522105 4

سناء العاجي/

الإسلام يدعو إلى العلم... والغرب لم يتطور إلا بالعلوم التي أسسها المسلمون.

كل هذا جميل. لكن، ما بالنا متخلفون اليوم إلى أبعد الحدود؟ ما بالنا ننتظر اختراعات الغرب الكافر لنتذكر لاحقا بأنها مذكورة في القرآن؟ لماذا لا نسبق كفار الغرب اعتمادا على الإعجاز العلمي الذي نتوفر عليه؟ لماذا لا نبهر الغرب والشرق بعلمنا وتحضرنا الذي نتباكى على ماضيه؟

الحقيقة أن دعوة الدين للعلم هو شعار جميل نتباهى به لكننا نرفض التعامل بأسسه. أبسط مثالين على ذلك هما العدة واعتماد الحمض النووي (DNA) لثبوت النسب.

منذ بضعة أشهر، أقر قاض في مدينة طنجة المغربية بنسب طفلة لأبيها اعتمادا على نتائج تحليلات الحمض النووي. كانت تلك سابقة رائعة تثبت انتصار العقل والمنطق والعلم. لكن قاضي الاستئناف أبى إلا أن يعود بنا بضع سنوات ضوئية للخلف وأن يقر بأن... "الولد للفراش". لا تحليلات طبية ولا علم ولا يحزنون. الحديث يقول إن الولد للفراش. فلماذا نعتمد العلم؟

كل هذا النقاش بين الفقهاء والخلاف على مدى سنوات، يفترض أن يحسم اليوم بالعلم

تلك الطفلة (وعشرات الآلاف مثلها) لم تختر أن تولد خارج إطار الزواج. لكن الشرع والمجتمع مصران على معاقبتها بذنب لم ترتكبه. وحتى حين يمكن العلم اليوم من حماية حقوقها (على فرض رفضنا للعلاقات الجنسية خارج الزواج، ما ذنب الأطفال؟)، فنحن نصر على اعتماد قواعد كانت مقبولة منذ قرون، لكنها يفترض أن تكون اليوم متجاوزة ما دام العلم يقر بغير ذلك. أليس الإسلام يشجع على العلم؟ أم أنها قاعدة انتقائية؟

أما فيما يتعلق بالعدة، فهذا تخلف آخر. تختلف العدة بين المطلقة والأرملة؛ وهذا في حد ذاته أمر يجب أن يثير الأسئلة. لكننا شعوب الأجوبة المطلقة، فلا سؤال مباح! المطلقة عدتها ثلاثة قروء. وقد اختلفت التيارات الفقهية وتنابزت وتناقشت إن كان المقصود بثلاث قروء، ثلاث حيضات (أبو بكر، عثمان بن عفان، عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، ابن مسعود وغيرهم) أو ثلاث أطهار، بمعنى خلو المرأة من الحيض (مالك، الشافعي، عائشة، زيد بن ثابت وغيرهم).

المطلقة التي لا تحيض (صغيرة في السن ـ وهذا نقاش آخر ـ أو متقدمة في العمر)، عدتها ثلاثة أشهر. أما المطلقة التي لم يحدث بينها وبين زوجها السابق علاقة جنسية، فليس لها عدة.

ثم هناك عدة الأرملة، التي تنقسم بين حامل وغير حامل. فغير الحامل عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام (لماذا تختلف عن عدة المطلقة؟ ما المنطق في هذا الاختلاف؟). أما الأرملة الحامل، فعدتها إلى غاية وضعها. بمعنى أنها إن كانت حاملا في شهر، فلا يحق لها الزواج قبل ثمانية أشهر (وفي هذا ظلم لها إن اختارت الزواج بعد وفاة زوجها الأول). وإن وضعت غداة وفاة زوجها، فيحق لها الزواج مباشرة بعد الوضع (وفي هذا بعض لا منطق).

تختلف العدة بين المطلقة والأرملة؛ وهذا في حد ذاته أمر يجب أن يثير الأسئلة

كل هذا النقاش بين الفقهاء والخلاف على مدى سنوات طويلة، يفترض أن يحسم اليوم بالعلم (الذي يفترض أن الإسلام يدعو له). إذا كان مجتمع المسلمين، منذ قرون خلت، يحتاج اعتماد الحيض والقروء والوضع، فالعلم اليوم يمكننا من التعامل مع معطيات الحياة بشكل أيسر والحفاظ على كرامة الأفراد وحياتهم الخاصة.

فهل نعتمد العلم لنحدد إذا ما كانت المرأة حاملا أم لا خلال الأيام الأولى للطلاق أو مباشرة بعد وفاة الزوج، لتبقى لها حرية التصرف في حياتها؛ أم نعتمد تفسيرات أو حتى آيات قرآنية كانت مناسبة لفترة تاريخية ما ويفترض أن العلم وَجد لإشكالياتها الحل؟

كذلك، ما الذي سيحدث إن قررنا اعتماد العلم لتحديد النسب؟ هل الأكثر عدلا أن نقر بأن الولد للفراش ونحرمه من كل حقوقه ونصمه بالعار لأن حديثا للرسول، منذ قرابة 15 قرنا، أقر بذلك؛ أم أن نعتمد العلم لكي نضمن لهذا الطفل حقوقه، بدل أن نعاقبه بذنب، إن وجد، فهو لم يرتكبه ولا هو مسؤول عنه؟

سهل أن نتغنى بشعارات الإسلام الذي يدعو إلى العلم... حين تكون حياتنا اليومية مرهونة بتصورات دينية بعيدة كل البعد عن العلم!

اقرأ للكاتبة أيضا: تضامن بمنطق القبيلة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
العدة والـ DNA... منطق القرون الوسطى 434DEC88-0EC4-43E2-AC83-6869A258C138.jpg Reuters العدة-والـ-dna-منطق-القرون-الوسطى منذ بضعة أشهر، أقر قاض في مدينة طنجة المغربية بنسب طفلة لأبيها اعتمادا على نتائج تحليلات الحمض النووي 2019-11-21 14:27:03 1 2019-11-20 17:06:04 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟