522634 4

رستم محمود/

بالرغم من مرور عدة أسابيع على التظاهرات الصاخبة في كل من لبنان والعراق، فإن سلطة الحكم في كلا البلدين لم تظهر أية رؤية للتعامل مع ما يجري. تذهب السلطة الحاكمة فيهما، بمؤسساتها وأجهزتها ونخبها السياسية، إلى التعامل مع الأمر بمزيج مقلق من النكران والاحتواء وأشكال التهديد والعنف المبطن. لكنها في المحصلة لا توحي بأنها أمام معضلة جوهرية غير طارئة، تهدد نقلب كافة الأحوال والتوازنات وأشكال الحياة العامة والاقتصادية والسياسية والاجتماعية في هذين البلدين.

ما تسعى السلطة في كلا البلدين تحاشيه هو القول الصريح والدائم الذي تصر عليه انتفاضة البلدين: ثمة جماعة ما في البلاد، بالرغم من صغر حجمها، إلا أنها شديدة الامتياز، تستحوذ وتتحكم بكافة المُقدرات، تحدد المصائر العامة، وتستفرد بالسلطة والقرار الاستراتيجي، دون الرجوع والإحساس بالتوازنات والمصالح والحقوق الضخمة والأساسية للقواعد الاجتماعية والجماهيرية الأوسع في البلاد. في الوقت الذي تغرق البلاد وبسبب تلك العلاقة غير المتوازنة بين تلك الجماعة وهذه القواعد الاجتماعية الضخمة، في أوحال الأزمات الاقتصادية وتراجع التنمية وتدهور التعليم وتشوه مؤسسات المعرفة وتراجع أدوار الدولة وعدم الشعور المواطنين بالأمان العام.

ثمة ما هو سوفياتي في بنية هذا المشروع الإيراني

ثمة ترسانة من الأسباب المركبة التي تمنع السلطات الحاكمة في هذين البلدين من التعامل والاعتراف بحقيقة هاتين الانتفاضتين، لكن أساسا لأنها سلطة ظاهرة لأخرى أكثر عمقا وحقيقية، هي النفوذ والأدوات الإيرانية في كلا البلدين.

بمعنى ما، فإن انتفاضة البلدين إنما تتهيأ لاستعادة سيرة السنة الأولى من الثورة السورية، حينما كانت مطالبها بالحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وهي مطالب شديدة البساطة بالنسبة للسلطات الظاهرة، لكنها كانت انقلابية وإطاحة بنواة السلطة الصلبة في البلاد، تلك الحلقة المؤلفة من تحالف طبقة الحاكمين المغلقة، مع أجهزتهم العسكرية والأمنية، المتحالفين عضويا مع سلطة الهيمنة الإقليمية الإيرانية. والتي هي بالضبط هوية الانتفاضات المتتالية التي تشهدها إيران نفسها بين فترة وأخرى، وبنفس المنطق ضد السلطة ذاتها.

♦♦♦

بترتيب تلك الحلقات سوية، في الدول الآنفة الذكر، ومعها الكثير من المواقع الإقليمية المطابقة الأخرى، فإننا أمام مشهد بالغ الخطورة: على طرفي خندق المنطقة، وفي كل الدول الإقليمية المذكورة، ثمة قوتان كبيرتان متواجهتان، لم تعد تملك أية قدرة على التعايش فيما بينها بأي شكل. من طرف ثمة قوة ملايين المنتفضين من مجتمعات هذه الدول، مندفعة لاستحواذ حقها بامتلاك مصائرها بأي ثمن. وفي الدفة الأخرى ثمة المشروع الإيراني العابر للحدود والوطنيات والخصائص الداخلية لأية دولة، يستميت في سبيل الحفاظ على هيمنة في كل بقعة من هذه الدول، ويعتقد بأن فقدانه لنفوذه في أية دولة إنما هو إطاحة تامة بنفوذه في باقي المناطق.

ضخامة المشروع الإيراني تجعل من مواجهته مغامرة كبرى، لأنها تعني أولا مواجهة هذه الضخامة. فالتوسع العابر للحدود إنما هو نفي أية قدرة للحساسيات والحسابات الوطنية من التحرك وإيجاد حلول موضوعية معقولة لمعضلات هذه البلدان. 

فالمشروع الإيراني، الذي كان على الدوام تجاوزا لكل الحساسيات الداخلية ومحطما لها، إنما صار يحول بينها وبين قُدراتها على تنمية وعيها وأدوات فعاليتها في كل بلد بذاته. تلك الحساسيات التي صارت أضعف وأكثر تلوثا ودون مستوى إمكانية إيجاد حلول "وطنية" لانتفاضات تستميت في سبيل الحفاظ على نفسها كتحركات محلية وطنية، دون أي تأثير إقليمي، وللتخلص من ذلك التأثير.

النزعة الأيديولوجية الدينية الطائفية الإيرانية ليست مجرد قشرة خطابية بسيطة

ثمة ما هو سوفياتي في بنية هذا المشروع الإيراني، والذي منع عبر "مبدأ بريجنيف" التغيير الديمقراطي في الكثير من بلدان آسيا وأميركا الجنوبية وأوروبا الشرقية، لأنه كان يعتبر ذلك التغيير إنما هو إطاحة بكل سطوة الاتحاد السوفياتي العالمية. إذ لم يكن السوفيات يتخيلون توقف التغيير في بلد ما فيما لو تحقق، وهو ما حدث في المحصلة، بعدما استماتوا لأربعة عقود في سبيل ذبحه.

النزعة الأيديولوجية في بنية المشروع الإيراني تكمل استعصاء الضخامة، ويدفعان سوية المواجهة نحو الهاوية. فالأدوات القوى الإيرانية في مختلف هذه البلدان، وحتى في إيران نفسها، قادرة لأن تعتبر هذه الانتفاضات إنما هي مناهضة للطائفة الشيعية، سلطة ودورا وديموغرافيا، حتى لو كانت تندلع ضمن البيئة الشيعية نفسها، فالأدوات الإيرانية قادرة بكل بساطة لأن تقول عن هؤلاء المنتفضين "شيعة السفارات".

النزعة الأيديولوجية الدينية الطائفية الإيرانية ليست مجرد قشرة خطابية بسيطة، كما كانت النزعة القومية في المشروع الناصري، أو الشيوعية في المشروع السوفياتي. فالنزعة مرتبطة بالدين والطائفية، تبقى محافظة على حيويتها واتقادها وخطورتها الدائمة، خصوصا وأنها تحدث في منطقة متخمة بذاكرة تاريخية حديثة وأليمة في ذلك الاتجاه، وما يزال الدين الطائفي فهيا الديناميكية الأكثر ثراء وفتنة وقابلية للاستخدام.

لا تكفي العبارات "المسطحة" حول البعد الوطني للانتفاضات في تجاوز هذه المحنة. ففي ذاكرة منطقتنا السياسية الكثير من الهبات "الوطنية" التي انقلبت بفعل قدرة الفاعلين لأن تتحول إلى مواجهات مقنعة بين الجماعات الطائفية. من حرب لبنان الطويلة وصولا للثورة السورية، مرورا بالأحزاب والمنظمات والنقابات المدنية، المستندة في حقيقتها إلى واحدة أو أخرى من تلك العصبيات الطائفية.

يحدث ذلك في وقت تكاد تكون منطقتنا خالية من أي تيار سياسي أو أيديولوجي مقابل للمشروع الإيراني وذو مضمون ومعنى.

فطوال العقود الثلاثة الماضية، كانت صرعات الدول والطوائف والجماعات والقوى السياسية في منطقتنا شبه عدمية، دون أية قيمة مضافة حداثوية وتقدمية تميز واحدة منها عن الأخرى.

فما الفرق مثلا، في ذلك الاتجاه، بين حركة الإخوان المُسلمين السنية ونظيراتها الشيعية الكثيرة؟! وعلى نفس المنوال يمكن تحديد عدد لا متناهٍ من القوى الأيديولوجية والتنظيمية المتصارعة فيما بينها سلطويا، والمتطابقة في الآن ذاته قيميا: بين نظام صدام حسين ونظيره الخميني، بين المحور الإيراني ونظيره الخليجي، بين الأسد ومعارضيه الإسلاميين، بين أردوغان والسيسي، وهكذا.

تحطيم المشروع الإيراني ليس أقل استعصاء من تحقيقه، لذا إنه خريف شعوبنا الطويل

إذ صحيح أن هذه الهبات الحديثة في وجه النفوذ الإيراني إنما هي طليقة ودون أي إطار ضابط، لكن الصحيح أنها مهددة بالاندثار والتبدد في أي وقت، ما لم تحمله وتترجمه قوى سياسية واضحة المعالم إلى مشروع وإنجاز سياسي، تستطيع أن تحوله من اندفاعة إلى فعل ومنجز، ولو على المستوى النظري والأيديولوجي على أقل تقدير.

الأمر ذاته ينطبق على نفور العالم من منطقتنا، على ميول هذا العالم لترك هذه المنطقة لمصيرها، بعدما صارت ثقيلة الوقع بكل حركاتها. لا تملك القوى الفاعلة على مستوى العالم أية رغبة للانخراط في مشروع طويل الأمد في المنطقة، حتى لو كان لصالح تحقيق الديمقراطية وتحطيم النفوذ الإيراني العابر للحدود.

يكاد العالم الفاعل، وعلى رأسه الولايات المتحدة، أن يقول لشعوب المنطقة: "فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون". وإيران أكثر من تعرف وتستخدم ذلك لصالحها، والتجربة السورية بين يديها أكبر برهان.

جميع الدلائل تقول بأن المشروع الإيراني نحو السيطرة المطلقة على دول المنطقة استراتيجيا وتحطيم كامل شبكة التنظيمات والحساسيات المعترضة على ذلك، إنما هو مشروع صار بحكم استحالة التحقق، وأنه يعيش موتا ذاتيا متقادما. لكن نفس الدلائل تشير إلى أن تحطيم هذا المشروع ليس أقل استعصاء من تحقيقه، لذا إنه خريف شعوبنا الطويل.

اقرأ للكاتب أيضا: ثورة إيران على أربعة عقود من التراكمات

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

خريفنا مع المشروع الإيراني 3C889B57-D996-4AC4-99B8-088A6B2E03E2.jpg AFP خريف-المشروع-الإيراني متظاهر عراقي في ساحة التحريري 2019-11-25 12:56:02 1 2019-11-25 13:16:16 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.