عراقيون يضيئون الشموع لضحايا التظاهرات
عراقيون يضيئون الشموع لضحايا التظاهرات

522361 4

مصطفى فحص/

مرة جديدة، وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة، تعيد المرجعية الدينية النجفية وضع النقاط على الحروف، وتذكر أصحاب السلطة بما جاء في خطبتها السابقة، حيث أكد وكيل المرجعية في كربلاء، الشيخ عبد الهادي الكربلائي في خطبة يوم الجمعة أمس، أن "المرجعية الدينية قد أوضحت موقفها من الاحتجاجات السلمية المطالبة بالإصلاح في خطبة الجمعة الماضية من خلال عدّة نقاط، تضمنت التأكيد على سلميّتها وخلوها من العنف والتخريب، والتشديد على حُرمة الدم العراقي، وضرورة استجابة القوى السياسية للمطالب المُحقّة للمحتجّين".

ما نقله الكربلائي يقطع الشك باليقين، لجهة أن المرجعية باتت على قناعة شبه كاملة بأن الطبقة السياسية الحاكمة تحاول التملص من واجباتها أمام مطالب انتفاضة الأول من أكتوبر، وتتهرب من التزاماتها بإجراء إصلاحات حقيقية.

وأن هذه الطبقة ومن أجل حماية نفوذها قررت اللجوء مرة أخرى إلى حِيل الالتفاف على هذه المطالب التي باتت قاسما مشتركا بين النجف وساحة التحرير، وهي ـ الطبقة السياسية ـ مُصرة على تهديد الجميع بالفوضى والفراغ وصولا إلى الحرب الأهلية وذلك في سياق دفاعها عن المكاسب التي تحققها جرّاء سيطرتها على السلطة منذ 16 عاما.

تغلق المرجعية الأبواب والنوافذ بوجه ما تقترحه الطبقة السياسية من مشاريع للحل على قياسها

كما أن هذه الطبقة السياسية تبدي استعدادها إلى تعطيل كافة الحلول التي قد تنزع منها ولو جزءا من هذه المكتسبات، حتى لو أدى ذلك إلى استخدام المزيد من العنف ضد المتظاهرين خصوصا في المرحلة المقبلة، على غرار ما جرى في المدن الإيرانية منذ أيام عندما استخدم النظام القوة المميتة ضد المحتجين ما أدى إلى انحسار الاحتجاجات سريعا.

فالمرجعية، التي أغلقت أبوابها بوجه الطبقة السياسية العراقية منذ سنوات وترفض استقبالهم، تغلق الآن الأبواب والنوافذ بوجه ما تقترحه هذه الطبقة من مشاريع للحل على قياسها.

وقد بات ذلك واضحا من خلال إصرار المرجعية على تذكير الجميع بمطالبها التي أعلنتها في الجمعة السابقة، وهو دليل غير مباشر على إهمال السيد السيستاني لوثيقة الشرف التي وقعتها مجموعة من القوى السياسية العراقية في منزل زعيم تيار الحكمة السيد عمار الحكيم، والتي توافقت على خارطة طريق للحل تضمنت 40 بندا وأعطت مهلة 45 يوما من أجل تطبيقها.

من دون أن نتجاوز أن الوثيقة قوبلت برفض مطلق من الشارع غير المستعد لمنح هؤلاء السياسيين مزيدا من الثقة، خصوصا أن شباب ساحة التحرير وكافة ساحات العراق، تجاوزوا ما تم الاتفاق عليه في منزل الحكيم، وهذه الطبقة أعجز من أن تقوم بعملية إصلاحات، فهي غير مستعدة أن تقوم بحفر قبرها بيدها.

كلام الموسوي يعاكس إرادة المرجعية التي شدّدت على ضرورة الإسراع في إنجاز قانون الانتخابات 

إلا أن انزعاجا واضحا من الضغوط التي تمارسها المرجعية جاء على لسان عضو تحالف "الفتح" النيابية، التي تمثل فصائل الحشد الشعبي، مختار الموسوي، الذي قال يوم السبت الماضي في رده على كلام المرجعية إن "تطبيق كلمة المرجعية عمليا لا يمكن أن يحصل خلال أيام"، مضيفا " إننا نؤيد أوامر المرجعية ومطالب المتظاهرين ولكن ليس بالسهل إنجازه خلال 24 ساعة والأمر يحتاج إلى وقت وميزانية".

كلام الموسوي يعاكس إرادة المرجعية التي شدّدت على ضرورة الإسراع في إنجاز قانون الانتخابات وقانون مفوضيّتها، لأنهما يُمهدان لتجاوز الأزمة الكبيرة التي يمر بها البلد.

هذا الموقف يعزز من القناعة عند كثيرين بأن المرجعية تتصرف وفقا لقواعدها الاجتماعية والدينية وانسجاما مع دورها الأخلاقي إلى جانب المحتجين السلميين، ما دفعها إلى تحذير الطبقة السياسية لتنتبه لأن العراق ما بعد هذه الاحتجاجات لن يكون كما كان قبلها في كل الأحوال.

وعليه، تدرك المرجعية أن الانتفاضة ذات طبيعة اجتماعية عراقية، محركها الشيعة المحرومين ضد شرعية سياسية شيعية فاسدة وفاشلة. وهنا تكمن حساسيتها وتأثيرها، لذلك حذرت أن سفك الدماء قد يؤدي إلى زوال الحكم وانتقاله.

اقرأ للكاتب أيضا: إيران... حرائق الحدائق الخلفية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
النجف بين أزمة النظام وسلوك السلطة A069881F-411A-4B05-B215-6DBF127DDECC.jpg AFP النجف-بين-أزمة-النظام-وسلوك-السلطة عراقيون يضيئون الشموع لضحايا التظاهرات 2019-11-23 01:43:59 1 2019-11-22 19:53:16 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.