جانب من هجوم لمؤيدين لحزب الله على معتصمين في بيروت- 25 أكتوبر 2019
جانب من هجوم لمؤيدين لحزب الله على معتصمين في بيروت- 25 أكتوبر 2019

مع استمرار الهجمات التي يشنها عناصر من حزب الله ومؤيدوه على لبنانيين يشاركون في الاحتجاجات التي وحدت المواطنين على اختلاف طوائفهم ضد النخبة السياسية التي تسيطر على السلطة منذ الحرب الأهلية، يبدو أن قناع الحزب الأقوى في البلاد سقط وأن وجهه الإرهابي تكشّف للعلن مرة أخرى.

فقد عاد حزب الله لممارسة اعتداءات لجأ إليها في السابق لإرهاب وإسكات معارضيه، شبهها البعض بباقي التنظيمات الإرهابية من قبيل القاعدة وداعش. فهو اليوم "يكشف وجهه الحقيقي بعد فشل كل محاولاته لبث الفوضى لمواجهة الثورة السلمية التي تتجاوز كل مصائب المجتمع وتحاول إعادة الثقة بين السلطة والمجتمع الدولي"، بحسب ما صرح به لموقع الحرة إلياس عطا الله، النائب اللبناني السابق.

هذا الحزب الذي أطلقته طهران مطلع الثمانينيات، يدعي أنه من أشرس المدافعين عن المواطن العادي ويتبنى المقاومة شعارا له. لكن الأزمة التي تعصف بلبنان والتي اندلعت نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية وفشل الحكومة، التي يعد حزب الله من أكبر اللاعبين فيها، عرت أكاذيب الحزب وأمينه العام حسن نصر الله.

نصرالله، وقف ضد الحراك الشعبي المطلبي ولم يتردد في تخوين المواطنين الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم، بل تعدى ذلك ليطلق، في إطار محاولاته البائسة، مخربيه لبث الرعب والفوضى في صفوف المحتجين بعد فشل جهوده السياسية.  

و"الثورة" المستمرة منذ 17 أكتوبر، أظهرت مدى هشاشة سيطرة حزب الله على السلطة. ولأنه بات يشعر أن نجاحها قد يكتب نهايته، كشف عن وجهه الحقيقي ليظهر من خلال الخطابات المبطنة ميله إلى معالجة الأزمة بعنف غير مسبوق.

وبحسب عطا الله، فإن حزب الله اليوم يؤكد مجددا أنه حزب متشدد غير مستعد للتسليم بأن السلطة التي استحوذ عليها في غفلة من الزمن سقطت أمام الوعي اللبناني الشيعي والسني على حد سواء، الذي استطاع أن يتجاوز عقودا من التقسيم الطائفي والمذهبي.

وأوضح عطا الله أن "هناك تشابها بين إرهاب كل من حزب الله والقاعدة وداعش، إذ لا يوجد شيء يمكنه أن يكون قويا إلا إذا (كان) عنده ضد مشابه، وإن هذه الحركة التي أسستها الدولة الدينية في إيران بفروعها المتعددة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، كانت على تنسيق مع التيارات الأصولية مثل الإخوان المسلمين وداعش والقاعدة التي كانت لديها مواقع داخل إيران".

أما سجل الحزب فهو مليء بالعمليات الإرهابية داخل حدود لبنان وخارجها. فمن أجل تأمين وجوده وفعاليته، كان يقوم بدور "القاتل والآسر بالتنسيق مع المخابرات السورية خلال الثمانينيات، بحق الشيوعيين الذين بدأوا المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي منذ 1982"، وفقا لعطا الله.

واغتال الحزب كوكبة من المفكرين اليساريين في جنوب لبنان وبيروت، بينهم خليل نعوس وحسن حمدان وجورج حاوي، بحسب النائب اللبناني السابق.

وهناك اتهامات للحزب الله، بأنه هاجم خلال الثمانينات نساء سافرات بماء النار، لإرهاب من لا يرتدين الحجاب في معاقله.

وأشارت لبنانية، عرفت عن نفسها باسم "رشا" خلال لقاء مع موقع "Now" المتخصص بتغطية الشأن اللبناني، إلى الأيام الأولى للحزب عندما كان الشيخ عباس الموسوي أمينه العام.

وقالت إن "حزب الله كان أكثر عدائية وتخويفا في ذلك الوقت. كان إلقاء ماء النار على النساء غير المحجبات ممارسة مقبولة، وقد اتبع قواعد الدولة الإسلامية بالحرف".

ورغم تدرجه في السياسة اللبنانية حتى أصبح صاحب القرار، إلا أن مشروع هذا الحزب ليس مشروعا لبنانيا، وفق عطا الله الذي أشار إلى أنه أعلن أكثر من مرة أنه "جزء من ولاية الفقيه الإيرانية".

وبينما كان الحزب يدعو إلى إنشاء "دولة إسلامية" في لبنان، إلا أنه اكتشف بعد فترة أن "هذه الدعوة الدينية العلنية غير ملائمة لنشرها في لبنان"، وفقا لعطا الله.

وبناء على ذلك، قرر الحزب تأجيل فكرة هذه الدولة إلى مراحل لاحقة، وتراجع بشكل مراوغ، لأن أهم شيء بالنسبة له كان ترسيخ وجوده داخل المجتمع اللبناني. 

وبعد توقيع "اتفاق الطائف" الذي وضع نهاية للحرب الأهلية في 1989، والذي طالب بنزع سلاح الميليشيات، اتجه حزب الله نحو إعادة تقديم جناحه العسكري على أنه قوة "مقاومة إسلامية" تهدف إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للبلاد، ما سمح له بالاحتفاظ بسلاحه.

وكانت أول مشاركة لحزب الله في الانتخابات العامة في لبنان عام 1992.

عطا الله أوضح أن "حزب الله لا يؤمن بالأوطان، وأن لبنان بالنسبة له ليس وطنا، بل إحدى الساحات التي يجب أن تكون جزءا من الساحة الأساسية والمرجع الأساسي للدولة الدينية الفاشية في إيران".

وعلى الرغم من أن الحزب لحد الآن لا يريد أن يعلن سعيه لتحويل لبنان إلى "دولة إسلامية"، إلا أن الواقع العملي يظهر أنه يعمل على تحقيق ذلك منذ ثلاث سنوات "نتيجة ممارسته للقوة ووضع مؤسسات لبنان كاملة في فراغ ثم تمكنه عبر تسوية أمر واقع من وضع يده على رئاسة الجمهورية ومجلس النواب والحكومة"، وفقا لما يراه عطا الله.

حتى أن قائد الحرس الثوري قاسم سليماني قال في تصريح حينها "كان في لبنان مقاومة شرعية، الآن لدينا دولة شرعية مقاومة".

وخلال السنوات الثلاث الماضية، أصبحت هناك غربة بين أجهزة السلطة وانهارت مؤسساتها وابتعدت عن هموم الناس لتعزل لبنان عن محيطه وعن المجتمع الدولي، بحسب عطا الله.

وأردف "نحن لم تكن لدينا رغبة في تجاوز الحدود الدولية أو الاستمرار في المقاومة بعد تحرير أرض الحدود الدولية للبنان، لأن الأرض حينها تعود للدولة اللبنانية والجيش. لكن تبين أن المقاومة عند حزب الله ليست مهمة من أجل التحرير، وإنما مهمة من أجل نشر مشروع سياسي ديني. فاستطاعوا أن يحدوا من فاعلية جبهة المقاومة الوطنية وأن يضعوا يدهم على الشيعة من خلال إثارة النعرات المذهبية".

522696 4

حسين عبدالحسين/

في العقل "الممانعاتي"، أي عقل العرب والإيرانيين المنخرطين في "مشروع المقاومة"، لا ثورات في العالم إلا ثورتين، الإيرانية في العام 1979 والبحرينية في العام 2011، وهما ناجمتين عن وعي غالبية شعبية ضد طاغية محلي محمي بالاستكبار العالمي والإمبريالية، حسب "الممانعاتيين"، الذين يعتقدون أن الإيرانيين والبحرينيين هم وحدهم بين الشعوب ممن انتفضوا نتيجة وعيهم، لا نتيجة تحريض إمبريالي مؤمراتي.

لكن "الممانعاتيين" أنفسهم يصرّون أن التحريض الإمبريالي هو الذي أشعل ثورات لبنان في 2005 و2019، وإيران 2009 و2019، وسوريا 2011، والعراق 2019.

وفي العقل "الممانعاتي"، ثار اللبنانيون والإيرانيون والسوريون والعراقيون، إما بسبب غبائهم وعدم إدراكهم "حجم المؤامرة" التي تستهدف "مشروع المقاومة"، أو ثاروا بسبب سفالتهم وعمالتهم للاستكبار الإمبريالي ولمصالحهم الشخصية.

أما لو كان ثوار لبنان وإيران وسوريا والعراق مدركين "حجم المؤامرة" ويعملون بوطنية وضمير، فمن المستحيل أن يتوصلوا لنتيجة غير الانخراط في محور "الممانعة" ودعم "المقاومة".

اعتقد الغرب، أثناء الحرب الباردة، أن الوسيلة الأفضل لمواجهة الشيوعية وإلحادها هي دعم الأديان سياسيا

لذا، على "الممانعاتيين" تحذير من يخالفهم الرأي من مغبة ما يفعلونه، إن كانوا لا يعلمون، ثم ضربهم أو اعتقالهم، أو حتى التخلّص منهم، إن كانوا يعلمون ما يفعلون ويمعنون في ثوراتهم.

هذا يعني أن "المقاومة" هي فكرة توتاليتارية شمولية، لا تسمح بتعدد الآراء، وإن سمحت به، فتسمح بتعدد الآراء في شؤون سعر البيض أو موسم التفاح، لكن أن يكون لدى أي لبناني أو إيراني أو سوري أو عراقي رأي في السياسة الخارجية مخالف لرؤية "المقاومة" حول مواجهة الاستكبار العالمي والاستعمار والإمبريالية، فخيانة تستحق كل أنواع العقاب.

وفي العقل "الممانعاتي" روايات تاريخية مزيفة منسوجة لتتناسب والسياسة الحالية لهذا المحور، فالثورة الإيرانية في العام 1979 لم تكن لتنجح لولا الدعم الغربي الإمبريالي للإسلام السياسي في حينه، بجناحيه السني في أفغانستان ودول العرب والشيعي في إيران، لمواجهة الشيوعية. اعتقد الغرب، أثناء الحرب الباردة، أن الوسيلة الأفضل لمواجهة الشيوعية وإلحادها هي دعم الأديان سياسيا، فراحت أميركا تمد مجاهدي أفغانستان بالدعم العسكري والمادي لمواجهة الاجتياح السوفياتي.

ومثل في أفغانستان، كذلك في إيران، خشيت الدول الغربية أن يؤدي انهيار نظام الشاه رضا بهلوي المريض، الذي غادر البلاد مطلع 1979، إلى قيام نظام شيوعي. هكذا، وصل طهران، بعد رحيل الشاه بأسبوعين، الخميني، آتيا من باريس على متن الخطوط الجوية الفرنسية وبرفقة أكثر من مئة إعلامي.

لماذا لم يمنع الغرب الخميني من السفر من فرنسا إلى إيران؟ الإجابة تكمن في أن الغرب كان يستعجل وصول الخميني طهران بعد خروج الشاه، لأن المحرك الأول للثورة الإيرانية كان حزب تودة، الشيوعي الإيراني، الذي كان يعمل بدعم سوفياتي.

وللمزيد من الدلالة على أن الخميني لم يكن معارضا للغرب عند اندلاع الثورة هو بقاء السفارة الأميركية مفتوحة وتعمل قرابة تسعة أشهر بعد وصوله طهران، ولو كانت الثورة الإيرانية ضد أميركا لأنها راعية الشاه، لكان الخميني أغلق سفارتها يوم وصوله.

على أن الخميني كان في سباق مع الشيوعيين للإمساك بالثورة، وهو ما دفعه للالتفاف عليهم وعلى خطابهم المعادي للإمبريالية بدفعه جماعته لاحتلال السفارة الأميركية وأخذ الدبلوماسيين رهائن.

ولمزيد من الدلالة أن أميركا كان ترغب في مصادقة نظام الخميني، لقاء مستشار الأمن القومي زبيغينيو بريزنسكي رئيس الحكومة الإيرانية مهدي بزركان في الجزائر في 1979، ثم زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي بد ماكفرلاين طهران في العام 1986 ولقائه مسؤولا في النظام كان اسمه حسن روحاني، الذي صار اليوم رئيسا.

وبعد ريغان، تواصل جورج بوش الأب مع إيران لتحييدها عن حرب تحرير الكويت من العراق، وحاول كلينتون الانفتاح على الرئيس المعتدل حسن خاتمي. وفي عهد بوش الابن، كانت اتصالات بين ريان كروكر ونظرائه الإيرانيين في جنيف، وبعدها في بغداد، للتنسيق في حربي أفغانستان والعراق. ثم كان مجيء أوباما إلى رئاسة أميركا، وارتمائه في احضان إيران، التي وقّعت عقودا بقيمة 30 مليار دولار لشراء طائرات بوينغ الأميركية. ثم وصل ترامب ونسف العلاقة مع إيران.

لا صداقة بين إيران وأميركا، لكن لا عداء على الشكل الذي يصوّره العقل "الممانعاتي". جلّ ما تفعله إيران هو السعي للتوصل لتفاهمات مع أميركا في السرّ، ومواصلة طهران التحريض الشعبوي ضد الولايات المتحدة في العلن، لأن الصراخ ضد الاستعمار والإمبريالية يسمح لـ "محور الممانعة" بالاستمرار في نهج طغيانه وتوتاليتاريته الشمولية.

والإمبريالية حجّة يستخدمها طغاة الشعوب لإخافة ناسهم واتهامهم بالعمالة "للسفارات" وقمعهم، فالإمبريالية عمرها من عمر الحضارة، وبدونها، لم تكن الإسكندرية لتحصل على اسمها من اسكندر المقدوني، وبدون المساعدة الفرنسية لم تكن الثورة الأميركية لتقتلع الحكم البريطاني، وبدون المساعدة الأوروبية، لم يشقّ المصريون قناة السويس، ولا فكّوا لغز لغة الفراعنة، وبدون الإمبريالية الإوروبية، لما زال حكم الأتراك للعرب، ولما قامت دول لبنان وسوريا والعراق وفلسطين، ولما قامت بعدهم إسرائيل.

لا صداقة بين إيران وأميركا، لكن لا عداء على الشكل الذي يصوّره العقل "الممانعاتي"

لم تحسب أميركا والغرب أن دعم الإسلام السياسي سيرتد عليها يوما، وسيكلفها حربا معقّدة على الإرهاب ومواجهة طويلة مع إيران. على أن الدعاية الإيرانية سعت إلى تشويه التاريخ بتصوير أن أميركا دعمت مجاهدي أفغانستان السنّة ضد إيران وإسلامها الشيعي، وهو أمر غير صحيح. أميركا دعمت نشوء الاثنين، بن لادن والخميني، وعانت من عواقب ذلك. ثم قضت أميركا على بن لادن، وفرضت حصارا اقتصاديا خانقا على خلفاء الخميني.

أما ثورات الناس ضد الإسلام السياسي الشيعي في لبنان وسوريا والعراق وإيران، فلا علاقة له بالحرب الباردة، ولا بالحرب على الإرهاب، بل ثورة ضد نموذج بالٍ من الحكم، يسلّم مصير الشعب إلى الماورائيات، ويسلّم إدارة البلاد إلى رجال دين لا يفقهون في الاقتصاد، ولا في الإدارة، ولا في اللغات، ولا في العلاقات الدولية، ولا في التاريخ، بل جلّ ما يعرفونه هو قصص عن أساطير خارقة، فتختلط الحقيقة بالخيال، وتختلط لقمة عيش الناس بالخطابات والبلاغة والكلام الفارغ.

اقرأ للكاتب أيضا: لستم وحدكم يا أحرار العرب

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
ثورات أم مؤامرات؟ 4F91FE89-F2F9-4CCB-9DAC-6E83DCEEA1AE.jpg AFP ثورات-أم-مؤامرات تظاهرات طلابية في العراق 2019-11-26 12:56:18 1 2019-11-25 20:38:35 0