إضاءة شموع في ساحة الشهداء في بيروت تكريما لعلاء أبو فخر الذي قتل خلال مشاركته بالتظاهر
إضاءة شموع في ساحة الشهداء في بيروت تكريما لعلاء أبو فخر الذي قتل خلال مشاركته بالتظاهر

521491 4

منى فياض/

في كل مرة نزلت فيها إلى ساحتي الشهداء ورياض الصلح كنت أجد منظرا مختلفا عن المرة السابقة. شكل ومورفولوجية المكان وطريقة توزع وانتشار البشر وما يتواجد فيها بينهم من خيم ودوائر ومحتجين وباعة ومعدات وسيارات تبث الأغاني والأناشيد وشاشة تعرض فيلم Winter on Fire: Ukraine's Fight for Freedom.

الوجوه التي أصادفها تتغير باسمرار كأنها مياه نبع لا تنضب. نادرا ما التقيت بالأشخاص ذاتهم مرتين متتاليتين. عندما تنزل الساحات في أوقات الاحتشاد يتهيأ لك أنك أمام بحر متماوج يقذف بموجه على دفعات نحو شاطئ ما. تموجات من الشباب يخالطهم الأكبر سنا. لسان حالهم ما قاله لي أحدهم: "عم نتعلم من أولادنا، نزلت من أجلهم هيدا جيل ما عنده زعماء".

استعادوا المساحات العامة التي كانت حكرا على السلطات. تحول موقف اللعازارية (من أشهر مباني وسط بيروت) إلى هايد بارك (يجب التفكير في الحفاظ عليه بهذه الصفة)؛ مساحة للقاء والتبادل والزيارات والتعارف والمحاضرات والنقاشات المفتوحة قانونية وغيرها. لسان حالهم "القائد في غيره"، ردا على مقولة القائد المعصوم وإلى الأبد. يريدون مسؤولا ورجل دولة مهتما بتنفيذ ما تريده الأكثرية وليس زعيما يلحقونه أينما يريد.

إنهم أحرار من بلد الحريات.

تسير بينهم باطمئنان. يحاذرون التدافع أو المس بك أو إزعاجك بأي طريقة (سوى بعض المندسين الذين يمكن التعرف عليهم معظم الأحيان من وقفتهم أو نظراتهم الساخرة وملابسهم السوداء غالبا أو لهجة الهزء التي يطالعونك بها مع أو دون سؤال يوجه إليك دون مناسبة).

يتجاهل "حزب الله" الزخم الشبابي ولا يرى عمق التحول الحاصل

معظم الوجوه شابة نضرة تتطلع إليك بتعاطف وترصد حاجاتك، كما فعلت الصبيتان اللتان أصرتا على أن تقدما لي قنينة المياه التي لم أكن أملك فكة لشرائها.

المشهد مختلف تماما عن الاحتجاجات في السنوات القليلة الماضية التي تلت الانتفاضة الكبرى في العام 2005 التي نتج عنها خروج الجيش السوري من لبنان.

حينها وبعد أن تراجعت القيادات التي سنطلق عليها "سيادية" بالترهيب والترغيب بدأت بوادر حراك مدني وتبعه حركة "طلعت ريحتكم" في 2015.

تم إفشال هذه الحراكات من قبل السلطة القائمة بعدة طرق؛ فمن نزلوا إلى الأرض اختلفوا على شعار "كلن يعني كلن". عدة أطراف اعترضت لأنها كانت تجد أن زعيمها خارج هذه الـ"كلن يعني كلن". وانقسمت الحراكات وتم إخمادها مرحليا بآليتي الترهيب أو الترغيب.

أدت الظروف التي تبعت تلك المرحلة، من تعطيل للانتخابات وللمجلس النيابي ولتأليف الحكومات، مع تداعي آليات الفساد الى إفلاس البلد ككل وانكشفت المنظومة السياسية الحاكمة متعرية من آخر ورقة توت مع انخفاض سعر صرف الليرة.

اكتشف الشعب اللبناني أنهم كتلة واحدة مستفيدة من الأوضاع التي أوصلونا إليها. كل ذلك جعل شعار "كلن يعني كلن" مطلبا معمما لجمهور الثورة الذي انضمت إليه شرائح شيعية وازنة لأول مرة.

وكانت خطب الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله تلقي في كل مرة المزيد من الضوء على الدور الذي يضطلعه الحزب في حماية الطبقة الفاسدة وفي الحفاظ على الأوضاع السائدة التي تمكن عبرها من مصادرة إرادة الشعب اللبناني.

هدد نصرالله المحتجين وخونهم وأراد إدخال اليأس إلى قلوبهم من استحالة قدرتهم على التغيير. بعد كل خطبة كانت أعداد تزداد الغاضبين الذين بدأوا يستغربون اجتزاء معنى الكرامة. كرامة أمام إسرائيل في لبنان وليس في سوريا مثلا. "كرامة" لهدر كرامات اللبنانيين وإذلاهم وتجويعهم وطمرهم بالنفايات لتفتك بهم شتى الأمراض التي استجلبها تلوث البيئة اللبنانية بكافة الملوثات.

الطبيب الذي كان بمثل هدوء ونقاء المتصوف الهندي والزن الياباني بدأ معاينته لي بإفراغ قرفه مما أسماه "السموم" التي بثها من يفترض به حماية الدستور. السموم التي تنتشر بعد كل خطبة. ما لنا ولإيران! كفى، كفى، هي لسان حال كل لبناني.

طلاب لبنانيون يهتفون ضد السلطة

حتى الطالب اليافع من جونية استطاع أن يعبر باختصار وفصاحة عن القرف العميم: "نزلنا لأن ما حدا بدو يسمعنا، لأن في لبنان حزبا معرفا دوليا أنه إرهابي، وصراحة نحنا جيل طالع لا نؤمن إلا بالجيش اللبناني يحمينا. وفيه نائب، هو أكتر نائب جاب أصوات بالبرلمان، جميل السيد، قال عبارة (لكم فسادكم ولنا سلاحنا). يعني غطوا سلاحنا ونغطي فسادكم. هذه هي المعادلة الوحيدة التي لدينا في الدولة للأسف. لازم نحط الأصبع على الجرح، ليسقط السلاح حتى يسقط الفساد...".

أما حديث الطالبة الغاضب التي تركت جامعتها ونزلت إلى الشارع، وبحّ صوتها وهي تصيغ مطالب جيلها الشاب: "هلق بتوصلكم رسالة من قبل الإدارة إنه يللي ما عمل فحصه حياخد صفر. بدي قلكم شي، نحنا هيدي سياسة القمع اللي عم تواجهونا فيها وبتعملوا امتحانات بوقت عم نتظاهر كرمال شعبنا هيدا شي ممنوع هيدي ثورة طلابية. بدي قول لكل الأشخاص الأكبر منا سنا اللي بقولوا هول طلاب ما بدهم يتعلموا؛ منقلهم لأ انتوا اللي منعتب عليكم صارلكم 30 سنة عايشين بهالقمع وساكتين. نحنا يللي مستغربين مش انتو. شو كنتوا عمتعملوا 30 سنة؟؟ ليش قابلين تعيشوا بالفساد؟ ليش قابلين تعيشوا بلا مي وبلا كهربا؟ (...) أنا حقوق المسيحيين ما بدي إياها، وحقوق الإسلام ما بدي إياها، ما دام حقوق الأكل والشرب وحقوق الكهرباء ما عندي إياها شو هالحقوق هيدي يللي عمتصونوها؟ شو هالحقوق يللي عمتحاربوا بعضكم كرمالها وشعبكم جوعان وبعدهم الجامعات بدهم يغطوا على أنه في ثورة. هيدي الثورة ثورة لبنان. لا ثورة حزب ولا ثورة دين ولا ثورة طائفة. هيدي ثورة ناس مثقفة ومعلمة بدها تنزّلكم يا جهلا...".

فقدت الطبقة السياسية الدرع الطائفي والمذهبي، صمام الأمان الذي استخدمته طويلا. فقدت حصانتها وأدوات عملها. انتهت صلاحيتها ولا تريد أن تصدق. وصفهم وزير الخارجية السابق ورئيس التيار الوطني الحر وصهر رئيس الجمهورية جبران باسيل "بالشلعوطين ونصف"، فنزلت التظاهرات تحمل يافطات وتصرخ: "نحنا الشلاعيط، نحنا الشلعوطين ونص".

ينقل صحفيون قريبون من "حزب الله" أن "الحراك" انتهى وضمر. ويتهم أحزاب "القوات اللبنانية" و"التقدمي الاشتراكي" و"المستقبل" بتحريكه مجددا. هذا في الوقت الذي كانت فيه التظاهرات أمام منزل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. هناك أوصتني صبية أن أنقل "أنها كانت مع المستقبل وتحب سعد الحريري. لكن راتبها تقبضه من فلان، صاحب البنك الذي تعمل فيه. والأزمة تطالها كما غيرها. وأنها لن تتبع زعيما بعد الآن".

يتجاهل "حزب الله" الزخم الشبابي ولا يرى عمق التحول الحاصل ويقلل من أهمية توجد الشباب ليل نهار في مختلف المناطق دون كلل.

هذه الصبية، والطالبة والجيل الشاب بفتياته وفتيانه مع هذا الشعب، من حقهم أن يذهلوا العالم باللاعنف والوعي والرقي الذي طبع كل خطواتهم. يحق لهم أن يقولوا للجيل الكبر سنا "أنتم فشلتم فدعونا نأخذ عنكم المهمة. دعونا نبني لبنان الجديد الذي أراده رجال الدولة النادرين الذين حكموا وحوربوا من الطائفيين ومن الزعماء التقليديين، والذين لم يبلغ فسادهم نقطة في بحر الحكام الجدد. صار يحق لنا أن نحلم معهم بلبنان جديد لا طائفي بمناسبة اقتراب مئوية إعلان لبنان الكبير".

الملفت كان محاولة بناء جدار إسمنتي لقطع طريق نفق نهر الكلب. الأمر الذي ذكّر بثمانينيات القرن الماضي وتقسيم البلد وتقطيعه. سارع الشبان والمواطنون إلى فتح الطريق، وأعلن أحدهم أنه سلوك "لا يشبهنا بل يشبه الجيل اللي سبقنا. الجدار رمز الحواجز التي كانت تفصلنا. وقاموا بهدمه. نحن أزلنا الجدران (الرمزية)، نحن مع لبنان الجديد المنفتح على بعضه البعض". وأعلن شاب آخر: "الطائفية وراؤنا. لبنان واحد بلا طوائف. بدي اتنقل محل ما بدي مع صليبي وهو مع أي شعار ديني يريد دون عوائق".

شبعوا من أعلام الأحزاب والطوائف. لا يريدون أي أعلام، سواء رفعت أو حرقت، يريدون العلم اللبناني

يرددون: نحن نبني بلدنا. السلطة تحاول تشويه صورتهم فتعتقل شبانا سرعان ما يخرجون لبراءتهم من التهم. القانون والحقوق على كل لسان. أطلقت الثورة دينامية المحاسبة ولن يظل الحال على ما كان. بات القضاء محورا أساسيا من محاور التغيير، عبر نادي القضاة وعبر مجموعات المحامين الناشطين والمدافعين عن كافة الحريات والحقوق.

في موقف العازارية يجيبني أحمد: "شو بعمل هون؟ صيانة للوطن. قبل الثورة كنت أبحث عن فتاة أتزوجها لأهاجر وأترك البلد. كنت سأرضى بأن أضحي بحياة زوجية كما أريد كي أتخلص من الوضع".

تسأل المذيعة تلميذة صغيرة: ألا تخافين على سنتك الدراسية؟ فتجيبها: "نحن نضحي الآن ونخسر القليل كي نربح الكثير فيما بعد. أنا أدرس وأتخرج وأجلس مع أهلي في البيت فما نفع دراستي؟ نخسر الآن لنربح بعدين. بدنا نستعيد مستوانا".

لسان حال الجيل الأكبر حمله رجل من حي التنك المدقع في فقره: "جيلنا جيل حرب وسلاح، جيلهم جيل علم". هذا الرجل يقول للمذيعة "يكفيني 15 ألف ليرة يوميا، أي 10 دولارات بسعر الصرف الرسمي، لأعيش بنعمة الله".

أخبرني صديق صحفي أن أولاده من جيل الثورة لا يشاهدون التلفزيون، إنه متروك للجدات والأهل. قد يظن المرء أنهم لا يتابعون الأخبار لكن عندما يشير والدهم إلى حدث، يجد أنهم يعرفونه قبله. لم يعودوا بحاجة إلى الرغي، يفتحون هاتفهم الذكي يكبسون بعض الأزرار ويحصلون على ما يريدون. غوغل يوفر فائضا في المعلومات. ولا إضاعة للوقت.

إنهم شباب الألفية الثالثة، يمثلون الطفرة الديموغرافية ويشكلون حوالي 60 بالمئة من السكان في العالم العربي وفي لبنان. لديهم طموحات ومتطلبات يريدون الحصول عليها. متعددو الألوان والاطياف والاتجاهات من أقصى اليمين إلى اقصى اليسار من الذين لديهم مهارة صياغة الشعارات بسبب تجاربهم السابقة، مرورا بالبراغماتيين الذين يريدون أن يعيشوا كما بقية شباب العالم.

حصلت قفزة جماعية قضت على الفكرة المسبقة القائلة إنهم جيل غير مثقف لأنهم جيل الإنترنت. ساد الاعتقاد لوهلة أن النضال صار يقتصر على الفضاء الافتراضي وتحول إلى "لايكات" في عالم الرفيق مارك زوكربرغ. لكنه جيل يعرف. جيل يريد أن يغير وأن يعيش ككل شاب وشابة في العالم الأول. لم لا؟ لم علينا تصدير أدمغتنا التي يصرف على أعدادها وتعليمها مئات آلاف الدولارات!

ثورة جيل الألفية الثالثة. جميع المولودين بعد التسعينيات لم يعرفوا الحرب لكنهم ورثوا أمراء ميليشياتها ولا يفهمون لم يجب أن يحكمهم هؤلاء وبهذه الطريقة؟ إسرائيل عدو ولكن مقاومتها لا تعني هدر حقوقهم وكرامتهم بحجة تحريرها! كما يريدون البقاء في بلدهم، وأن يعيدوه جميلا وحرا سيدا ومليئا بالحياة. السيادة تعني أيضا الكرامة والحفاظ على مقدرات الوطن. شبعوا من أعلام الأحزاب والطوائف. لا يريدون أي أعلام، سواء رفعت أو حرقت، يريدون العلم اللبناني.

مقولة "الشعوب" اللبنانية التي استحسنها بها البعض انتهت إلى غير رجعة

جيل الشباب قام بثورته الحقيقية. ثورة، ليس بوست مودرن، هذه تعابير قديمة. إنها ثورة العصر الرقمي السيبراني. ثورة عصر النانو الذي يسبر عوالم لا متناهية ويتخطى كل حدود.

إنهم جيل يتمتع بثقافة شاملة مختصرة وجامعة تصيب الهدف وتتخطى ما نعهده. وأول ما تشمل الحق بالحصول على ما نصت عليه شرعة حقوق الإنسان. يسبقون جيل الآباء ويعرفون ما يريدون. ثورتهم مختلفة لأنها ثورة حقيقية تغير المجتمع ككل وتتفاعل مع العقل الجمعي فتحدث فيه انقلابا لا رجعة عنه.

الثورة ليست فقط بتغيير الحكام بل بتغيير الذات وتمكينها ورفدها بالقدرة في الدفاع عن النفس. جيل الألفية الثالثة اللبناني تغلب على الإحباط واليأس وتبين أنه لا يهرب من المسؤولية ولا من المواجهة بل قادر عليهما.

إنهم ينفذون أكبر عملية اختلاط للمكونات اللبنانية ليس منذ انتهاء الحرب الأهلية، بل منذ تأسيس لبنان الكبير.

جيل ما بعد الحرب لديه لغة أخرى لا يفهم لغة الحرب. هم جزء من جيل الميلينيوم. لا يفهمون التعابير المذهبية التي تستخدم في غير مكانها الصحيح، ولا يفهمون لغة العنف، ولا يفهمون قدسية جهة تمارس السياسية الدنيوية والبراغماتية وتتجاهل حقوقهم الأساسية.

مقولة "الشعوب" اللبنانية التي استحسنها بها البعض انتهت إلى غير رجعة. لقد خرج المارد اللبناني من القمقم الطائفي.

اقرأ للكاتبة أيضا: اسمعوا جيدا.. إنها ثورة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

جيل الشباب وإخراج لبنان من القمقم الطائفي 716E539E-FB9F-45FD-A189-F595FAE8D19A.jpg AFP جيل-الشباب-وإخراج-لبنان-من-القمقم-الطائفي إضاءة شموع في ساحة الشهداء في بيروت تكريما لعلاء أبو فخر الذي قتل خلال مشاركته بالتظاهر 2019-11-17 01:42:30 1 2019-11-15 23:49:31 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.