521996 4

پاتريك كلاوسون، مهدي خلجي، وفرزين نديمي/

منذ فترة طويلة، يتابع المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، علي خامنئي، مسألة أسعار البنزين عن كثب. لذلك عندما قرر نظامه رفع هذه الأسعار في 15 نوفمبر، لم يستخف النظام بهذه المسألة.

ويدعم هذا الافتراض الطريقة التي ردّت بها السلطات الإيرانية على الاضطرابات الناجمة عن ذلك، من بينها الرد الشخصي لخامنئي والإغلاق الفوري شبه الكامل لخدمات الإنترنت في البلاد. ومن بين التأثيرات الأخرى، لم يترك التعتيم على الإنترنت للجهات الخارجية سوى القليل من المعلومات الموثوقة حول حجم الاحتجاجات.

وعلى الرغم من أن الأميركيين الإيرانيين الذين تحدثوا إلى أقاربهم في إيران يُبلغون عن قيام مظاهرات واسعة النطاق وعلامات استياء شعبي عميق من الجمهورية الإسلامية، إلا أن التغيير السياسي يبدو أقل احتمالا من السيناريوهات الأخرى بالنظر إلى مدى الاستعداد الجيد للنظام لاحتواء المعارضة.

قضية قابلة للاشتعال

لطالما دعمت إيران أسعار البنزين، ولكن الإجراء الأخير أعاد من جديد اعتماد نظام التقنين، من خلال استخدام بطاقات شراء الوقود المطلوبة للسيارات منذ أغسطس. ويُسمح الآن لكل سيارة خاصة بشراء 60 لترا (حوالي 15 غالون) من الوقود شهريا بسعر 15 ألف ريال للتر الواحد (حوالي 46 سنتا للغالون الواحد)، بالمقارنة مع السعر القديم البالغ 10 آلاف ريال. ويمكن لسيارات الأجرة والشاحنات الخفيفة شراء 300 لتر. وأي وقود يتم شراؤه بما يتجاوز تلك الكميات أصبح يكلّف الآن ضعف ثمنه السابق.

وفي مارس 2018، قدّر تقرير لـ "صندوق النقد الدولي" أن دعم الوقود يكلف 1.6 في المئة من "الناتج المحلي الإجمالي" للبلاد في العام الإيراني 2017/2018.

يُشار إلى أن انخفاض الأسعار أدّى إلى ارتفاع معدلات استهلاك الوقود نسبيا في إيران ـ على سبيل المثال، هو أعلى بعشرة أضعاف من كمية الاستهلاك في تركيا، التي هي بلد أكثر ثراء مع عدد أكبر من السكان.

أعاد النظام تنظيم جهازه القمعي وتعزيزه لإخماد التظاهرات بكفاءة وسرعة أكبر

ويعود هذا التناقض جزئيا إلى قيام الإيرانيين بتهريب الوقود إلى الدول المجاورة التي يدفع سكانها أسعار وقود مرتفعة. (على سبيل المثال، تبلغ هذه الأسعار أكثر من عشرة أضعاف في باكستان وتركيا).

لقد اعتمدت الحكومة الإيرانية تقنين الوقود لأول مرة في يونيو 2007. وفي ديسمبر 2010، رفعت الأسعار بما يكفي لإنهاء الدعم ـ أي زيادة قدرها 300 في المئة للسعر المُقنن و75 في المئة لغير المُقنن. ولكن عندما هبطت قيمة الريال الإيراني في 2012 ـ 2013، لم يتم تعديل السعر، وبالتالي عاد الدعم.

وقد أدى إدخال الحصص التموينية كما أدت الزيادات الحادة في الأسعار على حد سواء إلى عدة أيام من الاحتجاجات في ذلك الوقت، ولكن ليس على نطاق أعمال الشغب الأخيرة.

خامنئي مكترث لأسعار الوقود

في الخطاب الذي ألقاه المرشد الأعلى في السابع عشر من نوفمبر حول الاضطرابات، ذكّر خامنئي الجمهور مرارا وتكرارا بافتقاره إلى "المعرفة"، و"الخبرة" و"الرأي" فيما يتعلق بإنتاج الوقود، واستهلاكه، وتقنينه. ومع ذلك، فحتى من خلال إلقاء نظرة خاطفة على تصريحاته على مر السنين نرى أنها تكشف عن اهتمام عميق بهذه القضية، وقلق كبير ومعرفة بها أيضا.

فغالبا ما ذكَر قراءته "تقارير" حديثة و "دراسات" و "إحصائيات" حول الموضوع، مما يشير إلى أنه على دراية جيدة بالتفاصيل. وقام أيضا بزيارة العديد من مراكز أبحاث صناعة البترول، ومصانع الإنتاج، ومرافق التكرير، تلقى خلالها إحاطات إعلامية متعمقة.

بالإضافة إلى ذلك، أثار خامنئي مرارا وتكرارا مخاوف بشأن ارتفاع معدل استهلاك الوقود في إيران خلال العقدين الماضيين، وانتقد التبذير المجتمعي كونه السبب في ذلك. كما يميل إلى وضع إطار لمبادرات التقنين ضمن إطار "اقتصاد المقاومة" الذي ينادي به لتوجيه إيران بعيدا عن الاعتماد على صادرات النفط والاستثمار الغربي.

ففي 14 يونيو 2016، على سبيل المثال، قدّم ملاحظات مفصّلة حول الحد من استهلاك الوقود كوسيلة لتعزيز صادرات إيران من المنتجات النفطية المكرّرة.

تتحول أزمة الوقود إلى أزمة سياسية جوهرية

وفي 29 أغسطس 2018، تحدث باستفاضة مع الرئيس حسن روحاني وحكومته حول إنتاج الوقود والاكتفاء الذاتي، وندّد مجددا بارتفاع معدل الاستهلاك بينما أمر الحكومة بالمضي قدما في اتخاذ إجراءات صارمة على الرغم من المخاوف التي عبّرت عنها بعض فئات المجتمع الايراني.

وفي الواقع، منذ عام 2007 على الأقل، شجع خامنئي الحكومات المتعاقبة على التحلي بالشجاعة والقيام بواجباتها من خلال تقنين استهلاك البنزين و "ترشيد" سياسة الأسعار.

وقد حققت إيران أخيرا الاكتفاء الذاتي من البنزين في أواخر العام الماضي. ومع ذلك، كان معدل الاستهلاك المحلي المتزايد يجعل العودة إلى مخططات استيراد الوقود أمرا لا مفر منه.

أوجه تشابه مع العراق ولبنان

تحمل الاحتجاجات التي اندلعت في مختلف أنحاء إيران تشابها كبيرا مع تلك التي تحصل في لبنان والعراق. وكما في هذين البلدين، يميل المتظاهرون الإيرانيون إلى رفض النظام السياسي ككل، مستخدمين شعارات تعكس الاعتقاد الشائع بأن النظام معطّل. ويجادلون بأن فقط أولئك الذين لديهم صلات كبيرة يستفيدون من النظام، في حين يعاني الناس العاديون وتتدهور الخدمات الحيوية.

فعلى مدى عقود، اكتسب النظام قوة كبيرة من توجيه السخط نحو الحملات الانتخابية، سواء لدعم الإصلاحيين أو الشعبويين. ومع ذلك، فيبدو أن هذا النهج قد وصل إلى نهايته ـ فهناك القليل من الدلائل على الاهتمام الشعبي بالانتخابات البرلمانية القادمة في فبراير 2020 أو الانتخابات الرئاسية في 2021، وليس هناك شخصية مهمة تقدّم برنامج سياسي يقترح الكثير في طريق التغيير.

قد لا يكون المرشد الأعلى مُحصّنا تماما من هذه التداعيات أيضا

وهناك تشابه آخر مع لبنان والعراق وهو أنّ الاحتجاجات الإيرانية عفوية إلى حد ما وليست منسّقة من قِبَل حركة منظمة. والسبب وراء ذلك واضح: إن أي منظمة من هذا القبيل قد تشهد قمعا شديدا في البلدان الثلاثة، يشمل اغتيال قادة الاحتجاج.

وبالتالي، ليس لدى المتظاهرين وسيلة لتقديم مطالب منظمة، ناهيك عن التفاوض حولها مع السلطات. ومن الصعب أن نرى كيف يمكن لهذه الاحتجاجات بلا قيادة أن تحدث تغييرا سياسيا هاما.

وهذا صحيح بشكل خاص في إيران، حيث الدولة أقوى بكثير من بغداد أو بيروت، وهو اختلاف جوهري. فالجمهورية الإسلامية تتبنى أيديولوجية واضحة المعالم، تؤمن بها إيمانا عميقا الأقلية التي تدعمها بقوة، ومفادها أنّ الاحتجاجات هي مؤامرة أميركية للإطاحة بالنظام.

وبدافع من اعتقاد المتشددين الإيرانيين القائم منذ مدة طويلة بأن واشنطن تستخدم "الثورات الملوّنة" ("ثورة ملوّنة" مصطلح يطلق على أعمال الحركات والعصيان المدني وأعمال الشغب أو الحركات المطلبية في بعض الدول وخاصة المناوئة منها للغرب) لإسقاط الأنظمة المعادية، فقد ادّعى هؤلاء بأن للولايات المتحدة يد وراء قيام الاحتجاجات التي تمتد من فنزويلا إلى هونغ كونع، ناهيك عن العراق ولبنان.

وفي 30 أكتوبر، أعلن خامنئي أن "أجهزة الاستخبارات الأميركية والغربية تستخدم الدعم المالي للدول الرجعية في المنطقة لإحداث فوضى" في البلدين الأخيرين.

ويحمل خامنئي وجهات نظر مماثلة حول الاحتجاجات في إيران، ولكنه يَنظر إليها بعدسة إيرانية محلية. ففي خطابه في 17 نوفمبر خصَّ المتظاهرين الذين أشعلوا النار في البنوك، وأصرّ على أنهم لا يمثلون "الشعب" بل "غوغاء" مليئين بـ "مثيري الشغب" الذين أثارتهم "جميع مراكز الأذى في العالم ضدنا".

ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، جمع سويّة شخصيات إيرانية مع أولئك الذين يحرّضون على التظاهرات، بمن فيهم الناشط رضا بهلوي وجماعة "مجاهدي خلق" ـ وهو مثال نادر يَنسب فيه خامنئي الاضطرابات الداخلية إلى المعارضة السياسية بدلا من الحكومات الأجنبية فقط.

القمع الذي يقوم به النظام، التداعيات المحلية

تتجلى الطبيعة المؤلمة اجتماعيا واقتصاديا لقرار النظام الإيراني بشأن أسعار البنزين في الإجراءات الناتجة التي اتُخذت من قبل خامنئي وضده على حد سواء. فلأول مرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، تعرَّض مكتب المرشد الأعلى في يزد لهجوم من قبل المتظاهرين الغاضبين.

وفي الوقت نفسه، أجرى البرلماني البارز علي مطهري تشابه بين قرار خامنئي برفع أسعار الغاز وقرار آية الله روح الله الخميني في أواخر الثمانينيات بقبول قرار مجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق النار مع العراق. وتشير مثل هذه المقارنات إلى أن التداعيات الاجتماعية لقضية الوقود حساسة للغاية بالنسبة لأي فرع من فروع الحكومة الثلاثة الرئيسية، مما يتطلب من خامنئي تحمُّل المسؤولية بنفسه.

تحمل الاحتجاجات التي اندلعت في إيران تشابها كبيرا مع تلك التي تحصل في لبنان والعراق

ومع ذلك، قد لا يكون المرشد الأعلى مُحصّنا تماما من هذه التداعيات أيضا، لأن القضية تُهدد بإضعاف القاعدة الاجتماعية لسلطته. وقد يمثل رفع أسعار الوقود نقطة تحوّل مهمة في علاقة الناس بالنظام، مما يدمر ثقتهم في قادتهم وسط ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض قيمة عملتهم الوطنية.

ولعل الأمر الأكثر أهمية على المدى القصير هو التداعيات على الفصائل السياسية التي تهدف إلى الفوز في الانتخابات المقبلة. ففي مقال نُشر في جريدة "كيهان" في 18 نوفمبر، ألقى حسين شريعتمداري المقرب من خامنئي اللوم على فريق روحاني لفشله في إعداد الرأي العام قبل أن يُغيّر المرشد الأعلى سياسته في مجال الطاقة. كما هاجم شريعتمداري الرئيس الإيراني بسبب تجاهله المفترض لنصيحة خامنئي حول دفع الإعانات للأسر الفقيرة قبل رفع الأسعار.

أما بالنسبة للسلطة التشريعية، فقد احتج العديد من أعضاء "المجلس" في البداية على قرار رفع الأسعار واقترحوا سن مشروع قانون لخفضها، سعيا لأن يُنسب لهم الفضل لوقوفهم وراء الشعب ضد السياسة المؤذية للحكومة. بل حتى أن البعض دفعوا [سابقا] الرئيس علي لاريجاني إلى الاستقالة بسبب تورطه المفترض في اتخاذ مثل هذا القرار الخطير دون علم البرلمان.

وبعد أن تحمّل خامنئي علنا مسؤولية تغيير السياسة، اضطر هؤلاء الأعضاء إلى التراجع عن موقفهم والإعلان عن دعمهم لخامنئي. وهذا بدوره أفسد خطتهم لتعزيز شعبيتهم قبل انتخابات فبراير، مما شوّه إلى حد كبير أي سمعة ما زال البرلمان يتمتع بها كهيئة سياسية فعالة ومستقلة تحمي مصالح الشعب.

ولا يمكن للإحباط الشعبي المتزايد تجاه "المجلس" إلا أن يثبط عزم الجمهور عن المشاركة في الانتخابات، مما قد يضعف جهود التعبئة لصالح الإصلاحيين والمتشددين على حد سواء. بمعنى آخر، تتحول أزمة الوقود إلى أزمة سياسية جوهرية، مما يؤدي إلى توسيع الفجوة بشكل كبير بين الجمهور والنظام بينما يمنع المتشددين من المطالبة بشرعية ديمقراطية لأنفسهم.

أما بالنسبة للكيفية التي يمكن بها لطهران أن تمنع الاحتجاجات الحالية من الخروج عن السيطرة، فإن تكتيكاتها السابقة مفيدة. ففي أعقاب الاحتجاجات الضخمة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية المزوّرة في عام 2009، أعاد النظام تنظيم جهازه القمعي وتعزيزه لإخماد التظاهرات بكفاءة وسرعة أكبر.

يميل خامنئي إلى وضع إطار لمبادرات التقنين ضمن إطار "اقتصاد المقاومة"

وبالمثل، تم تعزيز وجود الشرطة وميليشيا "الباسيج" في المدن الثانوية في جميع أنحاء البلاد بعد اندلاع الاحتجاجات المحلية في الفترة 2017 ـ 2018. وهذه الإجراءات وغيرها تجعل النظام في وضع جيد لإخماد الاضطرابات الحالية.

وسيعتمد على الأرجح على مقاربته السابقة: استخدام الحد الأدنى من القوة المميتة، لكن مع [اتباع سياسة] الاستهداف الدقيق لشخصيات الاحتجاج الرئيسية لكي يتم اعتقالها (عادة في الليل) و "اختفائها" في السجون خارج نظام المحاكم العادي.

التداعيات السياسية

لدى الحكومة الأميركية خيارات محدودة للتأثير على التطورات الداخلية في إيران، وأي تصريحات من قِبَل إدارة ترامب حول دعم الشعب لن تحظى بقدر كبير من المصداقية، ويعزى ذلك إلى حد كبير إلى الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على منح التأشيرات للإيرانيين.

ومع ذلك، ينبغي أن تنظر واشنطن في استخدام أنواع البرامج التي أقامتها في بلدان أخرى (مثل كوبا) لمساعدة الناس على الوصول إلى الإنترنت من خارج نطاق مقدّمي خدمات الانترنت الذين تسيطر عليهم الحكومة الإيرانية. كما لدى واشنطن برنامج طويل الأمد لتوفير التدريب على تعزيز الديمقراطية للشرق أوسطيين خارج المنطقة.

علاوة على ذلك، يجب على الحكومة الأميركية أن تنظر بجدية في الطلب من شركات التواصل الاجتماعي التي مقرها في الولايات المتحدة بحظر الحسابات التي يحتفظ بها الزعماء الأجانب الذين يجعلون هذه المنافذ غير متاحة في بلدانهم، مع التذكير بأن خامنئي يستفيد بشكل فعال من حسابه على موقع "تويتر" على الرغم من أن الحظر المفروض على خدمة التواصل الاجتماعي في إيران.

پاتريك كلاوسون هو زميل أقدم في زمالة "مورنينغستار" ومدير الأبحاث في معهد واشنطن. مهدي خلجي هو زميل "ليبيتزكي فاميلي" في المعهد. فرزين نديمي هو زميل مشارك في المعهد، ومتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
احتجاجات البنزين في إيران: نظام لا يحظى بشعبية ولكنه مرن DE143A98-779E-43EB-A555-AD567AB626DB.jpg AFP احتجاجات-البنزين-في-إيران-نظام-لا-يحظى-بشعبية-ولكنه-مرن آثار الحرائق التي طالت أحد البنوك في مدينة أصفهان 2019-11-20 01:42:19 1 2019-11-19 19:54:19 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.