عادت في الآونة الأخيرة أزمة "سد النهضة" تفرض نفسها من جديد على الأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط.

وتم تداول الأزمة على جميع الأصعدة السياسية والإعلامية. فعلى سبيل المثال أثار الموضوع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلمته الأخيرة أمام الأمم المتحدة.

وبعد تراشق بالكلمات وصل حدود التنويه إلى احتمالات قيام حرب، التقى السيسي رئيس وزراء أثيوبيا آبي أحمد في روسيا وعاد الأمل من جديد بتدخل سياسي ينهي الأزمة بحل سلمي.

وبعد ذلك قام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدعوة جميع الأطراف للحضور إلى واشنطن لمناقشة الخلاف الذي أثاره بناء هذا السد. وتمت هذه الخطوة بحضور ممثلين للبنك الدولي.

ومن الواضح أن الجانب الأثيوبي استغل نقطتين رئيسيتين في اتفاق النيل، الذي تم توقيعه عام 2015، وهما عدم تحديد حصة واضحة لكمية مياه النيل التي ستصل إلى الجانب المصري وعدم التأكيد على حق مصر في الـ"فيتو" (أي حق الاعتراض) لمنع بناء سدود على النيل بدون موافقتها بعد أن كان ذلك من حقها تبعا للاتفاقيات السابقة التي تم توقيعها من جانب بريطانيا مثل اتفاقية عام 1929.

قد تستغل الجماعات المتطرفة في المنطقة هذا الأمر بهدف زيادة التطرف الديني

ومما زاد الطين بلة وعقّد المشكلة، أن إعلان المبادئ الذي تم توقيعه في عام 2015 يجعل من المستحيل تدويل القضية ونقلها إلى محكمة دولية دون موافقة "جميع" الأطراف المعنيين أي مصر وأثيوبيا والسودان. وهذا يعني ببساطة أن مصر إن تضررت ليس من حقها تبعا لهذه الاتفاقية أن تأخذ الأمر إلى محكمة دولية كما حدث في قضية طابا مع إسرائيل.

ومن الواضح أن أثيوبيا استغلت هذه الثغرة في الاتفاق لصالحها دون مراعاة مبدأ عدم إلحاق ضرر بالجانب المصري والمذكور أيضا في الاتفاقية.

وبعد لقاء الرئيس السيسي ونظيره الأثيوبي في روسيا مؤخرا أعلن الأخير أنه لن يتم الإضرار بمصالح مصر في موضوع مياه النيل. واتفق الطرفان على التحرك الإيجابي لإنهاء المشكلة الفنية الخاصة بهذا الأمر.

وقد أحسن الجانب المصري بعدم الاكتفاء بهذا الوعد وإصراره بعد تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي على استكمال الضغوط السياسية من خلال الولايات المتحدة وقد يتطلب الأمر أيضا في المرحلة القادمة إشراك الدول الأوروبية وبخاصة الدول التي قد تتأثر سلبا بسبب هذه القضية.

إنشاءات سد النهضة في إثيوبيا

فعلى سبيل المثال والافتراض النظري لو تفاقم الأمر ونشبت ـ لا قدر الله ـ حرب بين مصر وأثيوبيا في هذه المنطقة القريبة من باب المندب فإن ذلك قد يزيد من تكلفة الحاويات والسفن التي قد تعبر قناة السويس مما قد يضطرها إلى استخدام رأس الرجاء الصالح وهو أكثر تكلفة بكثير من استخدام قناة السويس. وقد يتسبب هذا الأمر بإبطاء حركة التجارة بين أوروبا والصين عبر قناة السويس ومن ثم زيادة الركود في الاقتصاد العالمي، الذي يعاني أصلا.

والجدير بالذكر أنه لو حصل هذا الاحتمال ـ أي الحرب ـ فإن كل موازين القوى العسكرية ستكون في صالح مصر نظرا لتفوق قواتها الحربية كما وكيفا على أثيوبيا. ولذا فمن الأرجح أن أثيوبيا ستحاول حل المشكلة بطريقة ترضي الجانب المصري حتى تتفادى مواجهة مدمرة للطرفين.

وقد قال رئيس وزراء أثيوبيا آبي أحمد في كلمته لمجلس الشعب الإثيوبي إن الحل السلمي هو الأمثل بالنسبة لجميع الأطراف وذلك بعد أن أبدى استعداد بلاده لمواجهة عسكرية إن تطلب الأمر.

وبالإضافة إلى ذلك فلو أصرت أثيوبيا على الاستمرار في بناء السد وحرمان مصر من كميات كبيرة من المياه مما قد يؤدي إلى شح مائي شديد في مصر فإن عواقب ذلك ستكون وخيمة على العالم، إذ قد تستغل الجماعات المتطرفة في المنطقة هذا الأمر بهدف زيادة التطرف الديني بحجة فشل الأنظمة الأخرى أو "غير الإسلامية" في نظرهم وذلك قد يتسبب ـ إن حدث ـ بحصول أعمال عنف عرقية ضد الأقليات ويهدد أمن قناة السويس وعمليات تسييل الغاز وتصديره لأوروبا من شمالي مصر.

ولذا فإن الجانب المصري عليه أن يوضح للعالم أن تداعيات هذه المشكلة، إن لم يتم حلها، لن تقف عند حدود مصر وحسب بل ستتعداها لتأثيرات عالمية سلبية على الكثيرين.

وعلى ما يبدو، فإن الضغط الدولي بدأ على أثيوبيا بالفعل بعد أن تراجعت الأخيرة عن موقفها الرافض للجوء إلى طرف رابع (كما أقرت المادة العاشرة من اتفاقية إعلان مبادئ وثيقة سد النهضة الموقعة عام 2015) ـ وذلك عقب أول مباحثات لها في واشنطن بعد دعوة الرئيس ترامب لجميع لأطراف المتنازعة.

أثيوبيا ستضطر في النهاية إلى إبداء مرونة أكثر في كمية المياه التي ستصل إلى مصر

فقد أقرت أثيوبيا (بعد رفضها سابقا!) في لقاءات واشنطن الأخيرة بالموافقة على اللجوء إلى الطرف الرابع إذا لم تسفر المفاوضات الجارية إلى اتفاق نهائي قبل يوم 15 يناير 2020.

ومن خلال نظرة واقعية للأحداث وللأسباب المذكورة أعلاه وبقراءة المدلولات السياسية الأخيرة، فإن المجتمع العالمي سيتدخل غالبا، وبقوة، ليحل هذه المشكلة بصورة عادلة وفعالة لجميع الأطراف لمنع الكوارث المحتملة والتي قد يتخطى مداها وبكثير حدود مصر وأثيوبيا!

وفي الغالب أيضا، أن أثيوبيا ستضطر في النهاية إلى إبداء مرونة أكثر في كمية المياه التي ستصل إلى مصر، ذلك أن مصلحتها ليست في تأخير مشروعها العملاق لإنتاج الطاقة الكهربائية من سد النهضة، والتي قد تتأخر أو تتعطل إذا ما قررت حكومة الأثيوبية أن تدخل في قضية تحكيم دولي طويلة المدى من أجل كمية المياه، خاصة وأن التوقعات العلمية كما جاءت في مجلة "ساينس ديلي" تشير إلى أن التغيرات المناخية في العالم سوف تزيد من كميات المياه في النيل الأزرق في العقود القادمة.

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.