522314 4

فارس خشّان/

كان لبنان حتى ثلاث سنوات خلت من الجمهوريات الديمقراطية التي لا تشبه ـ على الرغم من الخلل الذي أصيبت به ـ لا مصر حسني مبارك ولا سوريا حافظ الأسد. لكن الفوارق انعدمت، أو بالأصح أصبحت الحال أسوأ، فجأة.

مع وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، انضمّ لبنان، وبفظاظة، إلى الجمهوريات التي ابتدعت، بعيدا من الدستور، منصب "ولي عهد الرئيس".

حسني مبارك وحافظ الأسد كان لهما أبناء ذكور، ففكر الأول بالتوريث ولكن الثورة أطاحت به، فيما قرر الثاني ذلك فكان له ما أراد، وهكذا جاء بشار الأسد بعد موت البكر باسل في حادث سيارة.

ميشال عون لديه ثلاث بنات. وزّع المغانم على أصهرته، وكان نصيب جبران باسيل "ولاية العهد".

توجه عون هذا كان معروفا حتى قبل انتخابه رئيسا للجمهورية. نسب كلام كثير بهذا المعنى إلى رئيس مجلس النواب نبيه برّي، كما إلى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. ومن هندسوا الصفقة الرئاسية بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري، كانوا يرددون، بشكل مستمر، إن تطلعهم الواقعي هو أن يحكموا مع جبران باسيل، فهو الحاضر الفعّال والمستقبل الثابت، بينما عون هو الحاضر "الساكن" والمستقبل المعدوم.

قبل الثورة، كان باسيل يخطو خطوات مؤكدة نحو تولي رئاسة الجمهورية خلفا لعمه

وعاد عون نفسه ورسّخ وجوب التعاطي مع جبران باسيل على أنه "ولي العهد"، حين تحدث، قبل حلول الذكرى السنوية الثانية لوصوله إلى قصر بعبدا، بأنه يطمح في إيصال شخصية يراها هو مناسبة إلى رئاسة الجمهورية.

وبناء عليه، قدّم جبران باسيل نفسه إلى اللبنانيين على أساس أنه هو الرجل الأقوى في هذا العهد، وبنى سياسته اللبنانية على قاعدة أنه "الرئيس المقبل".

المشكلة بدأت حين راح ينظر إلى نفسه وفق هذا المعيار، فرفض أي مشروع من مشاريعه يعني انتقاصا من العهد، والتصدّي لأي من طروحاته يعني تطاولا على العهد، وعقد تفاهمات بين أطراف سياسية لا تواليه تعني تآمرا على العهد، وخروج أصوات مناوئة له ضمن تياره يعني تمردا على العهد.

والأدهى من ذلك أنه اقتنع فعلا بأن طبيعة النظام اللبناني تغيّرت، بمجرد أن تمّ تكريسه في القصر الجمهوري وليّا للعهد، فراح يتعاطى مع اللبنانيين بفوقية مقززة للنفوس.

انطلاقا من هذه النظرة "الوارمة" لنفسه، هاجم، من موقعه كمسيحي، سائر المكوّنات الطائفية في لبنان؛ فأخذ على الشيعة، عندما وقف منهم من اعترض على تجميد امتحان مجلس الخدمة المدنية بسبب عدم "التوازن الطائفي"، أنهم لا يردون له الجميل في الداخل مقابل الكلفة الباهظة التي يتكبّدها في المجتمع الدولي بسبب دفاعه عن "حزب الله"، ونبش الحرب الأهلية للطائفة الدرزية، وانقض على "الحريرية السياسية" بصفتها قد سرقت ما كان للمارونية السياسية من صلاحيات وامتيازات.

بنى "ولي العهد" نهجه السياسي على "المقايضة". يريد من "حزب الله" نفوذا داخليا مقابل الدفاع عنه. يريد من "المستقبل" الموافقة على كل ما يقترحه مقابل أن يمرر له ما يعنيه من مشاريع، ولو لم يكن حولها أي خلاف. يريد من "القوات اللبنانية" أن تبصم على ما يتطلع إليه في مقابل ألا يتذكر" تاريخها" في الحرب الأهلية. ويريد من وليد جنبلاط أن يصمت في مقابل أن يمرر له ما يمكن أن يعنيه.

اعتمد التحدي نهجا، فكان، حتى لو أراد أن ينقل كوبا من مكان إلى آخر، يتحدّى

حوّل دارته في البترون، يوم السبت، إلى "بيت الطاعة"، فوقف السياسيون والطامحون والقضاة والضباط والإداريون بالصف. والويل والثبور وعظائم الأمور لكل من يرفض أن يمثل في حضرته، ولو انتظر دوره لساعات.

حوّل وزارة الخارجية إلى ماكينة انتخابية ضخمة، فسخّر توليه لحقيبتها من أجل إعادة تنظيم الانتشار اللبناني لمصلحته، فيما سمّى سفراء، أحيانا بالتلاعب على القانون، من تلك الطينة التي تفاخر بأنها من "زلمه"، وأنشأ حركة اغترابية جديدة سمّاها "الطاقة الاغترابية"، فاستفاد من قدرته السلطوية على جمع التبرعات، فوزّع بطاقات السفر والليالي الفندقية والدروع التعظيمية ودعوات الغداء والعشاء على من مدح أو طاع أو خضع.

اعتمد التحدي نهجا، فكان، حتى لو أراد أن ينقل كوبا من مكان إلى آخر، يتحدّى. التحدّي، عند رجل السلطة "المعقّد"، مثل المسدس عند الرجل "الجبان"، يهب شعورا بالقوة.

لم يترك موضوعا إلا وتحدّى به، حتى أنه عندما اكتشف اللبنانيون "عورات" مرسوم التجنيس وفساده، أطل مؤكدا أنه في كل سنة سيكون هناك مرسوم مماثل لهذا المرسوم.

نصّب نفسه رئيسا على وزرائه في الحكومة، فكان هو من يفتتح مشاريع وزاراتهم وكان هو من يرعى نشاطاتهم وكان هو من يوزّع عليهم النقاط. فعل ذلك، بعدما اشترط على كل شخص شاء توزيره أن يوقع، قبل صدور مرسوم الحكومة، كتاب استقالته ويسلّمه له.

حوّل دارته في البترون، يوم السبت، إلى "بيت الطاعة"، فوقف السياسيون والطامحون والقضاة والضباط والإداريون بالصف

ومن موقعه "وليا للعهد" ورئيسا لوزرائه فيها، تعاطى مع رئيس الحكومة فأضعفه في بيئتيه السياسية والطائفية، وسبب له مشاكل مصداقية في عدد غير قليل من الدول تتقدمها المملكة العربية السعودية التي كانت، حتى سنوات خلت، من الرعاة الإقليميين للبنان، ومن أكبر المساهمين في ماليته وفي اقتصاده.

وفي عزّ الثورة التي أسقطت نجمه أرضا، أراد أن يثبت أنه هو الأقوى، فجمع أنصار حميه وأنصاره، على أعتاب القصر الجمهوري، فأثار امتعاض سائر اللبنانيين الذين ردوا بأن ملؤوا ساحات لبنان وشوارعه بمئات الآلاف، ليبلغوا من يعنيهم الأمر أن الشعبية التي يتوسلها باسيل لا تساوي شارعا واحدا من شوارع الثورة الخفاقة.

واستعمل "ولي العهد" رئيس الجمهورية في تحقيق أهدافه، فبالإضافة إلى أنه أخرجه ليخطب في مؤيديه، نظّم له مقابلة تلفزيونية هدفها الدفاع عن موقع جبران باسيل في الحكومة المقبلة التي يريدها اللبنانيون خالية منه ومن أمثاله من السياسيين. المقابلة، كما الخطاب، أشعلت الشارع الثوروي ورفعت حماوته ضد القصر وشاغليه والمحتمين به والطامحين بوراثته.

وانسحب سلوك جبران باسيل على العائلة الصغرى، فانقسم بيت الرئيس ميشال عون، بحيث بدا واضحا أن "ولي العهد" في مكان والعائلة في مكان آخر. أكثر من عبّر عن هذا الانقسام كان "العديل" شامل روكز و"ابنة العم" كلودين عون.

ولكن جبران باسيل ثابت لا يتزعزع. في هذا الأيام التي لا صوت يعلو فوق صوت الثورة في لبنان، يريد لصوته أن يبقى مسموعا، فأخذ ملف تشكيل الحكومة الجديدة على عاتقه، حتى أنه، حين بدأت تلوح أوهام المخارج، بالاتفاق على الوزير السابق محمد الصفدي رئيسا مكلّفا لتشكيل الحكومة، قفز إلى الإعلام وحدد اسمه وتاريخ الاستشارات النيابية الملزمة، وشكل الحكومة العتيدة.

ولكن الشارع يقف بالمرصاد لأحلام باسيل، فأسقط الصفدي الذي تربطه بـ"ولي العهد" علاقات مميّزة، سقوطا مدويا، ومنعه من تسجيل اسمه في نادي رؤساء الحكومة.

قبل الثورة، كان باسيل يخطو خطوات مؤكدة نحو تولي رئاسة الجمهورية خلفا لعمه، حتى إن هناك من هو مقتنع بأنه اتفق مع "حزب الله" على تقصير ولاية عمّه الذي يصيبه العمر بوهن بدأ يظهر بوضوح عليه، من أجل أن يحل هو مكانه.

بمجرد أن تمّ تكريسه في القصر الجمهوري وليّا للعهد، راح يتعاطى مع اللبنانيين بفوقية مقززة للنفوس

ولكن الثورة، في أولى نتائجها، لم تسقط الحكومة التي تجاوز فيها باسيل الحدود المنطقية والمسموح بها، فحسب بل أسقطت باسيل أيضا.

الثورة رسمت على الشفاه قولا موحّدا لدى جميع المراقبين: جبران باسيل الشخصية الأكثر كرها لدى اللبنانيين في الداخل وفي دول الانتشار.

جبران لن يقتنع بذلك. سيبقى يحفر في الهاوية التي سقط فيها. مثله مثل الـ7 بالمئة من الناس في العالم الذين يعتقدون بأن الأرض مسطحة، وفق معطيات المؤتمر الذي عقده "مسطحو الأرض" في مدينة "ريو دي جنيرو" البرازيلية، يوم الأحد الماضي. ومثله ومثل طوني بلير الذي بقي يفاخر بأن 15 بالمئة من البريطانيين يؤيدونه على الرغم من النقمة الوطنية العارمة عليه بسبب مشاركته في الهجوم على العراق، حتى اكتشف أن هذه النسبة من مواطنيه تعتقد أيضا بأن الفيس برسلي لا يزال على قيد الحياة.

الفارق بين باسيل وبين هؤلاء أنهم إمّا منظرون يريدون إثبات رؤية سابقة لزمن كوبرنيك وغاليله، وإمّا من "رجال الماضي" الذين يحاولون التعايش مع مجتمعهم، وتاليا فهم لا يشكلون أي خطر على بلدانهم، في حين أن باسيل مستفيدا من رضى "حزب الله" وسلاحه، لا يزال يسعى إلى جرّ ما تبقى صامدا من لبنان إلى الهاوية التي هو فيها.

اقرأ للكاتب أيضا: حتى لا تكون واشنطن في خدمة "حزب الله"

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
جبران باسيل "ولي عهد" لبنان 894CDB54-01E7-46B7-ABC5-C4A5F71713D8.jpg Reuters جبران-باسيل-ولي-عهد-لبنان-الحفر-في-الهاوية جبران باسيل بين مناصري التيار العوني أمام القصر الجمهوري 2019-11-22 13:03:34 1 2019-11-22 13:18:58 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.