522371 4

مشرق عباس/

ليس الأمر وكأن انتفاضة تشرين العراقية الغاضبة، قد خلت من المظالم الشخصية والمطلبية، لكن جوهرها العميق يخص تلك الصرخة المؤلمة التي نطق بها الشباب منذ أول أيام احتجاجهم: "نريد وطنا".. ويتحول هذا الشعار إلى جوهر التظاهر، ويختصر مجمل الاضطراب والارتباك الذي أصاب النخب الحاكمة وما زال في التعاطي معه.

أن يفشل عراق ما بعد 2003 بأن يكون وطنا، بالمعنى الواسع للكلمة، فليس لأنه يفتقر إلى مقومات الوطن، وليس لأنه "وطن مخترع" كما زعمت أوساط سياسية مختلفة، كما أنه ليس وطن طوائف كما استقرت الأحزاب التي جيء بها مع الاحتلال الأميركي على تسميته، بل لأنه وطن فعلا في حدوده التاريخية وفي امتداده الحضاري وفي هوية سكانه المتميزة والغارقة حد المرض أحيانا في النرجسية الوطنية.

عندما أخفقت النخب السياسية في فهم صراخ الباحثين عن وطن، فلأن معظمها كان قد قطع تلك العذابات النرجسية في سنوات اغترابه، واستبدل ختم الطائفة ببطاقة هويته التي حملت نسر الجمهورية، فالعراق كان وطنا ظالما على أية حال لأبناء شعبه، دفع بهم إلى المجازر والمنافي، واستباح ثرواتهم في انقلابات وحروب وصراعات دفعوا وحدهم أثمانها، حتى أصبحوا أغرابا فيه، وصار غريبا بينهم.

لا يمكن لمن لا يفهم معنى الوطن أن يطرح الأسئلة الصحيحة

لم يفهم الساسة المنتشون بالسلطة بعد الإذلال، وبالمال بعد العوز، أن تكون ثمة حكومة وبرلمان وانتخابات وهيئات ومؤسسات وجيش وقوى أمنية في هذه البقعة من الأرض، ولا يكون هناك وطن!

لم تفهم ممثلة الأمم المتحدة، التي استمرت في محاولة الحصول على وفد تفاوضي من المتظاهرين مع الحكومة ذلك. ولم تفهم دول ديمقراطية مهمة عبر العالم، ولم تتمكن الهيئات الدينية والعشائرية من استيعاب المشهد المهول، فسقط الجميع في التأويل، وانشغلوا عن فك رموز الشعار الاحتجاجي، بكيفية إعادة هؤلاء الشباب المغامرين إلى منازلهم، وكان القتل والخطف والترهيب والتهديد وتلفيق التهم، أسلحة تقليدية بيد من يمتلك القرار وتعوزه حكمة التاريخ.

كان السؤال الأساسي عن شكل الوطن الذي يريده هؤلاء؟ هل يريدون وطنا بعثيا أو صداميا مثلا؟ ولأن السؤال خاطئ، جاءت الإجابات على هيئة حملة تشكيك بنيات شباب ولد معظمهم بعد نهاية حقبة البعث برمتها؛ فهم ليسوا مجرد متمردين أغوتهم الدعاية البعثية التي لا أحد يعرف أين هي بالضبط وما تأثيرها! مثلما لا أحد يعرف حقيقة ووزن المتبقين من رموز هذا الحزب فعليا!

وتاليا.. كان الحديث ينطلق عن حملات تمويل خليجي وأميركي لهذا الحراك الشعبي المهيب، متناسين أن المال لو كان يغوي العراقيين لأغواهم المال الإيراني المفتوح في تمويل وسائل الإعلام والمليشيات الإلكترونية والمواقف المهادنة، بل أن مال أصدقاء إيران في العراق الذين استولوا على مؤسسات الدولة واستقطعوا حصصا من صفقاتها، بات مضرب المثل في سخائه على من ينتمي إلى هذا المحور ويدافع عنه، والأهم من كل ذلك أي مال يمكن أن يدفع شبابا في عمر الزهور للتضحية بأنفسهم أمام مذبحة القناصين المدافعين عن أسوار المنطقة الخضراء؟

الوطن العراقي يجمع أبناءه لا يشردهم في المنافي وخيم النزوح

لا يمكن لمن لا يفهم معنى الوطن أن يطرح الأسئلة الصحيحة، وهذا ما كان في مسرح العراق الدامي؛ فأن يطالب المراهق بوطن، فلأنه يلمح الظلم الاجتماعي الذي يسمح لابن مسؤول في حيه أو مدرسته بالتعالي الفج عليه؛ وأن يريد الشاب وطنا فلأنه بدأ يفهم أن وطنه غني بإمكاناته وأن ما يعيقه هو الإدارة الفاشلة لبلد يمتلك كل إمكانات النجاح؛ وأن يطلب الموظف الحكومي وطنا، فلأنه يشهد عملية الإفساد الممنهجة التي دأبت عليها الأحزاب وهي تقتسم مؤسسات الدولة وتلوي قوانينها وتتاجر بمقدراتها وتعظم شأن المتسلقين والنفعيين والفاسدين على حساب الشرفاء النزيهين؛ وأن يصرخ الشيخ مطالبا بوطن فلأنه بدد سنوات عمره في الحروب مضرجا بدم زملاء وأصدقاء وأبرياء ولا يريد لأحفاده أن يسحقوا تحت سرف الدبابات.

البداية من السؤال نفسه، فالوطن الذي يليق بشعب يفترش الساحات من أسابيع بلا كلل ولا تراجع، هو وطن سيد لا ينصّب زعماءه ولا يقيلهم أجنبي، ولا يحدد قراراته جار أو شقيق أو صديق، ولا يبدد شبابه دفاعا عن مصالح غيره.

الوطن العراقي يجمع أبناءه لا يشردهم في المنافي وخيم النزوح، ومع كل اختلاف لا يشكك بوطنيتهم، ولا ينصب المشانق لأفكارهم فهو وطن يرعاهم، يشعرون أنه ملكهم يتقاسمون قراره ويدافعون عن مصيره، عادل بينهم، لا يفرق على أساس الطائفة والعرق واللون والمعتقد، يربي الأجيال القادمة على حفظ الأمانة الوطنية لا إهدارها، كما يربيهم على أن الديمقراطية منهج حياة وسلوك ورؤية وليس لعبة انتخابات ومناصب.

لم يكونوا حالمين.. أو ربما هم كذلك، وما ذنب حالم إذا كان يحلم بوطن؟

اقرأ للكاتب أيضا: هل انتهى الاحتجاج العراقي؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
العراقي إذ يريد وطنا! 45EFEC15-EBC8-4566-8C04-DDD153015C24.jpg AFP العراقي-إذ-يريد-وطنا عراقيون يكرمون ضحايا التظاهرات 2019-11-24 03:29:14 1 2019-11-22 21:34:26 0

عائلة جورج فلويد

تحدث كل من الرئيس دونالد ترامب والمرشح الديمقراطي المفترض لانتخابات الرئاسة جو بايدن الجمعة، إلى عائلة جورج فلويد، الذي توفي على يد شرطي في مينيابوليس.

وقال خلال حديث في البيت الأبيض "أتفهّم ألمهم"، مضيفاً "عائلة جورج لها الحقّ في العدالة".

وعبّر ترامب عن استيائه عندما شاهد فيديو حادثة مقتل فلويد، واصفا الحادثة بأنها "دنيئة ومفجعة"، على حد قول الناطقة باسمه كايلي ماكيناني. 

وتوفي فلويد، وهو مواطن أميركي أسود، بعد أن أمسك الضابط ديريك تشوفين، كما أظهرت مقاطع فيديو متداولة على شبكة الإنترنت ووسائل الإعلام، ركبته بقوة على عنق فلويد لمدة سبع دقائق على الأقل.

وألقي القبض على شوفين الجمعة واتهم بقتل فلويد. 

وقبل اعتقاله، أحرق المتظاهرون ونهبوا المباني في منيابوليس، بما في ذلك دائرة شرطة.

وقال ترامب: "لدينا متظاهرون سلميون وندعم حقوق المتظاهرين السلميين، لا يمكننا السماح لموقف مثل ما حدث في مينيابوليس بالهبوط بنا إلى أبعد من هذا".

ووصف ترامب ما يحدث بـ"حالة انعدام القانون والفوضى".

وقال أيضًا إنه يتفهم أذى وألم الأشخاص الذين "عايشوا الكثير من الألم".

وأضاف "عائلة جورج لها الحق في العدالة وشعب مينيسوتا له الحق في العيش بأمان" ثم تابع "القانون والنظام سيسودان".

 

جو بايدن: تأثرت بشجاعة عائلة جورج

 

إلى ذلك، كشف نائب الرئيس السابق جو بايدن الجمعة إنه تحدث مع عائلة جورج فلويد، وقال بايدن لـ شبكة أخبار "سي أن أن إنه تأثر بشجاعتهم خلال هذه الفترة المؤلمة التي لا يمكن تصورها.

وأضاف المرشح الرئاسي الديمقراطي المفترض لانتخابات نوفمبر القادم، إنه تحدث مع عائلة فلويد بمناسبة مرور خمس سنوات على وفاة نجله بو بسبب سرطان الدماغ.

وقال بايدن "حاولت أن أعطيهم بعض العزاء من قبيل كيفية العيش مع ذكرى جورج".

وفي وقت سابق من اليوم، دعا بايدن الأميركيين إلى مواجهة الظلم العنصري في الأمة، وقال إن الوقت قد حان "لإلقاء نظرة فاحصة على الحقائق غير المريحة". 

وجاءت تصريحات بايدن بعد أيام من الاحتجاجات في منيابوليس وفي جميع أنحاء البلاد بشأن وفاة فلويد.

بايدن قال كذلك خلال كلمة ألقاها من منزله في ديلاور "نرى بوضوح أننا بلد يعاني من جرح مفتوح، ولا أحد منا يستطيع أن ينكره، ولا أحد منا يمكن أن يبقى صامتًا حيال ما يحدث".

وتابع نائب الرئيس أوباما السابق "نحن بحاجة إلى إصلاح حقيقي للشرطة، يحاسب رجال الشرطة السيئين ويصلح العلاقات بين عناصر إنفاذ القانون".