محطة وقود محترقة في طهران
محطة وقود محترقة في طهران

522379 4

پاتريك كلاوسون/

في الوقت الذي تحاول فيه طهران احتواء المظاهرات المستمرة التي أثارها قرارها الصادر في 15 نوفمبر والمتمثّل في رفع أسعار البنزين، يطرح العديد من خياراتها معضلات للنظام الإيراني ويشكّل خطر نشوء نتائج عكسية.

فمن الناحية التكتيكية، على سبيل المثال، يصعّب إغلاق شبكة الإنترنت على المتظاهرين تنظيم أنفسهم، لكنه يوفر أيضا وقتا فراغ إضافي للناس، مما قد يدفع بعضَهم على الأقل إلى الخروج إلى الشارع ـ وهي ظاهرة شهدتها مصر في عام 2011، عندما ازدادت التظاهرات بشكل ملحوظ بعد فرض قيود على الإنترنت.

ويركّز هذا "المرصد السياسي" على مجموعتيْن أخرييْن من الخيارات التي طُرحت أمام المرشد الأعلى علي خامنئي وغيره من المتشددين منذ بدء الاضطرابات وهما: مَنْ الذي يُلام على اندلاع الاحتجاجات؟ وما هي الخيارات الواجب اتّباعها تجاه الولايات المتحدة؟

من الذي يُلام؟

أمام خامنئي ثلاثة خيارات أساسية فيما يتعلق بإلقاء اللوم، من أجل جعل الاحتجاجات تصبّ في صالحه ولحماية مصالح النظام. وسبق أن بدأ المتشددون في استهداف هذه الأهداف، رغم أن كل خيار يحمل معه مخاطر سياسية:

الولايات المتحدة والقوى الخارجية الأخرى. وصف العميد غلام رضا سليماني، قائد قوات ميليشيا "الباسيج" في إيران، الاحتجاجات بأنها "مؤامرة أميركية". ويتناسب ذلك مع انشغالات خامنئي منذ فترة طويلة فيما يخص الرعاية الأميركية المفترَضة للثورات الملوَّنة في الخارج. على سبيل المثال، سبق أن انتقد المرشد الأعلى التظاهرات في فنزويلا وهونغ كونغ والعراق ولبنان، مدعيا أن المحتجين هناك ينفذون أوامر واشنطن.

أمام خامنئي 3 خيارات أساسية فيما يتعلق بإلقاء اللوم، من أجل جعل الاحتجاجات تصبّ في صالحه

ويكمن خطر اتباع هذا النهج من التفكير في كونه يشير إلى أن الإيرانيين عرضة للتضليل من جانب واشنطن. فرغم أن أتْباع خامنئي طالما اعتبروا أن هذا هو الحال في سياقات أخرى ـ مثل تحذير الناس من التعاطي مع الأميركيين أو الأجانب الآخرين ـ فإن القيام بذلك الآن قد يغضب الكثير من الإيرانيين الصاخبين من زيادات الأسعار وسيرون في الاحتجاجات استجابة مشروعة. ولا يمكن للنظام أن يتحمل حتى التحريض على المزيد من التشاؤم والنفور بين الناس من خطابه الثوري.

جماعات المعارضة الفاقدة للشرعية. هي الجماعات التي استهدفها خامنئي في خطابه في 17 نوفمبر قائلا: "شجّعَتْ كافة المراكز الخبيثة في العالم، التي تعمل ضدنا، هذه الأعمال. وهذه المراكز، بدءا من عائلة بهلوي الشريرة والخبيثة إلى طائفة "المنافقين" الشريرة والمجرمة [أي "حركة مجاهدي خلق"]، تشجع باستمرار مثل هذه الأعمال في شبكات التواصل الاجتماعي".

وكان هذا التصريح لافتا للنظر لأن معسكر خامنئي كان ينبذ سابقا هذه الجماعات لسنوات ويعتبر أنه ليس لها أي تأثير على الإطلاق. وكنتيجة للخطاب، أصبح بإمكان "حركة مجاهدي خلق" أن تتبجح بكونها تشكل عاملا في السياسة الإيرانية ـ وهو ادعاء لا يقبله إلا القليل من المحللين. وبالفعل، ربّما يعتمد خامنئي على فهمه بأن الجماعة غير مدعومة على نطاق واسع في الداخل أو الخارج كطريقة لنزع الشرعية عن الاحتجاجات.

حكومة روحاني. انتقد رئيس السلطة القضائية إبراهيم رئيسي، الذي غالبا ما وُصف بأنه مرشح رئيسي لخلافة خامنئي، معسكر الرئيس حسن روحاني بسبب عدم تقديم شرح مناسب لزيادة أسعار الوقود. وقال مؤخرا: "إن أحد الشروط المسبقة لهذا المشروع هو إقناع الرأي العام وإجماع النُّخَب... وهناك حاجة ملحّة اليوم إلى قيام وسائل الإعلام والاقتصاديين والوزارات والمسؤولين المطّلعين في القطاع العام بشرح السياسات للشعب". [وفي هذا الصدد]، أضاف أمير ـ حسين قاضى زاده هاشمي، عضو هيئة رئاسة "المجلس": "لم تكن الطريقة التي نُفّذَت فيها هذه السياسة صحيحة، وكان ينبغي توضيح الأمر للناس مسبقا".

في الواقع، تمت مناقشة إمكانية تقنين الوقود على نطاق واسع منذ أغسطس على الأقل، عندما فرضت الحكومة استخدام "البطاقة الذكية للبنزين". ففي ذلك الوقت، أشار وزير النفط بيجن زنكنه في التلفزيون الحكومي إلى أن لا أحد سيأخذ هذا الشرط على محمل الجد إلا إذا تم اعتماد التقنين.

علاوة على ذلك، إذا اعترفت الحكومة بأنه لم يتم تمهيد الطريق بشكل مناسب، فمن المرجح أن يكون الرد السريع للناس كما يلي: "حسنا، ألغوا الزيادات إذا ودعونا نناقشها". وتشكل هذه الإبطالات ممارسة تتكرر في البلدان التي تختبر هذه الأنواع من الاحتجاجات. ومع ذلك، سبق أن وضع خامنئي مكانته الشخصية وراء الزيادات في الأسعار من خلال دعمها علنا، لذا سيتردد في الإقرار بأنه كان مخطئا.

وستتجه إيران على الأرجح نحو إلقاء اللوم على هذه المعسكرات الثلاثة. وربما يعني ذلك عمليا قيام مختلف شخصيات النظام بتقديم عدة تفسيرات حول مدى إلقاء اللوم على كل من هذه المعسكرات.

خيارات السياسة تجاه الولايات المتحدة

فيما يتعلق بالأعمال المحتملة ـ أو التقاعس ـ تجاه المصالح الأميركية، يمكن لهذه الاحتجاجات أن توجه طهران نحو أحد من ثلاثة مسارات:

بعد قمع الاحتجاجات، الموافقة على المحادثات. وهذا هو النهج الذي اتبعه النظام في أعقاب الاضطرابات الواسعة النطاق التي أعقبت الانتخابات الرئاسية المزوّرة في عام 2009.

وبينما كانت تلك الاحتجاجات لا تزال نشطة، وافقت حكومة أحمدي نجاد على إرسال 1200 كيلوغرام من اليورانيوم المنخفض التخصيب إلى الخارج، حيث كانتا روسيا وفرنسا ستقومان بتصنيعه لتحويله إلى وقود لـ"مفاعل طهران البحثي".

وتم التوصل إلى الصفقة في أدنى تفاصيلها، وذلك جزئيا من أجل تلبية مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها المتمثلة في إطالة الوقت الذي ستحتاجه إيران لتطوير سلاح نووي، إذا ما أرادت ذلك.

ورغم أن خامنئي رفض الاتفاق لاحقا ـ كما يُفترض بسبب مزيجٍ من الشكوك العامة تجاه الولايات المتحدة والشعور بالمزيد من الثقة مع خمود الاحتجاجات ـ إلا أن المبدأ العام لا يزال ساريا اليوم، أي عدم استسلام إيران للضغط، بل استسلامها للضغط الشديد.

رد الصفعة بقساوة أكبر. إذا قررت إيران استئناف مجموعتها الأخيرة من الاستفزازات العسكرية الإقليمية، ربما تقوم بذلك كوسيلة لتغيير الحوار من المشاكل المحلية إلى السياسة الخارجية. ولكن بقدر ما يرى خامنئي أن الولايات المتحدة مسؤولة عن التظاهرات، فقد يشعر أيضا بالحاجة إلى جعل واشنطن ترى أنها ستدفع ثمن إثارة المشاكل في إيران.

ففي 20 نوفمبر، كتب رئيس تحرير صحيفة "كيهان" حسين شريعتمداري ـ وهو مستشار مقرَّب لخامنئي غالبا ما يعبّر عن آراء أكثر تشددا من المرشد الأعلى ـ أن لإيران حقا مشروعا في الرد على الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا والسعودية بسبب ما اعتبره إثارة الاحتجاجات، وأضاف: "يعيش الأعداء في منزل من زجاج، ويمكن الوصول بسهولة إلى مراكزهم العسكرية والاقتصادية الحساسة والاستراتيجية. ومن الممكن إخضاعهم عبر فرض أضرار مالية وعسكرية كبيرة".

ومنذ أوائل مايو، شدّد كل من خامنئي وروحاني على ضرورة كسب النفوذ ضد الولايات المتحدة. ويبدو أن هذه الضرورة كانت السبب وراء الهجمات التي شُنت هذا الصيف على السفن الأجنبية في الخليج العربي والمنشآت النفطية الرئيسية في السعودية. وتم تنفيذ تلك الهجمات بشكل جيد لدرجة جعل القوى الإقليمية والولايات المتحدة تكنّ احتراما جديدا لقدرات إيران.

ومع ذلك، إذا أمرت طهران بشن مزيد من الهجمات، فسيتم قياسها على هذا المعيار الجديد والأعلى، مما يثير معضلة للنظام: وإذا لم تنجح الهجمات الجديدة كالهجمات السابقة، فسيتم النظر إلى إيران باعتبارها أقل تهديدا. لذلك، في الوقت الراهن، قد تقرر طهران الاستمرار في التبجح بقدراتها علنا دون استخدامها فعليا.

الانتظار. هناك عوامل داخلية مختلفة قد تقنع النظام بأن لديه ما يكفي من الوقت للتخلص من الاضطرابات دون اتخاذ إجراءات صارمة في الداخل أو الخارج. فالاقتصاد في حالة سيئة ولكن يبدو أنه قد وصل إلى أدنى مستوياته، مع تراجع "الناتج المحلي الإجمالي".

والأهم من ذلك هو أن إنشاء فرص العمل قويٌّ بشكل ملحوظ، وأن البطالة ـ المحرك الرئيسي للسخط ـ في طريقها إلى الانخفاض. فلم تعُد معالجة البطالة صعبة كما كانت في السابق لأن طهران شهدت انخفاضا في معدل الولادات والجماعة التي تدخل حاليا القوى العاملة، أي أن عدد المواطنين الذين سيبلغون العشرين من العمر هذا العام هو حوالي نصف ذلك الذي شوهد خلال الاحتجاجات الجماعية في عام 2009، لذلك فحتى خلق الوظائف المتواضعة يمكن أن يكون له تأثير كبير على عدد الشباب الساخطين الذين يخرجون إلى الشوارع.

إن العوامل الخارجية قد تقنع النظام بالتمسك بقراره. فعلى سبيل المثال، قد يعتقد خامنئي أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وسياسة "الضغط الأقصى" التي يتبعها لن تكون سارية بعد الانتخابات الأميركية في العام المقبل.

إن سجل خامنئي يشير بقوة إلى تفضيله رد الصفعات. لكن في عدة مناسبات، اختار بدلا من ذلك أن يبقى حذرا عندما اقتنع أن التدابير الجريئة يمكن أن تؤدي إلى استجابة صارمة.

توصيات لواشنطن

يجب أن يستعد واضعو السياسات الأميركيون لأيٍّ من هذه الاحتمالات. ويعني ذلك اعتماد نهجٍ مزدوجٍ من اليقظة الشديدة إزاء الهجمات المحتملة والتخطيط المفصَّل للمبادرات الدبلوماسية.

ويقينا، ستبرز عدة مزالق في حال استئناف المحادثات حول المسائل النووية أو غيرها من الأمور. فقد تمثّلت ممارسة إيران في التعامل مع أي تنازل سابق ذكرته الولايات المتحدة أو الأطراف الأخرى علنا على أنه محفور في الحجر ـ بعبارة أخرى، إنها تصرّ على أن مثل هذه التنازلات تشكّل نقطة انطلاق لجميع المحادثات الإضافية، دون أن تقوم إيران بأي مقايضة.

لا يمكن للنظام أن يتحمل حتى التحريض على المزيد من التشاؤم والنفور بين الناس من خطابه الثوري

فعلى سبيل المثال، إن التفسير الإيراني للرسالة التي حث فيها الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون الرئيس ترامب على التوقيع عليها من أجل تحديد موعد لإجراء مكالمة هاتفية مع روحاني خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هو أن البيت الأبيض كان يعرض رفع جميع العقوبات التي فرضها. إن إبعاد طهران عن هذا الرأي قد يكون صعبا.

وما يستحق النقاش أيضا هو كيف ينبغي على المسؤولين الأميركيين وصف أي استعداد إيراني يتم الإعراب عنه لإجراء محادثات. فقد تدفع غريزة إدارة ترامب إلى وصف ما تم تحقيقه كتبرير لسياسة ضغطها الأقصى.

ومع ذلك، قد يؤدي رد الفعل هذا إلى تعقيد جهود بناء إجماع دولي واسع النطاق في المحادثات حول اتفاقية نووية معدّلة، لأن القوى الأخرى قد تمتنع عن وصف "الضغط الأقصى" على أنه نجاح.

إن التوافق في الآراء أمرٌ مهم لأن أفضل طريقة لجعل إيران توافق على الشروط التي لا ترغب بها هي جعلها ترى أن القوى الدولية والإقليمية اتخذت موقفا موحدا. وحتى لو اقتصرت المحادثات على المناقشات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران، يشكل الضغط الناتج عن الإجماع الدولي حجة قوية لواشنطن من أجل التشاور على نطاق واسع مع الحكومات الأخرى وأخذ وجهات نظرها في الاعتبار.

پاتريك كلاوسون هو زميل أقدم في زمالة "مورنينغستار" ومدير الأبحاث في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى واشنطن

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
الخيارات المحلية والخارجية أمام خامنئي للاستجابة للاحتجاجات B6B6D3B9-E5D3-48ED-91F4-C6AEA35CFB0A.jpg Reuters الخيارات-المحلية-والخارجية-أمام-خامنئي-للاستجابة-للاحتجاجات محطة وقود محترقة في طهران 2019-11-23 03:23:38 1 2019-11-22 23:33:47 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.