافة تنظيم "الدولة الإسلامية" والقبض على قادته وقتلهم إلى الحد من احتمال وقوع هجمات واسعة النطاق، موجهة من الخارج، ومن تأثيره على المدى القريب، كذلك الأمر بالنسبة لجهود بناء القدرات التي أجرتها الدول المتحالفة والتحسينات التي أُدخِلت على تبادل المعلومات العالمية وأمن الحدود.

راسل ترافرز، القائم بأعمال "مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب"

على سبيل المثال، كان رد كينيا على هجوم حركة "الشباب" [الإسلامية الصومالية المتطرفة] في يناير 2019 على فندق ومجمع شقق في نيروبي أفضل بكثير من الطريقة التي تعاملت بها مع عملية إطلاق النار في "المركز التجاري ويستغيت" في سبتمبر 2013.

ومع ذلك، على الولايات المتحدة تجنب الشعور بالرضا من الوضع القائم. فلا تزال أميركا تواجه تهديدا منتشرا ومتعدد الأشكال، يضم متطرفين عنيفين محليين، وفروع تنظيم "الدولة الإسلامية"، والجماعات التي تدور في فلك تنظيم "القاعدة"، وإيران ووكلائها (من بينهم "حزب الله" والميليشيات الشيعية في العراق)، وراديكاليين من اليمين المتطرف.

وهذه الشبكات الإرهابية ماهرة بشكل خاص في استغلال التكنولوجيا. فهي تستخدم الاتصالات المشفرة للتخطيط العملياتي؛ وتنشر الدعاية وتنقل المعرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ وتعتمد على الطائرات بدون طيار لهجمات السرب، وتسليم المتفجرات، والاغتيالات؛ وتستخدم وثائق احتيالية عالية الجودة للتهرب من أمن الحدود؛ وتموّل العمليات عن طريق العملة الرقمية "cryptocurrency"؛ ومن المرجح أنها تجري تجارب على استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. وهي أيضا شبكات مبدعة في مجال التجنيد تستهدف السكان والشباب المستضعفين.

واليوم، ما زال هناك مزيج من العوامل الشخصية، والجماعية، والمجتمعية، والاجتماعية ـ السياسية، والأيديولوجية المستمرة في توليد التطرف وحشد الناس للعنف. وهناك اليوم ما يقرب من أربعة أضعاف عدد الأفراد المتطرفين الذي كان في 11 سبتمبر، كما أن قاعدة البيانات الأميركية للإرهابيين المعروفين أو المشتبه بهم قد نمت بمعدل عشرين مرة منذ ذلك الحين. ومع ازدياد عدد السكان المتطرفين، ستنخفض قدرة الولايات المتحدة على تحديد الإرهابيين والقبض عليهم وقتلهم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الهجرة من إفريقيا، التي تعود جزئيا إلى الاحتباس الحراري، تُولّد التطرف في صفوف العناصر من أقصى اليمين ضد اللاجئين وطالبي اللجوء في أوروبا. ويتطلب ازدهار المجتمع الراديكالي بذل جهود قوية لمنع الإرهاب.

ونظرا لأن التهديدات تدور حول الأشخاص والشبكات، فقد أنفق مجتمع الأمن القومي الأميركي قدرا هائلا من الطاقة في بناء مقاربة متعددة الجوانب للتدقيق في الوافدين إلى الولايات المتحدة على مدار الثمانية عشر عاما الماضية، بحيث يخضع 3.2 ملايين شخص للفحص يوميا.

وينتج مجتمع مكافحة الإرهاب حاليا ملفات أكثر ثراء، ويستخدم التكنولوجيا بشكل أفضل، ويقوم بإجراء فحص سري في الوقت الفعلي لدعم قوائم المراقبة غير المصنفة، وعند الإمكان، يستند إلى المقاييس الحيوية للتأكد من نية المشتبه بهم الذين يعتزمون الدخول إلى أميركا.

قوات عراقية خلال تدريبات مشتركة مع القوات الأميركية

ولا يوجد ما يشير إلى أن الجماعات الإرهابية الأجنبية حاولت استغلال برنامج قبول اللاجئين في الولايات المتحدة للدخول إليها على مدار العقد الماضي. وحتى الآن، تمكّن شخصان فقط من دخول أميركا كلاجئين ونفذا لاحقا هجمات على أراضيها، وكلاهما تطرفا بعد الدخول. وحتى الآن، كان أداء نظام الفحص والتدقيق جيدا للغاية.

ومع ذلك، يتضح كل يوم أن ما يقرب من ثلاثة أفراد يستوفون معايير "المركز الوطني لمكافحة الإرهاب" للإرهابيين المعروفين أو المشتبه بهم يسعون للدخول إلى الولايات المتحدة. وهناك سبعة أفراد آخرين في اليوم لديهم روابط محتملة بإرهابيين معروفين أو مشتبه بهم، على الرغم من أن الحكومة الأميركية تفتقر إلى المعلومات السلبية الكافية لتصنيفهم إرهابيين.

وبالتالي، لا يمكن للسلطات أن تكتفي بما أنجزته. وكما أوضح المهاجمون السابقون في باريس وبروكسل، فحتى أولئك المعروفين لدى وكالات الأمن يمكنهم تجنب الكشف عن طريق تعريف احتيالي عالي الجودة، مما يبرز الحاجة إلى جمع، ودمج، وتبادل المعلومات البيومترية (معلومات القياس الحيوي). وهذه الجهود، إلى جانب تحسين سيرورة الأعمال وتكنولوجيا المعلومات، تصب في مصلحة مكافحة الإرهاب ومجتمعات الأمن القومي.

بالإضافة إلى ذلك، يشكل جمع المعلومات الاستخبارية الشاملة أمرا ضروريا لرصد التهديدات المحلية التي قد تتحول إلى تهديدات ضد الوطن. وهذا يعني التركيز على كل شيء بدءا من الجماعات المتطرفة الهامشية غير المنتسبة، مثل "جماعة التوحيد الوطنية" في سريلانكا (التي نفذت هجمات عيد الفصح هذا العام) وحركات التمرد الأصلية المحلية والفروع الإرهابية الرسمية.

ونظرا لأن الولايات المتحدة تحدّ من انتشار قواتها والعناصر التابعة لها في الخارج، لا سيما في العراق وسوريا، فسيكون لديها عدد أقل من مصادر الذكاء الإنساني وستتضاءل اتصالاتها مع الشركاء على الأرض ووتيرة التنسيق معهم. لذلك يجب على المسؤولين الأميركيين إجراء تحليل التكلفة والفائدة للمخاطر الناجمة عن هذا الانخفاض في الأصول.

وتشكّل البيانات أساس مكافحة الإرهاب، ولكن البيانات غير الكاملة، والغامضة أحيانا، وغير الدقيقة في كثير من الأحيان تشكل تحديا هائلا لمحللي "المركز الوطني لمكافحة الإرهاب". ولدى [عمليات] مكافحة الإرهاب نسبة إشارة إلى شوشرة (تشويش) سيئة للغاية.

على سبيل المثال، تتلقى السفارات والقنصليات حوالي 300 تهديد سنويا، في حين يتلقى مركز عمليات "المركز الوطني لمكافحة الإرهاب" نحو 10 آلاف تقرير مرتبط بالإرهاب يوميا، تحتوي على حوالي 16000 اسم. وعلى الرغم من أن معظم هذه التهديدات ليست موثوقة أو قابلة للتنفيذ، إلا أنه لا يمكن تجاهلها.

ومن بين التحديات الأخرى، هو تعارض السلامة العامة أحيانا مع اعتبارات الخصوصية بحكم الضرورة. ما هي المعلومات التي يجب أن تكون متاحة لأي منظمات، ولأي سبب، ومتى؟ ما هو مستوى ونوع خطر مكافحة الإرهاب الذي سيكون الأميركيون مستعدين للقبول به من أجل الحفاظ على الحريات الأساسية؟ كيف ينبغي أن يتعامل مجتمع الأمن القومي مع استغلال الإنترنت؟

جنود سنغاليون خلال مناورات عسكرية مشتركة مع قوات مكافحة الإرهاب الأميركية والأوروبية

إن التكامل بين الحكومة بأكملها يكتسي أهمية متزايدة في ظل بيئة التهديدات الراهنة. ويُعد دمج الجهود بنجاح أمرا صعبا ولكنه غير مستحيل، كما تبين خلال التدقيق وإعداد هيكلية قائمة التعقب لما بعد هجمات 9 سبتمبر.

وقد عقد النواب والمديرون اجتماعات لجان دورية خلال السنوات التي تلت تلك الهجمات، لكن الميل نحو اتخاذ القرارات اللامركزية كان ملحوظا منذ عهد الإدارة الأميركية السابقة. ويتم حاليا إعادة إرسال القرارات التي اتخذها "مجلس الأمن القومي" سابقا وفق الهرمية التنازلية إلى الأقسام المنفردة والوكالات. ومع ذلك، فلا بدّ من نشر مبدأ "الذاكرة العضلية" المشتركة بين الوكالات ـ القائم على التكرار لتعزيز الكفاءة ـ بغية ضمان الرد السريع في حال اندلاع أزمة.

وبالإضافة إلى التعاون في الداخل، يتعين على الوكالات الأميركية التعاون خارجيا. فالشراكات بين القطاعيْن العام والخاص أساسية لعرقلة جهود تجنيد الإرهابيين، والترويج للدعاية، وتبادل المعلومات لدعم الهجمات.

وقطعت الصناعات خطوات هائلة في جعل الفضاء الإلكتروني (المعلوماتي) أقل ترحيبا للإرهابيين، وخاصة من خلال "منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب"، وهو اتحاد يضم كبرى شركات الإعلام الاجتماعي. وقد أفادت خدمات الشبكات الاجتماعية "فيسبوك" و "تويتر" و "يوتيوب" أنها تكتشف تلقائيا أكثر من 90 بالمئة من محتوى الإرهاب قبل نشره.

ومع ذلك، فإن زيادة الشفافية في جهود إزالة المحتوى قد تحقق مكاسب أكبر على صعيد مكافحة الإرهاب. لكن التقارير الصادرة عن شركات مواقع التواصل الاجتماعي تفتقر حاليا إلى التفاصيل حول نوع المحتوى الذي تم إزالته وأساليب إزالته. ومن شأن تزويد الحكومة بمحتوى المنشورات، وتحديد مواقعها الجغرافية، والإسنادات التي تعتمد عليها المرتبطة بالإرهاب أن يكون مفيدا من حيث التقييم الفعال لاتجاهات الدعاية، والجماعات الجديدة / الناشئة، والداعين الرئيسيين للتطرف، ومصداقية المؤامرات المحتملة.

ويمكن بعد ذلك إعادة نقل المعلومات المعمقة إلى الشركات من أجل تحسين حلولها الحسابية. ويُعد "التحالف الوطني للطب الشرعي والتدريب"، الذي يعمل في ساحة جرائم الفضاء الإلكتروني، نموذجا مثاليا لهذا النوع من العلاقات التآزرية.

وأخيرا وليس آخرا، يتعين على الولايات المتحدة معالجة البعد العالمي للإرهاب غير الإسلاموي، المعروف على نطاق واسع باسم "التطرف العنيف بدوافع عنصرية وعرقية".

وكان العديد من الإرهابيين اليمينيين المتطرفين قد اكتسبوا طاعة دولية وكانوا مصدر إلهام لمهاجمين مُقلِّدين. على سبيل المثال، تمّت الإشادة بالإرهابي النرويجي أندرس بريفيك أو البحث عنه من جانب خمسة مهاجمين آخرين على الأقل منذ عام 2014؛ وكان الإرهابي الأميركي ديلان روف مصدر إلهام لاثنين على الأقل منذ عام 2015؛ كما ألهم الإرهابي النيوزيلندي برينتون تارانت ثلاثة أشخاص على الأقل هذا العام وحده.

ونظرا لأن "التطرف العنيف بدوافع عنصرية وعرقية" غير مُنسّق من قبل منظمات هرمية ذات أيديولوجيات متجانسة، فإن تحديد المهاجمين المحتملين أمرا صعبا للغاية. ويتفاقم التحدي بسبب عدم وجود قانون إرهاب محلي اتحادي وما يرتبط به من تُهم الدعم المادي، فضلا عن تعقيد حرية التعبير المحمية دستوريا.

وقد أشارت الولايات المتحدة إلى بلدان أخرى كمصدِّرة للأيديولوجية الجهادية منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، ولكن في غياب أي مقاربة أكثر فعالية لـ "التطرف العنيف بدوافع عنصرية وعرقية"، قد يُنظر إلى أميركا نفسها قريبا كمُصدِّر للتطرف.

لذلك يجب على الحكومة الأميركية بذل المزيد من الجهود لفهم نطاق وحجم الروابط الدولية بـ "التطرف العنيف بدوافع عنصرية وعرقية" (بما في ذلك بين الجماعات شبه العسكرية النشطة، والمنظمات الأيديولوجية، والأفراد المتطرفين)، بهدف تطوير أدوات فعالة لمواجهة هذا التهديد المتزايد.

غير أنه عند صياغة تشريعات أو إصلاحات لتقديم المشتبه بهم في إطار "التطرف العنيف بدوافع عنصرية وعرقية" إلى العدالة، يجب أن يحرص المشرعون على عدم اعتبار جميع أيديولوجيي اليمين المتطرف على أنهم إرهابيين.

وعلى الرغم من الخطوات الكبيرة التي تحققت في الجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب على مدار الأعوام الثمانية عشر الماضية، إلا أن البنية الأمنية الأميركية لن تكون أبدا خالية من المخاطر.

وفي ظل وجود تهديدات متنافسة من جانب الدول وغير الدول والتي تتطلب اهتماما وموارد، من الضروري على القادة داخل الحكومة وخارجها أن يفكروا بتروي في كيفية تحديد أولوياتهم، لتحسين مصادر مكافحة الإرهاب وتجنب عكس مكاسب مكافحة الإرهاب عن غير قصد.

أعدت هذا الملخص سامانثا ستيرن.

أمكن تنفيذ سلسلة برامج منتدى السياسات بفضل سخاء "عائلة فلورنس وروبرت كوفمان".

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مكافحة الإرهاب في عصر الأولويات المتنافسة: عشرة اعتبارات رئيسية D2487980-4EFA-4E38-A3FD-9EC325751D6B.jpg AFP مكافحة-الإرهاب-في-عصر-الأولويات-المتنافسة-عشرة-اعتبارات-رئيسية تكريما لضحايا الاعتداء على الكنيس في بيترسبرغ بنسلفانيا 2019-11-15 17:10:22 1 2019-11-15 17:24:22 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.