522327 4

عمران سلمان/

يبدو أن حمى الاحتجاجات آخذة في الانتشار في أنحاء الشرق الأوسط وإن بصورة تدريجية، خافتة هنا وصاخبة هناك. وأن البركان الذي يبدو خامدا في بعض المناطق قد يتحرك في أية لحظة.

حالة انسداد

وسواء كان الدافع المباشر وراء ذلك هو الاقتصاد والحالة المعيشية أو عدم الرضى عن التوجهات السياسية، فإن من الواضح أن ثمة ضيق عام من حالة الانسداد التي تعيشها المنطقة على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

حالة لم تعد تنفع معها التبريرات ومحاولات الترقيع التي اعتدنا على سماعها خلال السنوات والعقود الماضية. كما لم تعد التنظيرات الخاصة بالمؤامرات والتدخلات الخارجية قادرة هي الأخرى على إقناع أو إرهاب أحد، رغم الاستثمار المادي والسياسي والمعنوي الكبير فيها وفي العقليات التي تؤمن بها.

الحراك الذي أنتجته هذه الاحتجاجات يصب في مصلحة السواد الأعظم من الناس

فهناك أجيال جديدة، تجد نفسها بدلا من أن تعيش حياتها وعصرها، قد ورثت مشاكل وعقد الأجيال السابقة من دون أن يكون لها فيها ناقة أو جمل. وأن الخلافات والنزاعات القديمة تكاد تسد أي أفق أو إمكانية أمامها لبناء شيء ذي قيمة في المستقبل. فيما شعوب العالم الأخرى تتحرك في اتجاه خلق ظروف جديدة لحياة تتناسب مع متطلباتها وتطلعاتها.

النهوض والارتكاس

طبعا من المبكر الحكم على نتيجة هذه الاحتجاجات ومآلاتها، ومن الإنصاف القول أيضا إنه مثلما هناك احتمالات "النهوض" عبر النجاح في إنجاز التغيير السياسي الجذري، هناك أيضا احتمالات "الارتكاس" عبر انتشار الفوضى وزيادة الأوضاع السيئة سوءا، على الأقل في المدى القريب والمتوسط.

وفي بلد مثل لبنان، يقع على حافة الإفلاس تقريبا، فإن استمرار الوضع الحالي من دون أفق للحل من شأنه أن يؤدي إلى دمار اقتصادي، بما في ذلك اهتزاز الوضع المالي للبلاد وإغلاق أنشطة اقتصادية متعددة وحالات تسريح للموظفين وزيادة نسبة البطالة إلى أرقام فلكية، وما ينتج عن ذلك من موجات جديدة للهجرة إلى الخارج.

ثمن مقبول

هناك من يرى أنه إذا كان هذا هو ثمن الخلاص من نظام المحاصصات الطائفية ومن الطبقة السياسية الفاسدة في البلد فهو ثمن مقبول. وشخصيا لا ألوم هؤلاء، لأنه في المحصلة النهائية فان أداء النظام الحالي ربما يتجه بلبنان إلى نفس النتيجة ولو بعد حين.

ما يجري اليوم، رغم ما يحيط به من غموض، إنما يؤشر إلى عودة الحيوية من جديد إلى المجتمعات العربية

في المقابل، هناك من يرى بأن المخرج من هذا كله لا يبدو واضحا حتى الآن، في ضوء غياب آليات محددة لتحقيق المطالب المطروحة. إضافة إلى الخشية من أن تصبح الاحتجاجات نفسها جزءا من الصراع الدائر، وهي التي جاءت بحثا عن الحلول للمشاكل المزمنة، وبعد أن ضاق الناس ذرعا من الصراعات التقليدية العقيمة، وسعوا عبر تحركهم هذا إلى خلق ديناميكية جديدة وغير مسبوقة.

هذه التساؤلات والمخاوف مشروعة وينبغي أن تكون جزءا من النقاش الدائر سواء في لبنان أو العراق أو في غيره. ومن هذا المنظور فإنه باستثناء قلة قليلة فاسدة ومتنفذة، فإن الحراك الذي أنتجته هذه الاحتجاجات يصب في مصلحة السواد الأعظم من الناس.

ليس لديهم ما يخسرونه

ولعل من المفيد هنا التذكير بأن ما يميز الاحتجاجات الحالية أنها جاءت نتيجة انفجارات اجتماعية عفوية ولم يكن وراءها حزب أو جماعة سياسية أو قيادات أو زعماء. وهو أمر نادر الحدوث في منطقة تعج بالآراء والمواقف والتجاذبات السياسية والزعامات. بل ويعتبر عدم الانضواء تحت عباءة هذه الجماعة أو تلك بمثابة انهزام وهروب من تحمل المسؤولية! فهذه المنطقة لم تعتد على وجود آراء حرة ومستقلة وغير حزبية.

صحيح أن بعض الأحزاب والحركات السياسية (من اليمين واليسار) سعت وتسعى لركوب موجة هذه الاحتجاجات، وإدراجها ضمن صراعاتها التقليدية، وأحيانا تصفية الحسابات، لكن الأمر الواضح هو أنها (في الشكل والمضمون) أعمق من مجرد تظاهرات مطلبية. فيما تبدو آلة القمع التقليدية عاجزة عن التعامل مع الوضع الجديد، خاصة مع الشعور المتزايد بأنه ليس هناك الكثير مما يمكن أن يخسره الإنسان في هذا الجزء من العالم.

بكلام آخر فإن ما يجري اليوم، رغم ما يحيط به من غموض أو يسوده من مخاوف، إنما يؤشر إلى عودة الحيوية من جديد إلى المجتمعات العربية.

اقرأ للكاتب أيضا: إيران والبهائية: 200 عام من القمع!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

عودة الحيوية إلى العالم العربي! A8748400-0879-4FBA-A22C-2BE905ED18AD.jpg AFP عودة-الحيوية-إلى-العالم-العربي إضاءة شموع في بغداد تكريما لضحايا التظاهرات 2019-11-22 14:34:52 1 2019-11-22 14:57:52 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.