522070 4

حسن منيمنة/

وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أعلن أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر أن المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الضفة الغربية مخالفة بحد ذاتها للقانون الدولي.

بؤس الاعتبار.

ثمة فلسطينيون، تحت الاحتلال وفي المنافي، يشعرون اليوم بفائض من الأذى والإذلال والغضب. هو حقهم بالمطلق، وحقهم على أسرة دولية، فيها الأشقاء والأصدقاء ودعاة القيم والحقوق، خذلتهم ولا تزال.

ثمة إسرائيليون، في بلداتهم، لا في المستوطنات على أراضي الغير، يشعرون بالحرج للتنافي بين قيمهم الإنسانية والوطنية والدينية، وبين الاغتباط المتحقق في أوساط مواطنيهم من الذين يقبلون ما جرى انتصارا. ليتهم يُسمِعون الصوت ويمدّون اليد إلى من يتفق معهم بالرؤى والاعتبارات من خارج مجتمعهم في رفض صريح للظلم المستجد.

ثمة إسرائيليون آخرون مغتبطون، في المستوطنات كما في عموم إسرائيل، بمزيج من الفرح الصادق بأن التاريخ الذي ظلمهم بأمسهم ينصفهم بيومهم، ومن الكيدية المأزومة التي تريد أن تنتقم لوجع الأمس بالتشفي بالحرقة لدى عدو اليوم. ليتهم يدركون ضحالة هذا الدواء، والذي يخبئ الداء في قطراته، ليتبين لهم أن وهم إنزال الهزيمة بصاحب الحق المظلوم يؤسس وحسب لدورات جديدة من المظالم.

وثمة مناصرون لفلسطين في جوارها وفي العالم أجمع، صادقون في مواقفهم على أساس التماهي أو العدل أو كليهما، يزدادون قهرا وألما إزاء منطق القوة والإهانة. ليت الحلم والتروي يكون التزامهم في إشهارهم علو الحق وبقاءه، ووهن الاستقواء وزواله.

كم يكثر المتجاهلون لمصاب هؤلاء المظلومين، أو المؤيدون لخطوات الصين "الصديقة"

وثمة معادون لإسرائيل، بحجة فلسطين وانطلاقا منها إلى ذمّ الشر الكامن في قتلة الأنبياء وأحفاد القردة والخنازير وإعلان قتالهم ووجوب قتلهم إلى يوم الدين. وهؤلاء قد يتوهمون أن الإساءات الجديدة تغضبهم، بل هي تفرحهم إذ تتيح لهم أن يغضبوا الغضب الجميل. الرجاء لهؤلاء الشفاء، إذ أن شطحاتهم تؤذي أهل فلسطين ولا تضرّ بإسرائيل.

وثمة محبون لإسرائيل، بانتظار النزول الثاني ليسوع المسيح، ومع هذا النزول يكون تمحيص اليهود بين من يقبل بالرب يسوع الابن الأقنوم مسيحا له، وبين من يموت ملعونا شرّ ميتة. ولصالح هؤلاء، وما أكثرهم في الولايات المتحدة، تُنقل السفارات إلى القدس ويُصادق على ضمّ الأراضي المحتلة، ثم تُقرّ مشروعية المستوطنات. لهؤلاء أيضا، الرجاء بالشفاء، ففي حين يتلهون بأوهامهم اللاهوتية، من يسعى إلى استرضائهم يعبث بأرواح الناس وكرامتهم وأرزاقهم.

وثمة أميركيون محرجون أمام أنفسهم وأمام الآخرين من الوضاعة التي تثابر عليها الإدارة الحالية، بعد الالتباس والتردد الذي ظهر ممّن سبقها، دون أن تقتصر القباحات المستجدة على موضوع فلسطين. وعلى هؤلاء الارتقاء إزاء الانحدار، والوضوح إزاء التخبط، والإقدام إزاء التزييف والتسلّق، واختبار جديتهم قادم في ظرف سنة وحسب.

وثمة أميركيون منشغلون كما عموم الناس بشؤونهم وتأمين عيشهم وتحقيق مستقبل أولادهم. وقناعة هؤلاء الدينية أو الموروثة هي بأن إسرائيل هي التي تشبههم في صفاء قيمها ومناقبيتها وأخلاقها، فيما أعداؤها يصدحون برغباتهم بدمارها وإفنائها. فكل ما يسعد إسرائيل يسعدهم. هل من يتوجه إليهم بغير اللعنات لبلادهم والشتائم لهم والاتهامات بالجهل والغباء، ليقدّم لهم الوجه الآخر للحقائق دون إطلاق أو تشنج؟

لا يبدو بأن معظم من تفور دماؤه غضبا لفلسطين يعمد إلى رفع الصوت مثلا نصرة للمسلمين التركستانيين الأويغور في الصين، والذين يسجن رجالهم ونساؤهم وتستباح أسرهم، وترغم زوجة المأسور على مشاركة رجال السلطة الغرباء سرير النوم في منزلها "للتآخي بين الشعوب" وضمان عدم التطرف، فيما التقارير تتكاثر حول اقتطاع السلطة الصينية لأعضاء الأسرى منهم، من القلوب والأكباد والكلى، من أجل الاتجار بها.

الرجاء لهؤلاء الشفاء، إذ أن شطحاتهم تؤذي أهل فلسطين ولا تضرّ بإسرائيل

الغضب بشأن الإهانة في إعادة تصنيف المستوطنات في محله. أين من يعتمد الإساءة وردة الفعل عليها هنا مقياسا فيعلن ثورته على توحش الصين؟ بل كم يكثر المتهكمون في محافل التواصل الاجتماعي، المتجاهلون لمصاب هؤلاء المظلومين، أو المؤيدون لخطوات الصين "الصديقة".

فليعذر هؤلاء الأميركيين بالتالي إن غاب عنهم مصاب أهل فلسطين، وليتقدموا لهم بما ينفع من الكلام الذي يبرز إنسانية الفلسطينيين وحقوقهم دون الانتقاص من إنسانية غيرهم.

الحجة التي تعتمدها الإدارة الحالية في واشنطن لنزع صفة عدم التوافق مع القانون الدولي عن المستوطنات الإسرائيلية ليست جديدة. بل قد أعدّت لها الجهات المؤيدة لليمين الإسرائيلي المطولات لتفصيلها.

خلاصتها هي أن الضفة الغربية، يوم احتلتها إسرائيل، لم تكن ذات سيادة، فهي بالتالي ليست أراضٍ محتلة، بل أراضٍ متنازع عليها، لا ينطبق عليها القانون الدولي في تحظيره للاستيطان. ولتفصيل القول، لا بد هنا من معارضة القراءة الإسرائيلية بالقراءة العربية.

لا يبدو بأن معظم من تفور دماؤه غضبا لفلسطين يعمد إلى رفع الصوت مثلا نصرة للمسلمين التركستانيين الأويغور

فالقراءة العربية تشتمل على سرد لتمدد توسعي إسرائيلي، يبتدئ بامتلاك اليهود في فلسطين الانتداب لشريط ساحلي ضيق مع بعض الامتداد إلى مرج بني عامر، قبل أن تتوسع الحصة اليهودية مع مشروع التقسيم عام 1947 إلى ما يتجاوز النصف من المساحة الفلسطينية، في حين أن نسبة اليهود لمجموع السكان لم تكن تبلغ الربع، وتمعن هذه الحصة في التمدد عام 1948 لتقضم الكثير من المخصص للدولة العربية، قبل أن تستفيض عام 1967 باحتلال كامل فلسطين وبعض جوارها، ربما سعيا لتحقيق إسرائيل الكبرى "من الفرات إلى النيل". والحديث عن "مطامع" إسرائيلية لا يزال مبنيا على هذه القراءة، والتي تعتبر أن التمدد التوسعي الإسرائيلي من شأنه أن يعاود عند الاستطاعة.

أما القراءة الإسرائيلية، وإن كانت في خطاب البعض مبنية في أساسها على اعتبارات كتابية دينية، فهي تعتبر أن المنطلق هو الوعد بوطن قومي يهودي والسيادة البريطانية على فلسطين التاريخية. كانت ثمة رغبة لدى البعض بأن يضمّ الوطن القومي اليهودي كامل وادي الأردن، أي أن يشتمل على بعض الضفة الشرقية وصولا إلى خليج العقبة، وأن تصل حدوده الشمالية إلى صيدا. على أن هذه الأفكار كانت عابرة وحسب.

ومع ترسيم حدود الانتداب البريطاني لفلسطين التاريخية، كانت القناعة في صفوف الداعين إلى الوطن القومي اليهودي أن حدوده هي الشق الغربي من الانتداب، أي كامل أرض فلسطين الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، مع تخصيص الأراضي الواقعة شرقي الأردن للجانب العربي.

فما تلا من اضطرار بريطاني لمراعاة مطالب العرب في فلسطين، غربي الأردن، كان بنظر القوميين اليهود نكث للعهد، وعليه كانت مقاومتهم الدموية للانتداب البريطاني.

أما إعلان إسرائيل الناشئة الموافقة على قرار التقسيم فقد كان خطوة عملية واقعية وحسب. ثم أن الدول العربية رفضت قرار التقسيم وأعلنت الحرب على دولة إسرائيل عند قيامها عام 1948، دون أن تتمكن من السيطرة على الأراضي المخصصة للدولة العربية في فلسطين الانتداب. ومع رفض الجانب العربي للقرار، سقطت الموافقة الإسرائيلية عليه وأصبحت الحدود المؤقتة لإسرائيل خط الهدنة.

غير أن الجانب العربي لم يعمد إلى إعلان دولة فلسطين في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، كما أن الأردن لم يعلن عن ضمّه للأراضي الواقعة تحت سيطرته. وعند وقوع حرب يونيو 1967، وسقوط هذه الأراضي بكاملها (بالإضافة إلى الجولان السوري وسيناء المصرية) تحت الاحتلال الإسرائيلي، فإن القراءة الإسرائيلية، بالنسبة لما تبقى من فلسطين، هي أنها وضعت اليد على أراضٍ غير خاضعة لسيادة كان من المفترض أن تكون جزءا منها.

القراءة الإسرائيلية لا تستقيم إلا مع الاحتفاظ بمعايير الاستعمار البدائي

وفق القراءة الإسرائيلية بالتالي، ليس هنالك مشروع توسعي إسرائيلي، بل إصرار وحسب على استرداد الأراضي الموعودة ضمن الانتداب والتي أرغمت دولة إسرائيل الناشئة على التخلي عنها. فالانسحاب من سيناء بكاملها، رغم أهميتها الدينية، وتفكيك المستوطنات فيها، لا يشكل تعديا على الرؤية الذاتية الإسرائيلية، لعدم اندراج سيناء في الوعد الأولي. وكذلك حال الأراضي الأردنية عند شرقي النهر. أما الجولان السوري، فالتعويل سعيا إلى ضمّه هو على بعض الالتباس في فترة الانتداب بشأن سيادته بين بريطانيا وفرنسا. ورغم ذلك، فإن إسرائيل كانت على استعداد لإعادة الجولان إلى سوريا لولا تعنّت الرئيس السوري حافظ الأسد خلال المفاوضات.

فما فعلته الإدارة الأميركية الحالية هو الإقرار بالقراءة الإسرائيلية برمّتها دون الالتفات إلى مواطن الضعف فيها.

فما لا تستطيع إسرائيل أن تتجنبه هو أن صيغة نشأتها كانت مشتقة من تصور استعماري أوروبي بدائي لا يولي أهمية لاعتبارات حقوق السكان الأصليين. وإذا كانت المتابعات العربية لهذا الجانب مجحفة في العديد من أوجهها لإهمالها الحضور اليهودي في فلسطين السابق للحركة الصهيونية (بما في ذلك كون اليهود أكثرية في القدس في مراحل عدة)، ولتجاهلها الأوضاع الصعبة لليهود مع ارتفاع حدة معاناتهم في مواطنهم السابقة واضطهادهم وطردهم وصولا إلى إبادتهم، ما يخرج قدومهم إلى فلسطين في العديد من الأحيان من صيغة الاستعمار ويضعها في خانة اللجوء، فإن القراءة الإسرائيلية بدورها تثابر على إسقاط الحقوق عن السكان الأصليين، العرب الفلسطينيين، دون اعتبار للتوضيح الذي اعترى هذه الحقوق على مدى القرن الماضي لينقلها من الارتباط بالدول إلى التعلق بالمجتمعات، سواء كان إطارها دولة أم لا، وصولا إلى ركونها في الإنسان الفرد.

ثمة إسرائيليون، في بلداتهم، لا في المستوطنات على أراضي الغير، يشعرون بالحرج

أي أن القراءة الإسرائيلية لا تستقيم إلا مع الاحتفاظ بمعايير الاستعمار البدائي، والأولى بدولة أوشكت أن تصل بمركبة فضائية إلى سطح القمر أن تتخلى عن منطق استعماري يبقي شعبا بأكمله تحت احتلال مهين لها وله.

وماذا فعلت القوة العظمى الوحيدة في العالم، والتي كانت إلى أمس قريب (على أمل أن تعود في غد أقرب) منارة للعالم في تمسكها بالحقوق والقيم؟ وافقت على مبدأ الاستعمار المندثر مع القرن السابق للقرن الماضي.

على أن هذا القرار الهزيل الوضيع لن يغيّر شيئا. إسرائيل، والتي تبني للتوّ ما طاب لها من المستوطنات، لم تحقق كسبا إضافيا، والفلسطينيون، والذين لا يحتاجون إلى التصديق على حقوقهم من أحد، وبالتأكيد ليس من هذه الإدارة في واشنطن، ليسوا أقل حقوقا.

في الأمر استفزاز دون شك، على أن التعالي عليه تقتضيه هوية المستفز، والأمل أن تبقى الردود موزونة بقدر لا يحقق المزيد من الضرر، على أن يأتي يوم قادم تتحقق فيه حقوق الفلسطينيين وحقوق الإسرائيليين، بمعونة واشنطن أو دونها.

اقرأ للكاتب أيضا: القضائي والسياسي في استرداد الأموال المنهوبة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

حول المستوطنات التي أمست بلدات 73AEA607-5085-457D-8388-99CE61F4EF96.jpg Reuters حول-المستوطنات-التي-أمست-بلدات عمال بناء في أحد المستوطنات في الضفة الغربية 2019-11-20 13:03:23 1 2019-11-20 13:15:37 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.