522187 4

حازم الأمين/

ليس المشهد اللبناني اليوم مشهدا مستعادا من العام 2005 على ما تجهد آلة "حزب الله" الإعلامية أن تثبت كل يوم. زيارة سريعة إلى ساحة التظاهر تكشف ذلك، واستعراض أسرع للوجوه المشاركة وللشعارات المرفوعة وللوقائع اليومية ولخيم المعتصمين في الساحات يثبت ذلك أيضا.

الجهد المبذول كل يوم لمواصلة العمل بـ"كلن يعني كلن" من دون السقوط في إعفاء أحد من المسؤولية عن الانهيار هو دأب أهل التظاهرة وناسها. وعلى هوامش المشهد يظهر من يقول إن عودة سعد الحريري هي شرط الخروج من الساحة، لكن أيضا يظهر من يقول بضرورة تحييد "حزب الله" وسلاحه من الاستهداف.

والحال أن الجهد اليومي للإعلام القريب من السلطة ومن "حزب الله" لإعادة مشهد الانقسام بين 8 و14 آذار ليس مرده إلى قناعة ولا إلى مخاوف من أن ينقض خصوم الحزب التقليديون عليه، بل إلى رغبة في ألا يذوي هؤلاء الخصوم النموذجيون! فشرط انتصار الحزب وأهله وسلطته هو أن يكون في وجهه شركاؤه في 14 آذار، الشركاء الذين انتصر عليهم وأخضعهم ثم عاد وأشركهم في السلطة وفي الغنائم.

"حزب الله" يريد أن تكون "المؤامرة" شريكته في السلطة

هؤلاء يعرف الحزب كيف يسوقهم وكيف يشاركهم وكيف سيعيد إنتاجهم بصفتهم الشريك الخصم. وهو اليوم يمارس هذه الرغبة على نحو واضح وجلي. يقول الحزب إنه يريد سعد الحريري رئيسا للحكومة. لا بل إنه يتهم الحريري بأنه جزء من المؤامرة طالما أن الأخير لا يريد أن يكون رئيسا. ويريد وليد جنبلاط أيضا، والأرجح أنه يفضل مشاركة جعجع، فعلى هذا النحو تعود السلطة لتنعقد إليه.

أما الساحة اليوم فهي جسم سياسي واجتماعي لم يألف الحزب مخاطبته. مركب غير منسجم من جماعات وخيارات وأمزجة التقت على حقيقة أن فشلا كبيرا وانهيارا وشيكا يجب أن تتحمل مسؤوليته سلطة تشكلت في أعقاب تسوية عقدتها قوى الانقسام.

في الساحة شيوعيون كانوا إلى الأمس القريب حلفاء الحزب، وفيها أيضا مهنيون قادمون إلى الاحتجاج من معاينتهم المباشرة لفساد السلطة، وفيها أجيال جديدة تقود التظاهرات ولا تمت إلى حساسية الانقسام بأي صلة. ومثلما فيها قريبون من قوى 14 آذار، فيها أيضا قريبون من ٨ آذار. الحساسية التي تحرك الناس مختلفة هذه المرة ومن الصعب التصويب عليها بصفتها حساسية طائفية أو انقسامية.

شرط انتصار الحزب وأهله وسلطته هو أن يكون في وجهه شركاؤه في 14 آذار

ولعل أكثر ما ارتد على "حزب الله" وعلى إعلامه هو تصويبه على المتظاهرين بصفتهم خصوم الأمس، ذاك أن ذهولا كبيرا أصاب المشاركين من غير خصومه عندما وصفهم بأنهم "عملاء سفارات".

كل هذه الخسائر تهون أمام مهمة "تصويب الانقسام" ورده إلى رشده وإلى طبيعته التي ولدت منها السلطة التي ينتفض اللبنانيون عليها. "أنتم عملاء سفارات"، وحين ينجح الحزب في تسويق هذا الاتهام في بيئته، يعود ليرد من اتهمهم إلى حديقة السلطة. لا يعرف الحزب أن يشارك غير "عملاء السفارات"! لا يستطيع أصلا أن يحكم من دونهم. عليهم أن يؤمنوا له حضورا في مجتمع "السفارات" وأن يغطوا الموقع الذي اختاره للبنان. من دونهم سيفشل في أن يُنجز سلطته. هذا حرفيا ما يحصل الآن. سعد الحريري عميل السفارة، إلا أنه مرشح الحزب الوحيد لرئاسة الحكومة!

لا يؤمن "حزب الله" بـ"المؤامرة"، ولا يخاف منها، لكنها شرط لكي تستقيم سلطته ولكي يستقيم خطابه. و"المؤامرة" هذه المرة شديدة الركاكة والرتابة، وهي لا تقنع دجاجة، ولا تستقيم بمشهد، إلا أنه لم يجد غيرها سبيلا للوقوف بوجه التظاهرة. ثم أن الأخيرة لم تمهله كثيرا لكي يجتهد ويُخرج فكرة جديدة حولها، فأشهرها بوجه من ليسوا خصوما وليسوا من أهل "المؤامرة".

الانتفاضة اللبنانية قلبت المشهد الرتيب والبائس لخريطة القوى في لبنان

أشهرها بوجه أسامة سعد مثلا، وبوجه تلفزيون الجديد، ناهيك عن شرائح جديدة وطلاب جامعات ورجال أعمال، لم يسبق أن كانوا من أهل "المؤامرة". وحاول الحزب أن يستدرك الخسائر بأن أطلق على هؤلاء وصف "المضللين"، وفي هذا استخفاف مضاعف بذكائهم وبأدوارهم وباعتقاداتهم.

لكن الأشد فداحة أن الحزب يريد أن تكون "المؤامرة" شريكته في السلطة. فاليوم يملك الحزب أكثرية نيابية تمكنه من أن يسمي رئيسا للحكومة وأن يمنحه الثقة، إلا أنه لا يريد غير الحريري، المنغمس في المؤامرة وعميل السفارة، رئيسا.

الانتفاضة اللبنانية قلبت المشهد الرتيب والبائس لخريطة القوى في لبنان، ولم تمهل هذه القوى وقتا لكي تلتقط أنفاسها. لكن الأهم أنها كشفت عجزا كبيرا لدى أحزاب السلطة عن السير في ركب زمن لا يصلح معه خطاب المؤامرة، في وقت ليس لدى هذه السلطة ما تقوله غير هذا الخطاب.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان: الشتيمة وحدها جوابنا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
"حزب الله" يريد من "المؤامرة" أن تشكل الحكومة! A312C5A9-9FA0-4E5F-8820-378FB4946A56.jpg AFP حزب-الله-يريد-من-المؤامرة-أن-تشكل-الحكومة متظاهرة في وسط بيروت 2019-11-21 13:43:06 1 2019-11-21 13:52:29 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.