521780 4

هشام ملحم/

الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية العارمة التي تعصف بالعراق ولبنان منذ أسابيع، والتي اندلعت منذ أيام في إيران تشكل هلالا من الانتفاضات يمتد من الخليج إلى المتوسط. سوريا في قلب هذا الهلال، إذا وضعنا انتفاضتها المستمرة بشكل أو بآخر منذ 2011 في السياق ذاته.

هذه الاحتجاجات أو الانتفاضات تتشابه كثيرا في أسباب اندلاعها وطبيعة مطالبها والقوى المتوجهة ضدها، كما يتشابه رد القوى والمؤسسات والأنظمة المهيمنة على هذه المجتمعات ضد المحتجين والمطالبين بالتغيير. طبعا هناك خصوصيات لكل دولة وكل انتفاضة، نابعة من طبيعة كل مجتمع، ما يجعل المقارنات محدودة، وربما محفوفة بالأخطار، مع أن أي مراجعة لما يحدث في هذه الجغرافيا الشاسعة يبيّن إلى أي مدى تتأثر هذه الحركات الاحتجاجية أو الانتفاضات ببعضها البعض وكيف تتعلم من تجاربها، وكيف تلجأ أحيانا إلى ذات الأساليب والتكتيكات، تماما كما تفعل الأنظمة المستهدفة في مقاومتها للتغيير.

الصرخة الأولى تأتي دائما من الوجع الاقتصادي والحرمان. الشرارة تكون عادة بسبب زيادة الأسعار، (أسعار الوقود في إيران) أو الضرائب (في لبنان) أو غلاء المعيشة والبطالة المتفشية، وانعدام الخدمات الأساسية من صحية وتعليمية؛ ورأينا هذه الشرارة في كل من العراق ولبنان وإيران.

الخيط الذي يربط الاحتجاجات في هذا الهلال هو أنها عفوية ولا تقودها أحزاب أو تجمعات سياسية أو دينية

في لبنان جيل بكامله نشأ من دون أن يختبر الحياة في مجتمع يتوفر فيه التيار الكهربائي لـ 24 ساعة في اليوم، والشيء ذاته صحيح في العراق. في لبنان كما في العراق، الدولة لا تحتقر المواطن فقط، بل تحتقر البيئة. مياه الأنهر ملوثة؛ مياه الشفة في خطر؛ القمامة تتحول إلى تلال. تلوث البيئة في لبنان زاد من معدلات مرض السرطان بشكل ملحوظ ومخيف.

بعد النقمة الأولية، يتحول الغضب الساطع ضد فساد وجشع طبقة سياسية ـ دينية مفترسة وصل إلى درجات غير مسبوقة وخاصة في دول غنية بالنفط مثل العراق وإيران، وحتى في لبنان الدولة التي لا تملك ثروة نفطية، ولكنها أيضا ليست دولة فقيرة أو لا يفترض أن تكون فقيرة.

متظاهرون ضد ارتفاع أسعار الوقود في طهران

في هذه المرحلة تبرز الدعوات المعتدلة للإصلاح والمساءلة، والتي تتجاهلها الأنظمة المعنية وحماتها لأنها لا تهدد البنى والهياكل الحاكمة. وفي المرحلة الثالثة، وهي الأهم، ينمو الغضب الشعبي مثل التسونامي ويتركز على ضرورة جرف النظام البائد وأسسه ودعائمه ورموزه واستئصاله من جذوره، بعد أن تتحول صرخة "كلن، يعني كلن"، إلى المطلب التاريخي لهذه المرحلة.

الخيط الذي يربط الاحتجاجات في هذا الهلال هو أنها عفوية ولا تقودها أحزاب أو تجمعات سياسية أو دينية. في العراق ولبنان الانتفاضة وطنية بامتياز: في لبنان لا علم إلا العلم اللبناني، في العراق لا علم إلا العلم العراقي.

في البلدين المواطن ـ وليس العضو في طائفة ـ يطالب بوطن للجميع. الهتافات والشعارات وطنية وسياسية ومطلبية اقتصادية في طبيعتها، ولا مكان فيها لأي هتاف من نوع: "الله أكبر".

للمرة الاولى في العراق وإيران، ذات الأكثرية الشيعية، ولبنان بطائفته الشيعية الكبيرة ـ حيث يحتكر أكبر تنظيمين فيها: "حزب الله" وحركة أمل السلاح ـ هناك رفض وإن بدرجات متفاوتة، للحكم الثيوقراطي أو هيمنة المؤسسة الدينية الشيعية، ويتم التعبير عن هذا الرفض بأكثر من وسيلة. 

هذا واضح للغاية في العراق، وبدأ يتوضح أكثر في إيران. هذا لم يحدث بهذا الشكل من قبل. لا أريد أن أقول أن الانتفاضة اللبنانية بالدرجة الأولى هي ضد إيران أو وكلاء إيران في لبنان، ولكن مما لا شك فيه أن لها بعدا يتعلق بإيران وتسلط "حزب الله" في لبنان، خاصة وأن "حزب الله" تحول بسرعة إلى أكبر معارض للانتفاضة وأبرز حام للحكم الفاسد، مع أن مطلب الانتفاضة الأساسي هو التخلص من طبقة سياسية فاسدة تدعي تمثيل مختلف طوائف لبنان. في هذا السياق، لم يكن امتداد انتفاضتي العراق ولبنان إلى إيران مفاجئا أو مستغربا، وبعضنا تحدث وكتب عن هذا الاحتمال في الأسابيع الماضية.

في إيران والعراق ولبنان، القيمون على السلطة يتهمون المتظاهرين بأنهم خاضعون لنفوذ سفارات

حقيقة أن الانتفاضات عفوية وغير منظمة من قبل أحزاب وتجمعات، وتفتقر إلى قيادات "مركزية" أمر له إيجابيات كثيرة، وكذلك بعض السلبيات. أبرز السلبيات هو أن الانتفاضات بعد أن تفرض نفسها كقوة تغييرية لا تستطيع الأنظمة الحاكمة تجاهلها، يجب أن تتقدم عبر ممثلين عنها بطلبات محددة وقابلة للتنفيذ، وهذا يتطلب درجة من التنظيم والتنسيق.

أما أبرز الإيجابيات، هو الوجه الاخر للسلبيات، أي أن غياب القيادات يزيد من صعوبة "قطع رأس" أو رؤوس الانتفاضة من قبل الأنظمة المهيمنة، ما يعني قدرة الانتفاضة على الاستمرار ليس فقط لأسابيع بل لـشهر.

تقترب الانتفاضة في العراق من نهاية شهرها الثاني، والانتفاضة في لبنان عبرت شهرها الأول. وفي هذا السياق من الضروري النظر إلى انتفاضة هونغ كونغ، ضد السلطات المحلية ـ ومن خلفها الصين بجبروتها الكامل ـ وذلك بعد ستة أشهر من الاحتجاجات التي لم تكل حتى الآن.

دخلت التظاهرات في لبنان شهرها الثاني

أسباب الاحتجاجات المتشابهة، تؤدي إلى تشابه في سبل تحدي السلطات. قطع الطرقات والجسور، من خلال تحويلها إلى مواقف للسيارات. تظاهرات في النهار، وأخرى في الليل، والاستخدام المكثف لوسائل الاتصال الاجتماعي لتبادل المعلومات والتنسيق.

في المقابل نرى أن ردود فعل الأنظمة متشابهة، وإن كانت حدة الردود متفاوتة. المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، وصف المتظاهرين الذين قطعوا الطرقات واحرقوا الأبنية الحكومية بقطّاع الطرق.

في لبنان، معارضو الانتفاضة يصفون شباب وشابات الانتفاضة "بالزعران". في العراق وإيران، سارعت السلطات الى فرض تعتيم على ما يجري في البلدين من خلال قطع شبكة الإنترنت.

في إيران والعراق ولبنان، القيمون على السلطة يتهمون المتظاهرين بأنهم متأثرون أو خاضعون لنفوذ وهيمنة أطراف خارجية أو سفارات أجنبية، من دون أن يبالوا بتقديم أي دليل على ذلك، ويتحدثون، كما فعل قائد الجيش اللبناني جوزف عون عن "المندسين" من غير اللبنانيين والذين يحملون المخدرات في التظاهرات.

السلطات الإيرانية اتهمت الولايات المتحدة بأنها وراء الانتفاضات في العراق ولبنان، وهو ما كرره زعيم "حزب الله" في لبنان حسن نصرالله. علي خامنئي في إيران، وحسن نصرالله في لبنان، هددا المتظاهرين في البلدين بعنف أكبر. في العراق السلطات التي تخطت التهديدات اللفظية، ارتكبت "حمّام دم"، كما قالت منظمة العفو الدولية، حيث يقدر عدد القتلى بـ 320 قتيل على أقل تقدير، وجرح المئات، ويعتقد أن الرقم الحقيقي للقتلى أعلى بكثير لان السلطات منعت المستشفيات والمشارح من الإعلان عن عدد القتلى.

أي تغيير سياسي إيجابي وبنّاء في إيران سوف تكون له ترددات ومضاعفات إيجابية إقليمية

في إيران قتلت السلطات 12 متظاهرا وجرحت المئات خلال أول ثلاثة أيام. وفي لبنان سقط 4 قتلى بظروف مختلفة. الأوضاع الأمنية في هلال الانتفاضات مرشحة للانهيار أكثر، وحدوث أعمال عنف أكثر شراسة من قبل الأنظمة الحاكمة والمحاصرة سياسيا، محتمل ومتوقع.

بعد أسابيع على بدء انتفاضتي العراق ولبنان، لا يزال اهتمام الإعلام الأميركي والغربي بشكل عام بهذه الظاهرة محدودا، وخاصة في دولة مثل العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، وغزتها الولايات المتحدة في 2003 وساهمت عبر هفواتها وأخطائها ـ مثل قبول نظام المحاصصة الطائفية والإثنية ـ في إيصالها إلى هذا الطريق المسدود، الأسوأ والأخطر منذ احتلال قوات تنظيم "داعش" لمدينة الموصل في صيف 2014. يوم الأحد أصدر البيت الابيض بيانا حول تظاهرات إيران كرر فيه دعم التظاهرات السلمية ضد النظام، وأدان استخدام العنف الدموي ضد المتظاهرين والقيود المفروضة على الاتصالات.

غرافيتي في بيروت

وبعد أن أدان البيان سياسات إيران المتطرفة في السعي للأسلحة النووية والصواريخ، أشار إلى أن إيران أصبحت نموذجا للدولة التي يتجاهلها حكامها ويسعون للعمل على تعزيز سلطتهم وثرواتهم. هذا موقف لفظي لا يوحي بوجود سياسة أميركية واقعية تجاه إيران.

من الواضح أن سياسة "الضغوط القصوى" التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران عقب انسحابه من الاتفاق النووي الدولي واستئنافه للعقوبات الشاملة، لعبت دورا رئيسيا في إيصال إيران إلى مأزقها الاقتصادي والمالي الراهن.

الإيرانيون المحتجون في الشوارع يستحقون سياسة أميركية أوضح

رسميا، تقول الولايات المتحدة إنها لا تدعو إلى تغيير النظام في إيران، وإنها تؤيد أي حراك سلمي ضد النظام، ولكنها لا تعمل مباشرة على إسقاط النظام. ولكن السؤال الملّح يبقى: لماذا لم تحضر الولايات المتحدة نفسها وحلفاؤها لمثل هذا اليوم؟

السؤال يطرح أيضا في حالة العراق وحتى لبنان. العراقيون لم يضحوا بالكثير والغالي ماديا وبشريا في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين ليعيشوا في ظل نظام فاسد وقمعي ويدور إلى حد كبير في الفلك الإيراني. الأميركيون لم يضحوا ماليا وبشريا منذ 2003 لكي تنتهي تجربة أميركا المعقدة والمكلفة في العراق بمثل هذه التركيبة السياسية الفاشلة.

الإيرانيون المحتجون في الشوارع يستحقون سياسة أميركية أوضح وأكثر عقلانية وقابلة للتطبيق وتكون لصالح الشعب الإيراني وتساعده على تحرير نفسه من طغيان نظام ثيوقراطي رجعي.

الجميع يدرك، أو يجب أن يدرك حقيقة أن أي تغيير سياسي إيجابي وبنّاء في إيران سوف تكون له ترددات ومضاعفات إيجابية إقليمية شاملة تؤثر بالإيجاب على الأوضاع في العراق ولبنان وسوريا، نظرا للنفوذ الإيراني الخانق في هذه الدول.

اقرأ للكاتب أيضا: الكونغرس يهدد "الرومانس الأوتوقراطي" بين ترامب وأردوغان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

هلال الانتفاضات FF96CA5D-B59C-4FA0-A005-10C0459A4F16.jpg Reuters هلال-الانتفاضات متظاهر عراقي في النجف 2019-11-18 15:04:01 1 2019-11-18 15:15:54 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.