متظاهرة في منطقة جل الديب شمالي بيروت
متظاهرة في منطقة جل الديب شمالي بيروت

521482 4

كوليت بهنا/

على إحدى قنوات التلفزة المحلية الداعمة لتظاهرات الشارع اللبناني، استوقف مراسل القناة سيدة كانت تعبر بمحاذاة المتظاهرين وسألها عن مطالبها، فأجابت بحرقة واضحة: "أنا لست مع أحد، لكن لن أشارك في خراب البلد الذي تفعلونه هذا، نحن نعيش في هدوء وسلام واستقرار منذ ثلاث سنوات في كنف هذا العهد، لماذا تدفعوننا إلى تغييره؟ هذا هو مطلبي، لا أريد التغيير".

رأي هذه السيدة ليس استثنائيا أو فريدا، ويعبر بالتالي عن رأي الملايين من الناس الذين ناهضوا ثورات ما سمي بـ" الربيع العربي" منذ انطلاقها في تونس 2010، مرورا بكل الدول العربية التي مرت عليها هذه الثورات خلال السنوات العشر الماضية. كذلك يعبر عن رأي فئات عريضة من الناس حول العالم حال اهتزاز أركان الحكم في دولهم أو زوالها نتيجة لتدخل خارجي أو انقلاب داخل منظومة الحكم أو ثورة شعبية.

من غير الضروري أن تكون هذه الفئة العريضة المناهضة معجبة أو داعمة أو مؤيدة بالمطلق لحكوماتها وسياساتها في الأوقات العادية، لكنها تصطف خلفها وتحمي قلاعها دون طول تفكير أو تردد حال استشعارها بالخطر القادم، وهي إن تقدم على هذا الاصطفاف العفوي خلف سلطات بلادها، ليس لأنها تنتفع من هذه السلطات أو تحظى بمكاسب فردية أو تحمي امتيازات خاصة تتمتع بها، ولا لأنها تتأمل بمكافأة اصطفافها ووفائها هذا بجوائز من السلطة، بل لأنها تتحرك بدوافع نفسية خالصة، تزين لها سلوكها على أنه يصب في خانة الواجب الوطني وضرورة حماية الاستقرار والسلم الأهلي عبر دعم السلطة والوطن عند المحن.

فئة "المغيّرين"، وهم أقل عددا، أكثر انفتاحا وإقداما واندفاعا نحو كل جديد

وفي الحقيقة هي فئة مذعورة تخشى، أي، وكل تغيير في الحياة. تطمئن للمعروف والمعلوم الحاضر، وتخشى المجهول التالي، غير الواضح، غير المتبلور، غير المسمى، غير المرئي، الذي يختفي كالشبح في ضبابية الأفق القادم. تخشى مفهوم "البديل" وتناهضه قبل أن تتبين ملامحه، وحتى إن اتضحت معالمه، تبدي له كراهية وعدائية مسبقة لأنه زعزع سكونها. وستظل في الأيام المقبلة تبدي له هذه الكراهية والعدائية المعلنتين، ليس لأنه أفضل أو أسوأ، بل لأن رياح التغيير حملته، دون أن تكون هذه الفئة جاهزة ومستعدة نفسيا لاستقبال أحمال هذه الرياح أو تقبل قدومها أو تفهم معناها.

تستحق هذه الفئة الكثير من التعاطف ورحابة الصدر والاستيعاب، ومداراتها والأخذ بيدها بلطف، واحترام دوافعها دون تخوين أو استفزاز أو إلقاء الاتهامات ضدها جزافا. وهي فئة محقة حال الاستماع إلى هواجسها وتفهمها، إذ أنها تعتبر ـ حسب رأيها ـ أن دعاة التغيير قسريون بدورهم، لم يعيروا وجودها اهتماما، أو يكترثوا بإرادتها أو يستفسروا عن رغباتها قبل البدء برحلة التغيير "القسرية" التي تسمى في أدبياتها تهور وتهلكة، حتى لو كان هؤلاء "المغيّرون" يعلنون أنهم يعملون لمصلحة ومنفعة جميع فئات الوطن.

بالابتعاد قليلا عن "بعبع" التغيير السياسي لأنظمة الحكم، لا شك أن هذه الفئة موجودة على الأرض بأوسع الأطياف، تنتمي إليها الغالبية من البشرية التي تخشى المجهول الذي يحمله أي تغيير، وبخاصة حين يأتي مفاجئا أو قسريا، ويستوي ذعرها من مفهوم هذا التغيير وضروراته على جميع مناحي الحياة الشخصية والعامة.

أما أفرادها فهم أناس يحافظون على استقرارهم وثوابتهم وعاداتهم، قلما يغيرون مسكنهم أو تسريحة شعرهم أو شكل مظهرهم، يجارون أطراف "الموضة" متأخرين دوما وبحذر ويتعاملون مع كل جديد بتوجس.

عشاق التغيير ـ بقلتهم ـ كانوا دوما هم من يصنعون التاريخ

في المقابل ستجد أن فئة "المغيّرين"، وهم أقل عددا، أكثر انفتاحا وإقداما واندفاعا نحو كل جديد، يتذوقون أصنافا جديدة من الطعام دون تردد، يغيرون أثاث بيوتهم بأخرى جديدة دون البكاء طويلا على أطلال القديمة، يقرأون لشاعر جديد ويستمعون لموسيقى أخرى ويجربون طرقا فنية جديدة أو يبتكرونها، ويطلعون على أية ثقافة جديدة وافدة دون إحساس بالذنب اتجاه قوالب أو ثوابت ثقافية تقليدية، يتقدمون الصفوف الأمامية في التجمعات بشجاعة وجرأة لافتتين، ودون الكثير من الحسابات أو تهويل المخاوف، دون أن يعني ذلك أنهم لا يشعرون بمعنى "الخوف" بالمطلق شأنهم شأن جميع أفراد البشرية، لكنهم يتغلبون على خوفهم عبر مواجهته وجها لوجه.

وفيما الفئة العريضة المناهضة لأي تغيير غارقة في ثباتها وسكونها، تغلق نوافذ بيوتها وتوصد الأبواب وتعيش في دوامات قلقها المشروع، يجازف "المغيّرون" بأرواحهم، ويقفون في الشوارع، يتلقفون رياح التغيير، ويقفون أمامها دون هلع ليتمكنوا من الامساك جيدا بأطرافها وقيادتها وتهدئتها وتحويلها إلى نسيمات ما أمكنهم.

رياح التغيير لا تأتي اعتباطا، ولا تستثني أحدا، هي أحد تجليات هذا الكون وحركته، تنشط من ذاتها لضرورات الاستمرار، يمكن للإنسان المخيّر الانحياز لما يلائمه، إما أن يناهضها أو يتحاشاها أو يختبئ منها، أو يمضي معها بروح جسورة نحو اكتشافات جديدة.

في النهاية، الطرفان محقان، لكن الفارق الشاسع بينهما: عشاق التغيير ـ بقلتهم ـ كانوا دوما هم من يصنعون التاريخ.

اقرأ للكاتبة أيضا: "ماما" العالم

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

رياح التغيير.. أمامها أم خلفها؟ 9B771F57-1243-48EB-9B5D-16BCA30D22EC.jpg AFP رياح-التغيير-أمامها-أم-خلفها متظاهرة في منطقة جل الديب شمالي بيروت 2019-11-16 00:30:37 1 2019-11-15 22:35:37 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.