خلال اعتصام احتجاجا على الجريمة التي طالت فاطمة
خلال اعتصام احتجاجا على الجريمة التي طالت فاطمة

522114 4

نضال منصور/

فُقأت عينا فاطمة أبو عكليك أمام أطفالها في جريمة وحشية وبشعة في الأردن. للوهلة الأولى قد تعتقد أن المجرم قاتل، أو مُغتصب، أو لص، ولكن من الصعب أن تُصدق للحظة أن الفاعل زوجها الذي عاشت معه سنين عمرها، وأنجبت منه أطفالا شهدوا جريمة بحق أمّهم لن تُمحى من ذاكرتهم طوال العمر.

لم أجرؤ على مشاهدتها وهي تروي ما حدث معها. كلما سمعتها تتوسل له ألا يفقأ عينها الأخرى؛ حتى تستطيع أن ترعى وترى أولادها، وتيقنت أن ما يُسمى زوجها ليس أكثر من وحش يستتر بالآدمية.

لم أتخيل في أفلام "الرعب الهوليوودية" ما هو أكثر وحشية مما وقع مع فاطمة، ولم ينصرف ذهني يوما إلى أن العنف عشعش بيننا، وتوغل في بيوتنا ومجتمعاتنا.

كلما حاولت النساء كسر جدار الصمت عن العنف المُوجه للمرأة خرج "دُعاة الأخلاق" والحفاظ على المجتمع ليردوا أن هذه حالات فردية لا يمكن القياس عليها، وأن مجتمعاتنا آمنة وتحفظ كرامة النساء.

كلما حاولت النساء كسر جدار الصمت خرج "دعاة الأخلاق" ليردوا أن الجرائم فردية

ويْحَكم! أي كرامة للنساء تُحفظ بعد هذه الجريمة الوحشية، وماذا تنتظرون حتى تدركوا أن العنف يدك مداميك هذا الوطن، وخاصة العنف الأسري الموجه للنساء، وتحديدا الزوجات؟!

"طفح الكيل" هذا هو الشعار الرئيسي الذي رفعته المعتصمات والمعتصمين على مسافة ليست بعيدة من مقر رئاسة الوزراء في عمّان احتجاجا على الجريمة التي استهدفت فاطمة، وأشعلت جدلا حول العنف المجتمعي الذي يُهدد النساء في الأردن.

في هذا الاعتصام هتفت النساء "طالعات لأجل عيونك يا فاطمة" التي فقدتها في الجريمة. وفي هذا الاعتصام ارتفعت الأصوات التي تطالب برفض إسقاط الحق الشخصي عن المجرم تحت ضغوط مجتمعية. وفي هذا الاعتصام عبرت النساء عن ضرورة توفير الحماية المجتمعية من كل أشكال العنف ضد النساء.

وفي المقابل، تعالت أصوات تُندد بهذه التظاهرة وتعتبرها موجهة ضد الدين، أو دعوة للتحرر، والإباحية، والانفلات من التقاليد الاجتماعية؛ وحاربتها أصوات باعتبارها دعوة لإسقاط نظام "الأبوة الذكوري"؛ وقللت أصوات من خطر العنف ضد النساء؛ واتهمت قيادات هذه التظاهرة بأنهن يأتمرن بأجندات أجنبية، وتقف وراءهن ـ كـالعادة ـ جهات تمويلية، أي نفس السياق المتكرر بشيطنة مطالب الحركة النسوية.

تعامٍ مطلق عن الحقائق وإنكار لها، فحتى الآن وقعت 20 جريمة قتل ضحاياها النساء منذ بداية عام 2019، وبزيادة 186 في المئة عن العام السابق، وارتكبت 2240 حالة عنف ضد النساء حتى هذا اليوم وفق إحصائيات رسمية.

الإحصائيات المتوفرة في الأردن تكشف النقاب عن أن 71.1 في المئة من النساء المتزوجات تعرضن للعنف من أزواجهن، و13.3 في المئة تعرضن للعنف من إخوتهن، 11.9 في المئة من الآباء.

ووفق المسح السكاني والصحة الأسرية الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة في الأردن؛ فإن 25.9 في المئة من الزوجات بين سن 15 ـ 49 تعرضن لعنف جسدي أو جنسي أو عاطفي من قبل أزواجهن، في حين أن 1.4 في المئة من الأزواج الذين أعمارهم بين 15 ـ 59 عاما تعرضوا للعنف من زوجاتهم.

20 جريمة قتل ضحاياها نساء منذ بداية 2019 في الأردن

العنف ضد النساء ليس ظاهرة محصورة في الأردن، وإنما 37 في المئة من النساء في العالم العربي تعرضن لأحد أنواع العنف الجسدي أو الجنسي، 35.4 في المئة من المتزوجات تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي من الزوج، وهذه النسبة تُعتبر أعلى من المعدلات العالمية.

على المدى القريب لا يمكن أن نتصور العالم العربي خاليا من العنف ضد النساء، أو على الأقل يشهد تراجعا لافتا في هذه الجرائم، فحتى هذا اليوم 9 دول عربية فقط أقرت قوانين لمكافحة العنف الأسري، وهذه القوانين في الغالب ليست فعالة، وفيها ثغرات كثيرة، وما تزال تسمح بوقوع جرائم العنف أو إفلات المجرمين من العقاب.

وحتى وقت قريب جدا كانت جُل التشريعات العربية تسمح لمغتصب النساء بتجنب الملاحقة القانونية إذا ما تزوج ضحيته، وحين أقرت أو عدلت دول مثل المغرب ولبنان وتونس والأردن تشريعاتها؛ لتنص على منع إفلات المغتصبين من العقاب حتى ولو عرضوا الزواج بضحاياهم، خرجت الأصوات المنددة والمحذرة من هذه الخطوة التي ترسخ قيم العدالة بدل مكافأة المجرمين.

إذن منظومة التشريعات والقوانين ـ هذا عدا الإرث القيمي وما يسمى "العادات والتقاليد" ـ لا توفر الضمانات الكافية أو الإجراءات الوقائية للحد من جرائم العنف ضد النساء، وخاصة الأسري منها.

في مصر ـ على سبيل المثال ـ تنص المادة (60) في قانون العقوبات على "لا تسري أحكام قانون العقوبات على من ارتكب فعل بنية سليمة عملا بحق مقرر بمقتضى الشريعة"، هذا النص القانوني يستخدمه العديد من الأزواج للإفلات من العقاب حين يتهمون بارتكاب جرائم عنف ضد زوجاتهم، كالضرب، مُعللين ذلك بأنه حق شرعي لهم لتقويم سلوك الزوجة.

مجتمعاتنا العربية لا تنظر للمرأة باعتبارها إنسانا مستقلا عن سلطة الرجال

المشكلة الأساسية أن المجتمعات العربية في منظومتها وكيانها لا تنظر إلى المرأة باعتبارها إنسانا مستقلا عن سلطة الرجال، أكان أبا، أو شقيقا، أو زوجا، ولا يزال المجتمع يرهن إرادتهن لسلطة ذكورية، تستمد قوتها من سلطة الدولة والدين، وهم بذلك يملكونها مثل متاعهم، وحياتها ومستقبلها مرهونان بيديهم.

في الأردن، قانون للحماية من العنف، ومع ذلك تتزايد الجرائم ضد النساء. مربط الفرس في الأزمة أن هذا القانون لا يُعرّف العنف الأسري بشكل واضح، ولم يتصدَ لكل أشكال العنف والجرائم التي يمكن أن تُرتكب داخل الأسرة، فهناك أفعال كثيرة قد يرتكبها الأزواج، أو الأشقاء، وحتى الآباء بحق النساء من الصعب إثباتها وتؤدي حال تكرارها إلى جرائم، والشواهد على ذلك لا تُعد ولا تُحصى.

حين استمعت إلى شهادات وقصص مدافعات عن حقوق النساء لما تتعرض له المرأة، تأكدت أن القوانين وحدها رغم ضرورتها لا تكفي لتوفير الحماية ما لم تقترن بخوض المعارك لتغيير المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الطاغية.

هل تعلمون أن المرأة البالغ العاقل إن قررت أن تعيش بمفردها في الأردن فإنها لا تستطيع أن تفعل ذلك إن اشتكى والدها أو شقيقها، وأبلغ الجهات الأمنية عن تغيبها، فإن عثروا عليها فإن الحاكم الإداري "المحافظ"، إذا لم يستطع التوفيق بينها وبين عائلتها، يضطر لتوقيفها في "دار الإيواء" لحمايتها ـ أي تصبح رهينة حبس إجباري.

في التفاصيل روايات كثيرة عن الضغوط التي تتعرض لها النساء المُعنفات للتسامح أو إسقاط الحق، وهناك انتقادات توجه لإدارة حماية الأسرة التابعة لجهاز الأمن العام، ومطالبات بأن يقتصر دورها على التحقيق، وأن يُترك الأمر بعد ذلك للمدعي العام.

تصمت النساء عن جرائم العنف الأسري وتخاف الشكوى أو طلب الطلاق

لستُ متفائلا أن تتراجع الانتهاكات بحق النساء قريبا، فالمجتمع متسامح مع العنف الموجه ضد المرأة، ويجد له مبررات، وبعضها يعود لقرون مضت، ولا يخجل من استخدامها.

تتحدث الدولة عن الانفتاح في كل شيء، وتشترى الأفكار المستوردة من كل بقاع الأرض، وحين يقترب الأمر من حقوق وحرية المرأة يصبح تابوهات مُحرمة لا يمكن الاقتراب منها أو المساس بها. فحتى هذا التاريخ لم يوقف الزواج المبكر، وحتى اليوم توجد نصوص تمييزية في القوانين ضد النساء، فالأم الأردنية لا تستطيع أن تمنح جنسيتها لأبنائها، والرجل هذا حق مطلق له، والمرأة لا تستطيع أن تسافر بصحبة أبنائها دون موافقة والدهم، والرجل لا يحتاج إذنا من زوجته ـ أم الأولاد ـ وهكذا يستمر تكريس انتقاص حقوق المرأة ومكانتها.

تصمت النساء عن جرائم العنف الأسري، وتتعرض السيدة منهن للذل أحيانا كثيرة، وتخاف أن تذهب للشكوى أو طلب المساعدة، فهي تخشى تكرار الأذى بوتيرة أقسى، وتخشى إيذاء أهلها إن اشتكت؛ لأن ذلك بنظرهم "فضحية اجتماعية"، وتخاف الطلاق حتى لا توصم بذلك، وتتردد في اتخاذ أي موقف حاسم لأنها لا تعرف مصير أبنائها، ولأنها لا تعرف كيف ستعيش وتؤمن لقمة خبزها، وحتى لا تصبح في نهاية المطاف منبوذة اجتماعيا.

نعم "طفح الكيل"، ولذلك طالبت منظمة العفو الدولية السلطات الأردنية "بالكف عن التواطؤ مع نظام وصاية الرجل على المرأة والحد من حريتها الشخصية"، والأمر الجلي أن حماية النساء من العنف لن تتحقق بتوفير دور للإيواء فقط، وإنما بنزاهة السلطة، والعدل في التعامل مع المرأة، وإعطائها كامل حقوق المواطنة غير منقوصة كما تعطيها للرجال.

اقرأ للكاتب أيضا: حين يقرأ الملك تقرير "حقوق الإنسان"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
حرية النساء "تابوهات مُحرمة" E5BAD7A3-462C-4E67-B9F2-24C010BE34E1.jpg Social Media حرية-النساء-تابوهات-مُحرمة خلال اعتصام احتجاجا على الجريمة التي طالت فاطمة 2019-11-21 12:50:23 1 2019-11-20 18:25:15 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.