521948 4

مالك العثامنة/

يقال إن النكتة (أي نكتة في العموم)، هي انعكاس لواقع مبكي، وكلما زادت كمية الضحك في النكتة كانت المفارقة فيها واسعة أمام الواقع، والنكتة السياسية خصوصا كانت دوما تعبيرا "ذكيا" عن الرفض والاحتجاج ونوع من أنواع الوعي المقنع.

لكن، هل يحتاج الوعي إلى أقنعة ليعبر عن ذاته؟ وما نفع السخرية في واقع أصبح أكثر تهريجا من النكتة نفسها في العالم العربي، وأدوات أنظمة هذا العالم في الإعلام بكل أشكاله ليست إلا سكتشات كوميدية مفرطة الفانتازيا حتى أن نشرة الأخبار أحيانا في بعض المحطات العربية يمكن تصنيفها ضمن صناعة الترفيه بلا أدنى تردد؟!

في زمن ما قبل الفضائيات، وثورة تكنولوجيا المعلومات وصناعة اليوتيوب التي تحولت إلى ظاهرة خرافية، كانت الكتابة الساخرة في الصحافة والأدب والمسرح والسينما والتلفزيون نافذة للتنفيس غالبا والاحتجاج الضمني أحيانا.

صارت غالبية البرامج في منافسة محمومة فيما بينها على تقديم "مسخرة" التنمر أكثر من السخرية الذكية

لم تكن أدوات الكتابة مدعومة بتقنيات الغرافيك والصورة والمؤثرات البصرية، ولا بأرشيف صوتي أو بصري سهل التناول، كانت الكتابة الساخرة حفرا شاقا في صخر الواقع للخروج بمفارقات مضحكة ومبكية بنفس الوقت، كانت مضحكة لأن الواقع كان مبالغا في قسوة جديته.

كان محمد الماغوط، مثلا، أديبا ساخرا؛ سخرية غير مضحكة لكنها قادرة على اجتراح التهكمية من الأنظمة والطغيان. كان زكريا تامر في قصة النمر في يومه العاشر يكثف الرمزية بالصورة المتخيلة لهذا النمر البائس. كان محمد طملية في الأردن وبعبثية واقعية حد الوجع، قادرا أن يرسم الابتسامة بين سطوره مع هزة رأس متأسفة على الواقع، إن ضحكت على النكتة أو "الإفيه" الساخر حينها فأنت مدرك لبؤس المعنى فيها.

التلفزيون، كان أداة نقل للمسرح والسينما، وظهرت فكرة الكباريه السياسي التي كان من ضمن نجومها دريد لحام، وقد اعتاش واقتات على إبداعات نهاد قلعي في النقد الاجتماعي ثم أدار له ظهره ليقتات بعدها على عبقرية الماغوط، فشرب "غوار الطوشي" وحده نخب كأس الوطن وغنائم السلطة.

اليوم، صار الأدب الساخر التقليدي بكل عباقرته في ذلك الزمن، مجرد كتب في متحف، لا أحد يضحك لمفارقاتها، ولا أحد يجد النكتة الذكية فيها مرسومة على واقعه الحالي. فالواقع أصبح نفسه نكتة ساخرة جدا، ومتسعة في مفارقاتها اللامتناهية، حتى أن التقاط المفارقة الساخرة صار يمكن تصيده في مشهد مفرط الجدية.. مثل: القمع في السجون المصرية.

♦♦♦

أنا (ابن الجيل الذي نشأ على أدب عزيز نيسين الساخر)، صرت مطحونا بأدوات اليوم، وعليه فإني أتابع بشغف كبير برامج السخرية الذكية، والتي يشتغل على صناعتها فرق من المبدعين، لا كتابا وحسب، بل أصحاب رؤية بصرية محسوبة بالثانية.

من ذلك برنامج "جو شو" على قناة العربي، وهو برنامج يقدمه شاب له حضور قوي اسمه يوسف حسين، يسخر أسبوعيا من الأنظمة العربية ومن النظام المصري تحديدا! (السخرية الحقيقية أن أول من لفت انتباهي للبرنامج قبل سنوات كان صحفيا يروج اليوم وبقوة لنظام السيسي، لكنه معجب "سري" ببرنامج جو شو).

لا يحتاج يوسف حسين إلى اجتراح الجملة الأدبية الساخرة، ولا الحفر في الواقع لاستخراج المفارقة منه، أدواته التقنية والبصرية الحديثة جعلت العمل أسهل بكثير، وبمقاربات ملتقطة في الإعلام العربي (والمصري المسخرة خصوصا)، يجد الشاب نكتته فيلقيها.. لأتلقفها أنا وأضحك، ويستمر العالم بالدوران.

كانت النكتة السياسية الساخرة في زمن مضى، حين نقرأها نشعر بدوخة، تجعلنا نحن ندور لساعات بينما ينتابنا إحساس أن الكوكب توقف.

صار الأدب الساخر التقليدي بكل عباقرته في ذلك الزمن، مجرد كتب في متحف

وهذا لا يتوقف عند برنامج الشاب المبدع (ضمن معايير زماننا)، بل هو ينسحب على كل برامج السخرية التي أتخمت بها شاشات الفضائيات وسيرفرات اليوتيوب.

ليس بدءا من برنامج "البرنامج" لباسم يوسف ولا انتهاء بـ "أنديل" الذي يقدم سخريته العبقرية في برنامجه "اليوتيوبي" "أخ كبير" فإن هؤلاء لا يمكن تصنيفهم بمبتكري السخرية، بل هم فعليا سباحون ماهرون بأدوات رقمية حديثة في بحر من السخرية الواقعية وقادرون بتميز على أن يضيئوا عتمة "المسخرة" بكشافات متوهجة تثير الضحك على كل ذلك البؤس الساخر بذاته.

المشكلة باتت في حجم المنافسة في التهكم، لا في خلق الأدب الساخر الحقيقي، وصارت غالبية البرامج في منافسة محمومة فيما بينها على تقديم "مسخرة" التنمر أكثر من السخرية الذكية من واقع عام، وهذا مرده إلى أن المحطات التي تنتج تلك البرامج تقيدها بأجنداتها المفروضة والمعتمدة سلفا.

♦♦♦

يقال إنه في الزمن الذي مضى، قبل زمان "التوك شو" الرقمي، كانت في أجهزة الاستخبارات العربية أقسام متخصصة في جمع النكتة من الشارع وتحليلها..

كانت النكتة التي تتناول أجهزة القمع المخابراتية أو الحاكم نفسه تلقى رواجا كبيرا..

أشفق على تلك الأجهزة اليوم.. فهي بحد ذاتها (مع الزعيم الأوحد نفسه) وجود ساخر بكامل مواصفات الكوميديا.

اقرأ للكاتب أيضا: حكومة جلالة الملك؟!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

النكتة.. في الزمن الرقمي 5E6EC66F-FF32-4968-8D3D-AFE84EB93E12.jpg AFP النكتة-في-الزمن-الرقمي الكوميدي المصري باسم يوسف 2019-11-19 14:36:26 1 2019-11-19 14:45:26 0

موديز

تقلص عدد الحكومات التي تحظى سنداتها بأعلى تصنيف ائتماني بعد أن فقدت الولايات المتحدة تصنيف "‭‭AAA‬‬" لدى وكالة موديز، التي كانت آخر وكالة تصنيف ائتماني لا تزال تعطيها هذا التصنيف.

فقد خفضت الوكالة الجمعة تصنيف الولايات المتحدة درجة من "‭‭AAA‬‬" إلى "Aa1"، عازية ذلك إلى ارتفاع الدّين والفوائد، وهو انعكاس لتزايد القلق بشأن ارتفاع الدّين في الاقتصادات الكبرى.

وفيما يلي نظرة على الوضع:

ما هو التصنيف "AAA" ولماذا هو مهم؟

التصنيف الائتماني دليل على مدى خطورة شراء الديون بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتقوم وكالات مستقلة بفحص لمصدّري السندات المحتملين في ضوء مقاييس محددة لتقييم جدارتهم الائتمانية وتحديد مدى احتمالية تخلفهم عن سداد الديون.

ويسلط خفض التصنيف الائتماني الضوء على تنامي القلق بشأن المسار المالي للولايات المتحدة، وتسبب في بعض الضغوط التي رفعت عوائد السندات طويلة الأجل، لكن محللين لا يتوقعون موجة بيع حادة للأصول الأميركية. وقالوا إن التأثير على كيفية استخدام البنوك للسندات الحكومية، مثل أن تكون ضمانا، ينبغي ألا يتضرر بشكل كبير.

غير أن خفض التصنيف الائتماني يمكن أن يكون رمزيا، كما كان الحال خلال الأزمة المالية العالمية وأزمة ديون منطقة اليورو.

ومن المحتمل أن يكتسب خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة أهمية أكبر بسبب تزايد القلق بالفعل حيال السياسة التجارية الأميركية ووضع الدولار كونه عملة احتياطيات.

ما هي الدول ذات التصنيف "AAA" الآن؟

يتقلص عدد الدول الحاصلة على التصنيف "AAA" منذ سنوات.

وبعد خروج الولايات المتحدة من القائمة بفقدانها آخر تصنيف "AAA" كان متبقيا لها، صار عدد الدول الحاصلة على التصنيف الأعلى من أكبر ثلاث وكالات تصنيف ائتماني 11 دولة فقط انخفاضا من أكثر من 15 دولة قبل الأزمة المالية في 2007 و2008.

وتمثل اقتصادات هذه الدول ما يزيد قليلا عن 10 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي.

ومن أكبر الاقتصادات الحاصلة عل هذا التصنيف في أوروبا، ألمانيا وسويسرا وهولندا.

وتضم القائمة من خارج أوروبا كلا من كندا وسنغافورة وأستراليا.

وبذلك يصير دّين الولايات المتحدة في مرتبة أدنى من دّين ليختنشتاين الأوروبية الصغيرة التي تتمتع بتصنيف "AAA" ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي سبعة مليارات دولار فقط، حسبما تشير إليه بيانات البنك الدولي.

ما هو تصنيف الولايات المتحدة الآن؟

لا تزال الولايات المتحدة تحمل ثاني أعلى تصنيف ائتماني وهو "AA".

وكانت موديز هي الأخيرة من بين الوكالات الثلاث الكبرى، بعد ستاندرد أند بورز غلوبال وفيتش، تخفض تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة، وهي المرة الوحيدة التي فعلت فيها ذلك منذ 1949.

وكانت ستاندرد أند بورز أول وكالة تخفض تصنيف الولايات المتحدة، وذلك في 2011، والتي كانت أول مرة منذ منحها الولايات المتحدة التصنيف "AAA" في 1941. وتبعتها فيتش في 2023.

لماذا يتم خفض تصنيفات الاقتصادات الكبرى؟

يتم تخفيض التصنيفات على خلفية ارتفاع الدّين الحكومي والقلق من عدم كفاية الجهود المبذولة لمعالجة المشكلات المالية طويلة الأجل.

فعلى سبيل المثال، شهد كل عام منذ 2001 تجاوز إنفاق الولايات المتحدة ما تجمعه سنويا، وهو ما أدى إلى عجز في الميزانية السنوية وعبء ديون بنحو 36 تريليون دولار.

وأنفقت البلاد 881 مليار دولار على مدفوعات الفوائد في السنة المالية المنصرمة، وهو ما يفوق ثلاثة أمثال المبلغ الذي أنفقته في 2017. وتتجاوز تكاليف الاقتراض الإنفاق الدفاعي.

وتتزايد أعباء الديون على الاقتصادات الكبرى الأخرى أيضا بسبب ارتفاع متوسط أعمار السكان وتغير المناخ واحتياجات الدفاع. وتقترب نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا من 100 بالمئة، في حين تتجاوز نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان 250 بالمئة.