السفيرة يوفانوفيتش في الكونغرس للإدلاء بشهادتها
السفيرة يوفانوفيتش في الكونغرس للإدلاء بشهادتها

522649 4

هشام ملحم/

على مدى أسبوعين مثل عدد من المسؤولين والديبلوماسيين الحاليين والسابقين خدموا في مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع أمام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب التي تجمع الأدلة لمحاكمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأكدوا بدرجات متفاوتة من اليقين أن ترامب كان يشرف على ما وصف "بقناة غير رسمية" بهدف الضغط على أوكرانيا من خلال تعليق صفقة أسلحة دفاعية وتأجيل اجتماع في البيت الأبيض مع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، مقابل أن تجري السلطات الأوكرانية تحقيقات بنائب الرئيس السابق والمرشح الرئاسي جوزف بايدن.

نشاطات هذه القناة غير الرسمية، التي كان يحركها رودي جولياني المحامي الشخصي للرئيس ترامب، تتناقض وتتعارض مع السياسة الأميركية الرسمية تجاه أوكرانيا، أي دعمها عسكريا ضد العدوان الروسي، كما تم التعبير عن ذلك بموافقة الكونغرس على صفقة أسلحة بقيمة 400 مليون دولار تقريبا.

كان ترامب كان يبحث عن معلومات محرجة، أو كما قيل "قذرة"، عن جوزف بايدن الذي كان مسؤولا عن سياسة الرئيس السابق باراك أوباما تجاه أوكرانيا وتحديدا مكافحة الفساد فيها، وأيضا عن نجل نائب الرئيس، هنتر بايدن الذي عيّن في مجلس إدارة شركة بوريسما الأوكرانية للغاز مقابل راتب سخي خلال وجود والده في اليت الأبيض.

ترامب، وفقا لما رشح عن جلسات الاستماع العلنية، كان يسعى لتوريط أوكرانيا في معركته الانتخابية المقبلة، كما فعل حين استفاد من تدخل روسيا لصالحه في انتخابات 2016. الديمقراطيون يقولون إن ما فعله ترامب مخالف للقوانين ويمثل استغلالا صارخا لصلاحياته الدستورية، وهي انتهاكات تتطلب محاكمته.

المهاجرون الثلاثة كانوا يحصّنون أنفسهم ضد الهجمات الحتمية التي ستشكك بصدقيتهم

ترامب وأنصاره يقولون إنه لا توجد أدلة تثبت وجود "صفقة" لمقايضة الأسلحة بالتحقيقات القضائية، وإنه تم الإفراج عن الأسلحة ولم تقم أوكرانيا بأي تحقيق، وبالتالي لا مبرر لمحاكمة الرئيس.

وأظهرت جلسات الاستماع بتفاصيلها المثيرة ومؤامراتها الغريبة واللغة غير الديبلوماسية التي استخدمت في الاتصالات والمكالمات الهاتفية، بما فيها كلمات بذيئة، وأخرى لاتينية، إلى أي مدى تختلف إدارة الرئيس ترامب عن الإدارات الجمهورية والديمقراطية السابقة، وكيف حوّل ترامب البيروقراطية الأميركية الضخمة ـ وزارتي الدفاع والخارجية ومجلس الأمن القومي ـ إلى ما يشبه شركة ترامب الخاصة للعقارات، حيث يتصرف الرئيس بصفته المرجع الوحيد الذي لا تخضع أوامره إلى أي نقاش ولا تقبل قراراته أي تعديل.

وكشفت جلسات الاستماع أيضا التأثير الكبير لنظريات المؤامرة التي يؤمن بها الرئيس ترامب والمشرعين الجمهوريين الذين يدافعون عنه حول هوية الطرف الخارجي الذي تدخل في انتخابات 2016، حيث يدعي هؤلاء أن أوكرانيا هي التي تدخلت في الانتخابات لصالح هيلاري كلينتون ـ من دون تقديم أي أدلة مقنعة ـ وليس روسيا كما تبين الأدلة والحقائق والمعلومات التي كشفتها أجهزة الاستخبارات الأميركية، وتحقيقات المحقق الخاص روبرت مولر، وتحقيقات لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ والتي يرأسها السناتور الجمهوري ريتشارد بور.

كما أظهرت جلسات الاستماع، كيف تحولت "القناة غير الرسمية"، بما في ذلك نشاطات رودي جولياني وغوردون سوندلاند السفير من خارج الملاك الدبلوماسي الذي عينه ترامب سفيرا لدى الاتحاد الأوروبي، إلى منافس ونقيض للقناة الرسمية التي لم تكن على اطلاع تام حول ما تفعله القناة غير الرسمية، وكيف أدى هذا التناقض إلى طرد السفيرة الأميركية في كييف ماري يوفانوفيتش من منصبها وكيف طالبتها مسؤولة في وزارة الخارجية في اتصال هاتفي بمغادرة أوكرانيا فورا، والعودة إلى واشنطن "بأول طائرة متوفرة". وكان ترامب قد ذكر السفيرة يوفانوفيتش في مكالمته الهاتفية الهامة مع الرئيس زيلينسكي في 25 يوليو الماضي التي تمحور حولها النقاش، حين وصفها "بتلك المرأة" التي قال إنها سوف تواجه بعض المشاكل في واشنطن بعد عودتها من أوكرانيا، وهي إشارة لم تكن يوفانوفيتش على علم بها إلا بعد أن نشر البيت الأبيض ملخصا عن المكالمة قبل شهرين، والتي رأت فيها تهديدا لها، من قبل الرئيس ترامب.

المكالمة الهاتفية التي يدعي ترامب أنها مثالية وبريئة، تؤكد أنه عندما أثار الرئيس زيلينسكي مسألة المساعدات العسكرية، طلب منه الرئيس ترامب "خدمة" تتمثل بإجراء تحقيقات قضائية بشأن جوزف بايدن ونجله هنتر.

هذه المقايضة عرّفت الشعب الأميركي على العبارة اللاتينية الشهيرة: quid pro quo والتي تعني حرفيا "شيئا مقابل شيء". واستمع الأميركيون لرئيسهم وهو يكرر يوميا أنه لم يكن هناك أي quid pro quo في الاتصالات مع أوكرانيا. ولكن معظم الشهود الذين مثلو أمام لجنة الاستخبارات أكدوا وجود مقايضة ضمنية، وكان أبرز هؤلاء غوردون سوندلاند الذي تبرع للجنة تنصيب ترامب بمليون دولار، والذي أكد خلال جلسة التحقيق معه أنه بعكس ما يقوله ترامب كان هناك "شيء مقابل شيء": "سلاح مقابل تحقيق قضائي".

الديبلوماسي في السفارة الأميركية في كييف دافيد هولمز نسب إلى السفير سوندلاند قوله إن الرئيس ترامب غير مهتم على الإطلاق بمكافحة الفساد في أوكرانيا، وأنه مهتم فقط "بالقضايا الكبيرة"، التي تهمه شخصيا مثل التحقيق بنائب الرئيس السابق جوزف بايدن ونجله.

وهذا ما تؤكده الحقائق. ففي سنتي 2017 و2018 وافق الرئيس ترامب على تسليح أوكرانيا، وذلك في الوقت الذي كان فيه هنتر بايدن عضوا في مجلس إدارة شركة بوريسما، وفي الوقت الذي كانت فيه بوريسما شركة فاسدة كما يقول ترامب وأنصاره. الفارق الوحيد هو أنه لم تكن هناك حملة انتخابية آنذاك، بينما نحن الآن في خضم معركة انتخابية بدا فيها جوزف بايدن قبل أشهر المرشح الأوفر حظا بالحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات 2020، ما دفع بالرئيس ترامب إلى البدء بحملة الضغوط على أوكرانيا للتحقيق بنشاطات المرشح بايدن ونجله.

يفتقر الحزب الجمهوري اليوم إلى الشخصيات القوية والمستقلة بقراراتها

وأبرزت جلسات الاستماع عمق وخطورة الاستقطابات السياسية في البلاد والمرارة التي يتسم بها السجال بين المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس، والسيطرة شبه المطلقة للرئيس ترامب على الحزب الجمهوري.

يوافق الجمهوريون على ادعاء ترامب بأن جلسات الاستماع هي "خدعة" تقف وراءها "الدولة العميقة" التي تمثلها أجهزة الاستخبارات، وتنشرها وسائل الإعلام التي "تلفق" الأخبار. ولهذا لم يوافق أي عضو جمهوري في الكونغرس على ضرورة البحث بمحاكمة ترامب بتهم انتهاك القوانين الأميركية وإساءة استخدام صلاحياته.

خلال تحقيقات الكونغرس بفضيحة ووترغيت بين عامي 1973/74 كان هناك أصوات جمهورية نافذة وذات سمعة وطنية جيدة لعبت دورا بارزا في التحضير لمحاكمة الرئيس ريتشارد نيكسون. وكان نيكسون قد اضطر إلى الاستقالة من منصبه ـ وأصبح بذلك أول رئيس يستقيل من منصبه في تاريخ أميركا ـ بعد أن زاره وفد جمهوري من الكونغرس لإعلامه بأن الحزب الجمهوري لن يكون قادرا أو مستعدا لإنقاذه من المحاكمة والعزل.

يفتقر الحزب الجمهوري اليوم إلى الشخصيات القوية والمستقلة بقراراتها، وهو يختلف نوعيا عن الحزب الجمهوري في سبعينيات القرن الماضي، والذي كان يضم شخصيات لها وزنها ومعروفة باستقلالية قراراتها مثل السناتور هوارد بيكر والسناتور باري غولدووتر. أنصار ترامب في مجلس الشيوخ، مثل السناتور ليندزي غراهام، ادعوا أن جلسات الاستماع هي مضيعة للوقت وغير مبررة، ووصل الأمر بالسناتور غراهام للقول إنه لن يقرأ أي شهادة لأي مسؤول يمثل أمام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب.

أبرز مفارقة في جلسات الاستماع كانت أن أبرز وأقوى الشهود ليسوا من مواليد الولايات المتحدة، بل أتوا كمهاجرين خلال طفولتهم أو شبابهم مع أهلهم إلى أميركا. الشهود الأكثر تأثيرا وفصاحة كانوا المهاجرين الثلاثة: السفيرة ماري يوفانوفيتش، والكولونيل ألكسندر فيندمان، والمسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي فيونا هيل. الثلاثة تحدثوا عن خلفياتهم كمهاجرين هرب أهلهم من النازية أو الشيوعية ولجؤوا إلى الولايات المتحدة للعيش بحرية.

تحدث الثلاثة عن حبهم لأميركا وامتنانهم لفرصة خدمة بلادهم الجديدة أما ديبلوماسيا وسياسيا مثل يوفانوفيتش وهيل، أو عسكريا مثل الكولونيل فيندمان. قال المهاجرون الثلاثة إنهم خدموا أميركا خلال إدارات جمهورية وديمقراطية وشددوا على حيادهم السياسي.

ولكن تفاني المهاجرين الثلاثة في خدمة أميركا واعتزازهم بها، له وجه آخر أقل إشراقا. وربما شعر الشهود الثلاثة أن خلفيتهم كمهاجرين قد تكون إشكالية للبعض، وربما يجب "تبريرها" أو شرحها، خاصة وأن البلاد تعيش الآن في حقبة رئيس أميركي يفاخر بشكوكه حتى بالهجرة الشرعية إلى أميركا وعطاءات المهاجرين، كما يفاخر بعدائه السافر للهجرة غير الموثقة.

المهاجرون الثلاثة كانوا يحصّنون أنفسهم ضد الهجمات الحتمية التي ستشكك بصدقيتهم ونواياهم وحتى بولائهم لأميركا. وكانت السفيرة يوفانوفيش، والكولونيل فيندمان قد تعرضا إلى هجمات شرسة من وسائل الإعلام اليمينية والتي ألمحت إلى أن فيندمان هو جاسوس، أو أنه مزدوج الولاء لأميركا وأوكرانيا، الوطن الأصلي لأبويه.

أبرزت جلسات الاستماع عمق وخطورة الاستقطابات السياسية في البلاد

هاجم الرئيس ترامب السفيرة يوفانوفيتش خلال مثولها أمام لجنة الاستخبارات "كل مكان خدمت فيه ماري يوفانونفيتش أصبح سيئا". غردت عضو مجلس الشيوخ السناتور مارشا بلاكبيرن تغريدة شرسة تقول إن "الانتقامي" فيندمان هو الذي يساعد الموظف في وكالة الاستخبارات المركزية الذي كشف للمرة الأولى مضمون المكالمة الهاتفية الشهيرة بين الرئيسين ترامب وزيلينسكي. وكان الكولونيل فيندمان، الذي خدم عشرين سنة في الجيش قد أصيب بجراح خلال خدمته العسكرية في العراق.

وتقوم لجنة الاستخبارات حاليا بوضع تقرير عن مضمون جلسات الاستماع وتوصياتها لترفعه إلى اللجنة القضائية التي ستقوم بصياغة بنود لائحة التهم التي ستوجه إلى ترامب مثل إساءة استخدام صلاحياته، أو محاولة عرقلة القضاء.

قبل جلسات الاستماع كانت الولايات المتحدة مشغولة بمشاكلها الداخلية، ومنذ انتخاب الرئيس ترامب وهو يحاول تخفيف أهمية التحالفات الدولية لأميركا أو الانسحاب من الاتفاقات أو المنظمات الدولية.

انشغال إدارة الرئيس ترامب خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، في خضم الحملة الانتخابية، سوف يضعف من قدرة واشنطن في التأثير على الأزمات والخلافات الخارجية ومن بينها التحديات الجديدة والملحّة في الشرق الأوسط، في أعقاب الانتفاضات الشعبية في العراق وإيران، والتي واجهها نظامين فاسدين بالحديد والنار، والثورة السلمية اللبنانية، التي عليها أن تتوقع أن يساهم "حزب الله" بشكل مباشر في قمعها.

"انسحاب" الولايات المتحدة التدريجي من العالم، وانحسار أهميتها كأبرز ديمقراطية في العالم، ومحاكمة ترامب في الكونغرس، سوف تكون لها مضاعفات نوعية وجدية على كيفية نظر الولايات المتحدة إلى نفسها، وعلى نظرة العالم إليها.

اقرأ للكاتب أيضا: هلال الانتفاضات

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الديمقراطيون يعدون لمحاكمة ترامب E012CE43-9099-4DF0-AC90-9F76D80CFECA.jpg AFP الديمقراطيون-يعدون-لمحاكمة-ترامب السفيرة يوفانوفيتش في الكونغرس للإدلاء بشهادتها 2019-11-25 14:41:57 1 2019-11-25 14:54:57 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.