تستمر التظاهرات في الجزائر
تستمر التظاهرات في الجزائر

522323 4

د. عماد بوظو/

تتواصل احتجاجات الجزائر بدون توقف منذ 22 فبراير الماضي دون أن تحظى بتغطية من الإعلام العربي تتناسب مع أهميتها، رغم أن الجزائر ليست ذلك البلد الهامشي حتى لا يكترث العرب بأخبارها.

فالجزائر هي أكبر بلد أفريقي وفي جامعة الدول العربية وفي دول حوض المتوسط، وهي قوة إقليمية لها تأثير سياسي وثقافي واقتصادي كبير؛ ولكن الأنظمة العربية، وفي حالة نادرة، تناست جميع خلافاتها واتفقت على تجاهل ثورة الجزائر، ربما نتيجة إدراكها لخطورة الآثار التي ستترتب على حدوث تحول ديمقراطي حقيقي في هذا البلد المحوري.

ورغم أن للجزائريين الكثير من المبررات للقيام بثورة، ولكن السبب المباشر لها كان استهتار نظام الحكم بالشعب، إلى درجة ترشيح عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة رغم أن وضعه الصحي لا يسمح له بالقيام بأبسط الأعمال فكيف برئاسة البلاد. كذلك الأمر بالنسبة إلى غياب الديمقراطية والفشل في بناء قاعدة اقتصادية خلال سنوات الوفرة عندما كانت أسعار النفط مرتفعة، بحيث بقي اقتصاد الجزائر معتمدا كليا على النفط والغاز، وعندما انخفضت أسعار هذه السلع في السنوات الأخيرة دخل الاقتصاد الجزائري "مرحلة الاحتضار" حسب تعبير دراسة فرنسية.

تلجأ مجموعة من الدول العربية والإقليمية للترويج إلى أن الحكم العسكري هو الضامن لوحدة البلاد

لهذه الأسباب، لم تفلح التنازلات الشكلية للحكم الجزائري مثل إقالة بوتفليقة وإحالة بعض الوزراء والمسؤولين والقادة العسكريين للقضاء، في محاولة لخداع الشعب أو امتصاص غضبه، لأن الانطباع السائد بأن بوتفليقة لم يكن هو الحاكم الفعلي للبلاد.

فالجزائريون يدركون أن قيادة المرحلة الانتقالية، أي رئيس الأركان أحمد قايد صالح، قائد الجيش الجزائري منذ أكثر من 15 عاما، مع مجموعة من مساعديه بينهم رئيس الجزائر الحالي بالوكالة عبد القادر بن صالح الذي كان رئيس البرلمان، ورئيس الوزراء نور الدين بدوي والذي كان وزيرا للداخلية، بحيث أن رجال العهد القديم نفسه قد نزعوا ثياب النظام وارتدوا ثياب المعارضة وادّعوا أنهم هم من سيقود عملية التغيير.

ينطبق هذا الأمر على مرشحي الانتخابات الرئاسية، فقد كانوا أيضا رؤساء وزارة أو وزراء وقادة أحزاب مرتبطة بالسلطة، حتى أن الحملات الانتخابية اليوم لا تستهدف الحصول على تأييد الشعب، بل كسب رضا "المؤسسة العسكرية الضامنة لوحدة البلاد" حسبما توصف. ويريد المرشحون بخطابهم هذا إثبات الولاء لقيادة الجيش، لاعتقادهم أن هذا هو طريق الفوز بالانتخابات، أي لن تختلف هذه الانتخابات عن "الأعراس الديمقراطية" المزيفة التي اعتادت عليها الجزائر طوال العقود الماضية.

ولعل أكثر ما أزعج الحكومات العربية في احتجاجات الجزائر، تنظيمها وسلميّتها ومشاركة شرائح من مختلف فئات المجتمع فيها، مثل إضراب القضاة لأول مرة في تاريخ الجزائر والذي بلغت نسبة المشاركة فيه 96 في المئة حسب تقديرات نقابة القضاة.

ومع استعمال أجهزة الأمن الجزائرية القوة لفض بعض اعتصامات القضاة أعلنت عدة نقابات في قطاعات الطاقة والنقل والصناعة والتربية والصحافة تضامنها ومشاركتها للقضاة في سلسلة إضرابات متزامنة خلال الشهر الحالي، تحت شعار "لا للعسكرة ولا للانتخابات مع العصابات" التي تعني حسب رأيهم كل من كان جزءا من نظام بوتفليقة خلال العشرين سنة الماضية.

وهذه الفعاليات المدنية الحضارية تحديدا هي التي لا ترغب الحكومات العربية في أن ينقلها إعلامها حتى لا تشاهدها شعوبها، ضمن اعتقاد بأن تجاهل الثورات قد يقلل من فرصة انتصارها، وبشكل أخص انتشارها.

تستمر تظاهرات الجزائريون الرافضة للإجراء الانتخابات بالشكل الذي يتم التحضير له

المثير للسخرية، أن أصحاب هذه القناعة يدركون أن في العصر الحالي هناك مصادر عديدة للمعلومات وما على الجزائريين والمهتمين بوضع الجزائر إلا التحول إلى المحطات الناطقة بالعربية الموجودة في الغرب لمتابعة آخر تطورات أوضاع بلدهم. من دون أن نتجاهل أن وسائل التواصل الاجتماعي هي المصدر الرئيسي للمعلومات في زمننا، خصوصا عند الجيل الشاب، وهو ما دفع حسابات آلية مبرمجة أو ما يصطلح عليه بـ"الذباب الإلكتروني" المرتبط بالحكم الجزائري وحلفائه بتقديم شكاوى أدت لإغلاق صفحات تواصل مؤيدة للحراك الشعبي عن طريق اتهامها "بنشر أخبار كاذبة للمس بمؤسسات الدولة وخاصة الجيش"، حسب تعبير وزير الاتصال الجزائري حسان رابحي.

وعليه، تبدو الجزائر اليوم ساحة المواجهة الرئيسية بين قوى الديمقراطية من جهة ومعسكر الحكام الفرديين من جهة أخرى، وانتصار الحراك الشعبي في الجزائر وتحقيق مطالبه سيعني ميل الكفة لمصلحة قوى التغيير في شمال أفريقيا، بعد التحول الديمقراطي في تونس والبدايات الواعدة في السودان.

وبهدف منع ذلك تلجأ مجموعة من الدول العربية والإقليمية للترويج إلى أن الحكم العسكري هو الضامن لوحدة البلاد، والتحذير من الفراغ الدستوري رغم أنه لم يكن هناك حياة دستورية في الجزائر طوال العقود الماضية، وتذكير الجزائريين بسنوات الجمر والصراع الدموي مع الإسلاميين في تسعينيات القرن الماضي، للإيحاء بأن الخيار هو بين الفوضى وبقاء الأنظمة الديكتاتورية. ولهذا الهدف لم يكتف الإعلام العربي بتجاهل أخبار ثورة الجزائر، بل يقوم بالتقليل من حجمها وانتشارها وأعداد المشاركين فيها.

عندما يحاول الإعلام العربي التقليل من شأن احتجاجات الجزائر فإنه يسيء إلى مصداقيته

وفي هذا الموقف لا يوجد فرق بين محور الإسلام السياسي التركي القطري والمحور العربي المعادي للديمقراطية المكون من مصر وبعض الدول العربية والمدعوم من روسيا.

وتأكيدا على ذلك فقد اختار الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح من بين دول العالم بلدين لزيارتهما هما مصر وروسيا، وطمّن خلالها بوتين بأن الوضع في الجزائر تحت السيطرة، كما زار الجزائر الشهر الماضي وزير الخارجية التركي، وليس من قبيل الصدفة أن روسيا وتركيا ومصر تتميز بنظام حكم فردي يقوم دوريا بإجراء مسرحيات انتخابية معروفة النتائج سلفا مثل الجزائر.

يبدو أن حكومات الشرق الأوسط لم تستوعب بعد أن الشعوب قد أدركت قوتها وعرفت حقوقها، وأن محاولات إخافتها بما حدث في سوريا وليبيا واليمن، والتي لعبت تلك الحكومات دورا فيه، لن يفلح في إعادة تلك الشعوب لبيوت الطاعة، وتأكّد ذلك في السودان والجزائر وفي الاحتجاجات التي تحدث اليوم في العراق ولبنان وإيران ودول أخرى.

في الواقع، فإن دعم الأنظمة العربية للديكتاتوريات لن يؤدي سوى إلى التأخير في عملية التحول الديمقراطي وجعلها أكثر كلفة وليس إيقافها، ولذلك من المستبعد أن تؤدي انتخابات الجزائر إلى توفير شرعية لنظام الحكم أو أن تشهد مشاركة شعبية، وليس من المتوقع أن ينتج عنها حكم من الممكن قبوله شعبيا أو أن تتوقف الاحتجاجات بعد إجرائها.

وعندما يحاول الإعلام العربي التقليل من شأن احتجاجات الجزائر فإنه يسيء إلى نفسه ومصداقيته وموضوعيته، ويؤكد على أنه مجرد أداة بيد الحكومات، دون أن يستطيع التأثير سلبا على سير الاحتجاجات وكل ما يحصل عليه هو انخفاض في أعداد متابعيه.

اقرأ للكاتب أيضا: الأزهر وحلم الدولة الدينيّة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لماذا يتجاهل العرب ثورة الجزائر؟ 06E30976-F445-4454-A336-A226E3379B04.jpg Reuters لماذا-يتجاهل-العرب-ثورة-الجزائر تستمر التظاهرات في الجزائر 2019-11-22 14:03:22 1 2019-11-22 14:16:36 0

 هجمات إلكترونية على مراكز إسرائيلية تعمل على تطوير لقاح كورونا لاتلاف المعلومات
هجمات إلكترونية على مراكز إسرائيلية تعمل على تطوير لقاح كورونا لاتلاف المعلومات

كشفت صحيفة "جيروزالم بوست" عن تعرض مراكز الأبحاث الإسرائيلية التي تعمل على تطوير لقاح لفيروس كورونا يوم الإثنين، لهجمات قرصنة سيبرانية مكثفة.

وأفادت الصحيفة أن الهجمات حاولت إتلاف عملية تطوير اللقاح وليس سرقة المعلومات، لكنها أخفقت في تحقيق ذلك.

وليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها مراكز بحثية لهجوم إلكتروني منذ إندلاع أزمة فيروس كورونا المستجد، فقد أعلنت أميركا عن تعرض عدد من مراكز أبحاث اللقاح لهجوم إلكتروني لسرقة الأبحاث، واتهمت الصين وروسيا بالوقوف وراء هذه الهجمات.

وقال إيغال أونا رئيس المديرية الوطنية الإسرائيلية للإنترنت في أبريل الماضي، إن جوانب مهمة من جهود الدولة لتطوير لقاح ضد الفيروس التاجي مرتبطة بالشبكات، وهي عرضة لمجموعة متنوعة من الهجمات الإلكترونية.

وأوضحت شركة "Checkpoint Software Technologies" للأمن السيبراني أن الهجمات السيبرانية المتعلقة بفيروس كورونا في ازدياد في إسرائيل والعالم حيث يتم الإبلاغ عن 20000 هجوم يوميًا في جميع أنحاء العالم، على الرغم من انخفاض العدد الإجمالي للهجمات الإلكترونية بشكل طفيف.

وتأتي هذه الهجمات الجديدة في ظل ارتفاع وتيرة الحرب السيبرانية بين تل أبيب وطهران، فقد أعلنت إسرائيل تعرض مئات المواقع بها وفي مقدمتها شبكة المياه لهجمات إلكترونية، وزعمت إيران أن إسرائيل ردت باستهداف ميناء رجائي، وأنها قد تكون وراء مقتل 19 جندي إيرانيا بالخطأ أثناء مناورة بحرية مطلع الشهر الجاري.

ووقع الهجوم السيبراني الإيراني على مرافق المياه والصرف الصحي الإسرائيلية في 24 أبريل الماضي، وتسبب في توقف مضخة في شبكة مياه بلدية في منطقة شارون عن العمل. 

ووجدت شركة أمنية تحقق في الحادث أن البرامج الضارة التي تسببت في الحادث جاءت من أحد مواقع الإنترنت التابعة للحرس الثوري الإيراني. 

من جانبه، قال عاموس يادلين، المدير التنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب والرئيس السابق للمخابرات العسكرية في جيش الدفاع الإسرائيلي: "لقد علمنا جميعًا منذ عقد من الزمان أن الفضاء الإلكتروني هو البعد الجديد للحرب في القرن الحادي والعشرين".