تظاهرة لسلفيين في المغرب للمطالبة بإعادة فتح التحقيق بهجمات الدار البيضاء عام 2003
تظاهرة لسلفيين في المغرب للمطالبة بإعادة فتح التحقيق بهجمات الدار البيضاء عام 2003

521765 4

محمد المحمود/

لم يكن الشيخ الحنبلي/ أحمد بن عبد الحليم (661هـ ـ 728هـ/1263م ـ 1328م) المعروف بـ"ابن تيمية" يتمتع في القرون السبعة الماضية التي تلت وفاته بذات الشهرة التي يتمتع بها الآن، وتحديدا منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، أي منذ ازدهار جماعات العنف الأصولي وظهورها بشكل واضح وصريح على مسرح الأحداث؛ حتى أصبحت مصدر قلق كبير لأوطانها ابتداء، وللعالم أجمع انتهاء؛ بعد أن تعولم حراكها الفكري والتنظيمي المتشرعن عنفا وتوحشا، بحيث لم تكن أحداث 11 سبتمبر الإرهابية إلا علامة فارقة في ذات المسار.

منذ ازدهار الأصوليات الدينية/ الإسلامية التي تجد "مهدها الحركي" في تنظيم جماعة الإخوان التي تأسست عام 1928م، وتجد "مهدها الفكري" في التراث السلفي الاتباعي برموزه المتعددة، والباحثون الغربيون (فضلا عن العرب/ الشرقيين العارفين بواقع الحال) يحاولون فَكَّ مغاليق اللغز الأصولي؛ بما يُفسّر توقيت الانبعاث/ الازدهار، وبما يفسر الشرعية الباذخة لهذا الموقف الإقصائي المتشبع بالنَّفَس الدوغمائي الذي يتعيّن في الواقع عنفا من ناحية، ويتجذَّر في الأذهان يقينا مطلقا بوهم الصواب من ناحية أخرى.

لقد لفت نظر الباحثين في جماعات العنف الأصولي ـ على اختلاف مشاربهم؛ من غربيين وشرقيين ـ هذا الحضور الكبير لابن تيمية في الخطاب الشرعي لهذه الجماعات. لقد وجد الباحثون أن كل مسلك عنفي أو موقف حاد في هذا الأمر أو ذاك، غالبا ما يكون مشفوعا بفتوى لابن تيمية ابتداء، حتى وإن ألحقت بها بعض الفتاوى من باب الحشد والتكثيف، لا من باب تحقيق أصل مشروعية الفعل/ المسلك العنفي.

يشيع في خطاب ابن تيمية، مقولة تكاد تكون ثيمة لخطابه الإفتائي: "يُسْتَتاب، فإن تاب؛ وإلا قُتِل"

يشيع في خطاب ابن تيمية، وخاصة في فتاويه التي جُمعت في 37 مجلدا، مقولة تكاد تكون ثيمة لخطابه الإفتائي: "يُسْتَتاب، فإن تاب؛ وإلا قُتِل". يكرر هذه الجملة في تقرير مصير مخالفيه الذي لا يتفقون معه فيما يعده من باب الضروريات/ المعلوم من الدين بالضرورة، أو حتى ما يكون من باب الإصرار على البدعة بعد كشفه هو ـ أو من يمثله ـ لبدعيتها بالدليل الذي يراه قطعي الصواب: ثبوتا ودلالة، ومن ثَمَّ؛ يجب على الآخر أن يراه كذلك؛ وإلا فهو كافر معاند، يجب قتله لكونه أصبح من جملة الضالين المرتدين عن الدين.

المهم في سياقنا هذا هو أن جملة "يُسْتَتاب، فإن تاب؛ وإلا قُتِل" تتكرر كثيرا، حتى أحصى بعض الباحثين أكثر من 400 موضع تكررت فيه هذه الجملة نصا أو معنى. والغريب أنها تأتي في كثير من الأحيان في مسائل فرعية، كاستحلال أكل الحيات والعقارب، أو الجهر بالنية مع اعتقاد وجوبها...إلخ، أو في مسائل لاهوتية تأويلية اختلفت فيها كثير من فِرَق/ مذاهب الإسلام.

لهذا، ولغيره مما هو في سياقه، كوجود النَّفَس القطعي اليقيني فيما هو محل خلاف بين علماء ومفكري الإسلام، وكالعنف في مواجهة المخالفين، خاصة المخالفين الذين لا تزال ساحة الصراع مفتوحة معهم (فضلا عن العنف بما دون القتل)، لكل هذا، أصبح ابن تيمية المرجع الأعلى للجماعات الأصولية والجهادية التكفيرية، وأصبحت فتاويه تتصدر البيانات المتلفزة أو المكتوبة التي تصدرها هذه الجماعات عند كل عمل عنفي/ إرهابي تقوم به من أيام جماعة التكفير والهجرة في السبعينيات من القرن الميلادي المنصرم، وإلى بيانات "داعش" هذه الأيام.

التَّيْمويّون، أو عشاق ابن تيمية، أو المتشكلّون بالتراث التيموي، تقرع أسماعهم مثل هذه الاتهامات المشفوعة بالأدلة والبراهين التي تجعل شيخهم/ الرمز في مرمى الإدانة بتشريع العنف الإرهابي. وطبيعي حينئذٍ أن يحاولوا التصدي ـ ولو بالمحاولات اليائسة ـ لهذا الاتهام الخطير الذي أصبح معروفا ـ بحيثياته ـ على نطاق واسع، خاصة وأنه يأتي من مصادر شتى، وبدوافع شتى أيضا، لكنها جميعا تؤكد هذه الحال التي أصبحت واقعا، أي حال كون ابن تيمية أصبح الشيخ الأول الذي تتشرعن به جماعات العنف المتأسلمة ـ السنية منها تحديدا ـ أيا كان مكانها، وأيا كان سياقها الحركي/ التنظيمي.

في البداية، وقبل انتشار وسائل التواصل، كان التَّيْمويّون يسارعون إلى الإنكار، أي إنكار كل مقولات/ فتاوى العنف المنسوبة إلى شيخهم. فبمجرد أن يأتي باحث فيورد عليهم ما يعدونه "تشنيعا" على شيخهم، يتهمون هذا الباحث بالكذب، وأحيانا بالاجتزاء، وتارة ببتر المقولات من سياقها...إلخ، مراهنين بذلك على جهل عموم الناس، وكون هؤلاء العموم غير مستعدين للبحث في عشرات المجلدات للتأكد من صدق وأمانة التوثيق.

آنذاك، كان يكفي أن يقوم شيخ محاضر، أو خطيب جمعة، أو واعظ تلفزيوني، فيقول: إن هذا الباحث غير صادق في نقله وتوثيقه، أو غير أمين في موضعة هذه النقل في سياقه. وهنا، لن يذهب المستمعون من جماهير الشيخ أو الواعظ للمكتبات باحثين، ولن يسهروا الليالي الطوال للتأكد من حيثيات الاتهام، بل سيقودهم الكسل واللامبالاة إلى تصديق ما يقوله الشيخ/ الخطيب/ الواعظ الفضائي، فليس أمامهم إلا الاحتماء بمثل هذا التصديق التوفيضي.

قبل انتشار وسائل التواصل، كان التَّيْمويّون يسارعون إلى الإنكار

لكن، بعد انتشار وسائل التواصل وأدوات التوثيق على نطاق جماهيري واسع، وعلى وجه التقريب منذ خمسة عشر عاما، لم يعد الإنكار الغاضب ولا التكذيب الكاذب من سُبل الدفاع الناجع عن الشيخ/ التراث المتهم.

 اليوم ليس كالأمس، اليوم إذا استخرج أحد الباحثين فتوى تكفيرية، أو فتوى إرهابية تدعو للقتل، لهذا الشيخ أو ذاك، فأنكر محبو الشيخ ومشايعوه، فكيفي الباحث تصوير "الفتوى" من كتاب الشيخ موثقة بأرقام صفحاتها، بل وتصوير ما قبلها وما بعدها من صفحات؛ حتى لا يكون ثمة مجال للاتهام بالبتر أو الاجزاء، ثم عرضها ـ بضغطة زر، في أقل من ثانية ـ ليشاهدها ملايين القُرّاء.

وبطرفة عين أو أقل؛ سيجدها القارئ الجماهيري أمامه بصفحاتها المُوثّقة دون أدنى عناء أو مشقة بحث، سيقرأ ما يشاء منها وهو يمازح أصحابه، أو يرتشف فنجان قهوته، أو يشاهد برنامجه المفضل، ولن يستطيع الواعظ الفضائي أو خطيب المنبر أن يراهن على كسله البحثي؛ فيزعم أن فتاوى التطرف المنسوبة لشيخه من كذب أو من تدليس "الباحثين العلمانيين!".

بعد كل هذا النشاط التواصلي الذي كشف الأوراق على المستوى الجماهيري، أدرك التَّيْمويّون أن ليس ثمة مجال للإنكار، وأن فتاوى التكفير والقتل والإقصاء والاستهانة بالدماء ثابتة على شيخهم، بل وأن بإمكان كل أحد أن يستوثق منها بأسهل مما يشرب كوب ماء.

أحسوا بورطتهم، وهنا سارعوا إلى تكتيك آخر، وكان هذا التكتيك يعني الاحتماء بظروف سياق الإنتاج، أي سياق إنتاج هذه الفتاوى المرعبة. فلكي يحموا ابن تيمية من غضب وازدراء جماهير المؤمنين، بعد أن أصبح الإنكار (التكتيك الدفاعي السابق) مستحيلا، طالب حملة أختام ابن تيمية هؤلاء/ الجماهير بأن يفهموا "الظروف السياقية الصعبة" التي جعلت شيخهم/ ابن تيمية يصل إلى هذه الدرجة من الإقصاء والعنف.

فبمنطق هؤلاء المدافعين عن شيخهم، ابن تيمية ضحية عصر عنفي مرعب، حيث حملات التتار من جهة، وحملات الصليبيين من جهة أخرى، وتحالف وتنازع الفرق/ الطوائف الإسلامية من جهة ثالثة، كل هذه ـ كما يؤكدون ـ تصنع واقعا عنفيا مرعبا مُشَتِّتا ومُحيّرا، وهو في النهاية، ومهما كان عنفه وتشتته واضطرابه، ابن هذا الواقع. وبالتالي، فاللوم ـ وفق منطقهم ـ يقع على هذا الواقع، فلولا هذا الواقع المأساوي؛ لكان الشيخ/ ابن تيمية داعية محبة وتسامح وسلام وإخاء، بل لكان الليبرالي الأول في التاريخ!

دعوى الاعتذار بالسياق (كما يعتذر به بعضهم عن رموز العنف في التاريخ) لا تصمد كحجة للدفاع عن التراث التيموي المؤسس للعنف والإقصاء؛ لأسباب كثيرة، من أهمها:

1 ـ أننا لا نحاكم الشخص، أي لا نحاكم الوجود المادي لابن تيمية؛ لنتعلل بظروفه وسياق عصره لتبرئته. ابن تيمية كحالة إنسانية مادية لم يعد له وجود. ابن تيمية الحاضر في عالمنا اليوم هو تراثه/ خطاب الديني الذي كان يدّعي له الشرعية/ القدسية، وأيضا أنصاره يدعون لتفعيله في الواقع. نحن لسنا في حالة ضبط جنائي لابن تيمية كشخص؛ لنترافع عنه ضد خصومه بما يكفل نجاته من الإدانة بجريمة التحريض على العنف أو بجريمة تشريع الإرهاب. نحن في مواجهة تراث/ فكر، يستحق الإدانة، ولا يعنينا الشخص بحال.

إن معرفة ظروف الإنتاج (إنتاج الفكر/ الفتاوى) تعين على فهم هذا الإنتاج، ولكنها لا تنزع عنه المكونات السلبية التي تتخلله، والتي يطرحها الخطاب الديني التيموي بوصفها "اجتهادات شيخ الإسلام"، ثم تجد استجابة قارئ يتمثّلها بوصفها صحيح الإسلام! كون ابن تيمية في ظروف طبيعية أو غير طبيعية، لا يعني هذا شيئا في تقييم ابن تيمية الماثل أمامنا اليوم، والذي هو ابن تيمية المُكَوّن من "حبر على ورق"/ من تراث تستلهمه آلاف العقول الاتباعية، وليس ابن تيمية المكون من جسد، من لحم ودم وعظام، فهذا الأخير لا يعنينا في قليل ولا كثير.

2 ـ أن ظروف عصره كانت هي ظروف عشرات بل مئات الفقهاء المُجَايلين له، فلماذا هو (عندما أقول: هو، أقصد: تراثه الذي يحضر به بيننا) من بينهم نجده أكثر عنفا أو تشريعا للعنف؟! صحيح أن التكفير والعنف والحث على القتل لم يكن من خصوصياته، وإنما يشترك فيه السياق الفقهي للجميع، وعند معظم الطوائف والفرق آنذاك. لكن، لا تخفى دلالة كون هذا المنحى التكفيري العنفي يتكاثف في خطابه حتى يكاد يكون أشهرهم في هذا المجال.

دعوى الاعتذار بالسياق لا تصمد كحجة للدفاع عن التراث التيموي المؤسس للعنف والإقصاء

3 ـ لا ينفي حقيقة ثبوت هذا العنف في تراثه، أن في تراثه ـ بالمقابل ـ ما يضاده معنى أو نصا، ففي النهاية، ثمة تشريع صريح للعنف، بصرف النظر عن بقية الإنتاج. فمثلا، لو أن مفكرا أو شيخا كتب عشرين مجلدا، ولم يكن العنف والتحريض على القتل متضمنا إلا في ثلاث أو أربع صفحات؛ لكانت كافية لوصم هذا المكتوب بأنه تراث يشرعن العنف ويتشرعن به العنف.

أيضا، لو أن شيخا يُفتي ويحاضر ويرشد منذ سبعين سنة؛ حتى أصبح رمزا دينيا، ولم يقل خلال ذلك ما يمكن توصيفه بأنه تبرير للعنف، ثم جاء بفتوى صريحة مختصرة، من ثلاثة أسطر فقط، يقرر فيها أن ما يمارسه تنظيم "داعش" من عنف دموي هو مشروع دينيا، فإن هذه الفتوى كفيلة بأن تجعل منه: شيخ إرهاب، ولن نبرر له بأن له أقوال في هذا المجال أو ذاك؛ لأن شرعنته للإرهاب لها مفاعيلها الكارثية في الواقع.

4 ـ أيضا، ولكوننا ننظر للأمر من زاوية استجابة القارئ/ طبيعية التلقي، فإن الأثر الذي تتركه فتوى تكفيرية/ عنفية من هذا الشيخ، ليس كالأثر الذي تتركه فتوى تكفيرية/ عنفية من شيخ آخر. فالتركيز يكون على الأشد/ الأكثر تأثيرا، وليس على الأشد/ الأكثر تكفيرا. وعلى سبيل الافتراض، قد يكون ثمة شيخ في القرن الرابع أو الخامس أو التاسع الهجري أكثر تكفيرا وأشد صراحة في الدعوة إلى العنف من ابن تيمية. لكن (ولأننا لسنا مشغولين بالشيخ/ المفكر من حيث هو منتج لتراث ما) لن نكون معنيين بنقد هذا المجهول/ المغمور؛ ما دام أثره في واقع الجماعات الأصولية معدوما أو شبه معدوم.

اقرأ للكاتب أيضا: الأصوليون والمجتمع التقليدي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

ابن تيمية والعنف الأصولي DAEF2AAC-56A3-4E04-8FAB-83E5BEFD023E.jpg Reuters ابن-تيمية-والعنف-الأصولي تظاهرة لسلفيين في المغرب للمطالبة بإعادة فتح التحقيق بهجمات الدار البيضاء عام 2003 2019-11-18 14:00:29 1 2019-11-18 14:14:29 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.