522959 4

زين العابدين غبولي/

في شهر فبراير، خرج الجزائريون إلى الشوارع بالملايين احتجاجا على ترشح عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة بعد عشرين سنة أمضاها في الحكم. وما بدأ كحراك سياسي عفوي ضد بوتفليقة تحول سريعا إلى مطلب شعبي بتغير سياسي جذري. تمكّن الجزائريون على مدى الأشهر التسعة الماضية من إبقاء احتجاجاتهم المتواصلة سلمية على الرغم من استفزازات النظام الحاكم، ومن الحفاظ على وحدتهم بوجه المحاولات الكثيرة التي تُبذل لتفريقهم.

واليوم لا تفصل البلاد سوى أسابيع قليلة عن الانتخابات الرئاسية المقررة. وفيما تدأب الطغمة العسكرية التي تسيطر على زمام السلطة بحكم الأمر الواقع على الضغط لإجراء الانتخابات في 12 ديسمبر، لا يزال الجزائريون يتظاهرون في الشوارع ليؤكدوا رفضهم لهذه الانتخابات ويطالبوا بتغير سياسي حقيقي وبنيوي.

في ظل هذه الأجواء السياسية المشحونة والاستياء الشعبي الراهن، تعتبر الأسابيع القليلة المقبلة جوهرية لضمان الاستقرار السياسي في الجزائر. بل إن الاستقرار في شمال أفريقيا، وحتى في منطقة البحر المتوسط عموما، رهنٌ بالانتقال السلمي والسلس للسلطة في الجزائر.

الجيش بمواجهة الشعب

صحيح أن بوتفليقة استحوذ على السلطة على مدى عشرين عاما، ولكن استقالته كشفت عن الجهة الفعلية الممسكة بزمام الحكم، وهي الطغمة العسكرية. لطالما اعتُبر الجيش المؤسسة الأكثر أهمية وشعبية منذ أن نالت الجزائر استقلالها في العام 1962. وحتى حين غاصت البلاد في حرب دموية مسلحة في تسعينيات القرن العشرين، وبالرغم من تدخل الجيش المباشر فيها، رأى الجزائريون عموما في المؤسسة العسكرية خلاصهم الوحيد.

ولكن استقالة بوتفليقة القسرية في ظل غياب أي خطة خلافة مستدامة أو عملية أجبرت المؤسسة العسكرية على الاضطلاع بدور واضح في السياسة وحتى في القضاء. والخطوة التي اتخذت على المكشوف وأكدت على تحكم القيادة العسكرية بمفاصل العملية السياسية في الجزائر جاءت من رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح الذي أعلن أن الانتخابات الرئاسية ستُجرى في 12 ديسمبر في خطاب من داخل ثكنة عسكرية.

تعاني الجزائر من مشكلة رئيسية واحدة تتمحور حول أزمة الشرعية

ومنذ تزايد ظهور قايد صالح أمام الرأي العام، أدّت خطاباته السياسية التقسيمية في غالبيتها إلى إثارة سخط شعبي وشعارات احتجاجية تطالب بوضوح بدولة مدنية تحل محل الحكم العسكري. على ضوء دينامية المد والجزر هذه الذي تتضح معالمها أكثر فأكثر بين الجيش والشعب، باتت سمعة المؤسسة العسكرية وتماسكها الداخلي معرّضين للخطر أكثر من أي وقت مضى.

ومع أن الجزائريين لا يزالون قادرين على التمييز بوضوح بين الجيش كمؤسسة وبين الطغمة العسكرية كـ "نخبة حاكمة"، لن تمضي مدة حتى يصبح هذا الفاصل مشوشا وضبابيا ـ خصوصا مع ازدياد تعقيد الوضع السياسي في الجزائر.

لقد بدأ صبر الشعب ينفذ، لا سيما بعد اطلاعه على قائمة المرشحين الرسميين للانتخابات الرئاسية، والتي تضم خمس شخصيات معروفة بأنها نتاج النظام السياسي القائم. وكثيرون ممّن آمنوا بالتغيير من خلال هذه الانتخابات باتوا اليوم يشعرون بالخيانة ويعون أن هذه الانتخابات ما هي إلا وسيلة للتجديد لهذا النظام بدلا من إنهائه.

ومع اقتراب موعد الانتخابات، ثمة دلالات واضحة على أن النظام مستعد للتصعيد من خلال ممارسة القمع العنيف، فالطغمة العسكرية ترى في هذه الانتخابات السبيل الوحيد أمامها، في حين أن رفضها لأي حوار حقيقي لن يؤدي إلا إلى مواجهة محتملة مع الشعب الذي لا يزال محافظا على سلميته.

أزمة اجتماعية اقتصادية وشيكة

علاوة على أزمة الشرعية السياسية في الجزائر، فإن تزايد المخاوف من حدوث انهيار اقتصادي تلوح في الأفق. منذ أن وقعت أزمة النفط عام 2014 بسبب تراجع سعر النفط الخام تراجعا كبيرا، ارتأت الجزائر اتباع تدابير تقشفية قاسية ـ وهي التي يعتمد اقتصادها بالدرجة الكبرى على قطاع النفط والغاز. مع ذلك، وصلت كل المحاولات الحكومية اللاحقة بتنويع الاقتصاد إلى حائط مسدود. ومع ارتفاع معدلات البطالة وسوء الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية، بات البلد مقبلا على الانفجار.

سجّلت احتياطات الصرف في البلاد انخفاضا حادا من 193,6 مليار دولار في العام 2014 إلى نحو 65 مليار دولار في يوليو 2019. وفي هذا السياق لمح وزير المالية الجزائري محمد لوكال إلى إمكانية حدوث انهيار اقتصادي في الجزائر بحلول العام 2022 حين أدلى بتصريح مقلق ذكر فيه أنه بنهاية العام 2020، لن تسمح احتياطات الصرف بالاستيراد إلا لمدة 12 شهرا إضافيا فقط.

إذا كانت المطالب بتغيير النظام السياسي سلمية حتى الآن، فالخوف من الانهيار الاقتصادي الوشيك قد يعيد إلى ذاكرة الجزائريين الأزمة التي أصابت سوق النفط العالمية عام 1986 وأسفرت عن أعمال الشغب العنيفة الشهيرة عام 1988. ومن المؤكد أن ضبابية الوضع السياسي ليست عاملا إيجابيا يشجع الاستثمار، ولكن الانتخابات المقررة ستفضي على الأرجح إلى ساحة سياسية أكثر تعقيدا تحول دون إجراء الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية التي تحتاجها البلاد أمسّ الحاجة.

التداعيات الإقليمية: استقرار أكثر اختلالا

علاوة على ما تواجهه الجزائر من احتمال عدم استقرار، ينبغي بالدول المجاورة أن تتنبه بشكل خاص إلى تأثير هذه المسائل على وضع الجزائر الأمني. فمساحة الجزائر هي الأكبر بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولهذا السبب كافحت الجزائر على مدى الأعوام الخمسة الأخيرة للدفاع عن حدودها بوجه بيئة متنامية في عدوانيتها. وما بين الاستقرار المنعدم في ليبيا ومالي، ووجود "القاعدة" المحتم والمقلق في المغرب الإسلامي، تشكلّ الجزائر اليوم جزيرة من الاستقرار في المنطقة، وشريك مهم في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب.

مصالح المجتمع الدولي تعتمد على استقرار الجزائر، ومعارضة مطالب الشعب قد يهدد هذه المصالح

وفي حين نجح الجيش الجزائري حتى الآن في إبقاء الوضع تحت السيطرة، قد يؤثر تدخّل الجيش الواضح في السياسة على قدرته على إتمام أهم واجباته، أي حماية الحدود. وقد يؤدى هذا الخلل إلى إضعاف الجهاز الأمني في الجزائر فتتمكّن بذلك التنظيمات الإرهابية وتلك المنخرطة في الجريمة المنظمة من الانتشار وتعزيز وجودها في الصحراء الجزائرية والمنطقة.

فضلا عن ذلك، إذا لم تتوصل الجزائر إلى توافق سياسي حول المرحلة المقبلة، وفي حال بلغ الغموض السياسي نقطة التصعيد على ضوء الأزمة الاقتصادية المحدقة بالبلاد، من الممكن أن يصبح قطاع النفط والغاز ـ الحيوي بالنسبة للاتحاد الأوروبي ـ معرضا للخطر.

ومتى انعدم الاستقرار في الجزائر، أصبحت البلاد هدفا للكثير من القوى الدولية ذات المصالح المتضاربة والتي تتضارب مع مصالح الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية. فروسيا سوف ترى في ذلك فرصة لتعزيز نفوذها في شمال أفريقيا بما قد يشكل خطرا على مصالح الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أما الصين فسوف تقدم المساعدة المالية للجزائر بطريقة كفيلة بتعريض المصالح الاقتصادية للقوى الأخرى للخطر.

مسار المرحلة المقبلة: تنازلات وتفاهم متبادل

تعاني الجزائر من مشكلة رئيسية واحدة تتمحور حول أزمة الشرعية. فكل الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي حصلت منذ العام 1962 تُعزى بالدرجة الكبرى إلى هذه الأزمة التي أوصلت في النهاية إلى انتفاضة فبراير. وإذ لا يخفى على أحد المحاولات المختلفة التي بذلها كلٌّ من النظام الحاكم والمعارضة لمعالجة هذه الأزمة، يبقى واضحا أن كل هذه المحاولات كانت بدون جدوى.

واليوم لن تعالج الانتخابات أزمة الشرعية هذه، بل سوف تفاقمها لا أكثر لأنها سوف تنتج رئيسا يتمتع بـ"شرعية دستورية" إنما يفتقر إلى الشرعية الشعبية. وسوف تؤدي هذه الاستراتيجية لا محالة إلى انتفاضة أخرى بحلول العام 2022، انتفاضة قد تحمل أولى بوادر العنف.

من هنا، لا يمكن معالجة أزمة الشرعية إلا من خلال حوار وطني يُعقد قبل أي انتخابات. يجب أن يقود هذا الحوار الوطني، الذي يمكن أن يتخذ شكل مؤتمر وطني، إلى اتفاق سياسي يشمل جميع الجهات الفاعلة السياسية والاجتماعية، بما في ذلك المؤسسة العسكرية. يجب على جميع القوى في الجزائر الدخول في نقاش صريح للاتفاق على بديل سياسي.

مع ذلك، قبل أي مفاوضات مباشرة مع المؤسسة العسكرية، من الأساسي حدوث نقاش داخلي بين الجهات الفاعلة في المظاهرات. فالجزائريون بحاجة إلى استعادة الثقة بمؤسسات الدولة، بما فيها الجيش. ويصعب استعادة هذه الثقة طالما أن النظام مستمر بفرض القيود على حرية التعبير والإعلام والتجمع، في حين أن توفير بيئة أهدأ تحترم حريات المواطنين وتسمح للمتظاهرين بمناقشة رؤيتهم لمستقبل الجزائر بكل حرية، وبذلك يتم التوصل في النهاية إلى توافق سياسي وبديل عملي يجعل هذه العملية الانتقالية أكثر سلاسة وسلمية.

نظرا إلى أهمية الجزائر الإقليمية، يثير هذا الغموض السياسي منذ الآن قلق المجتمع الدولي، خصوصا شركاء الجزائر في قطاعَي الأمن والتجارة، لا بل يترك وقعه عليه أيضا. وفيما لا يزال الجزائريون يرفضون أي نوع من التدخل الخارجي في شؤونهم ـ والأرجح أن يواصلوا ذلك ـ يجب أن يعي المجتمع الدولي أن اتباع أي استراتيجية تؤدي بشكل غير مباشر إلى تقوية النظام السياسي قد لا يكون الخيار الأكثر حكمة في هذا الإطار.

تسير الجزائر ببطء نحو مأزق خطير، وخطر التصعيد يزداد يوما بعد يوم

فمصالح المجتمع الدولي تعتمد على استقرار الجزائر، ومعارضة مطالب الشعب قد يهدد هذه المصالح. يعيش الجزائريون اليوم في دولة عسكرية قائمة بحكم الأمر الواقع، والإقرار بهذا الواقع هو الخطوة الأولى اللازمة لاتخاذ موقف استباقي يضمن تلبية مطالب الجزائريين ويحافظ على استقرار الجزائر في الوقت نفسه.

وفي النهاية، سواء أجريت الانتخابات أم لم تُجرَ، تخوض الجزائر أصلا مرحلة انتقالية تتطلب من كلا الطرفين، أي الطغمة العسكرية والمتظاهرين، القيام ببعض التنازلات الصعبة إنما الضرورية. إذ لا يجدر بالطغمة السياسية وضع نفسها في مواجهة مباشرة مع المتظاهرين، وعليها أن تبدأ بالإصغاء لصوت الشارع. أما المتظاهرين، فيجب عليهم أن يفهموا أن انفصال الجيش بشكل كامل ومفاجئ عن السياسة ليس ممكنا بكل بساطة، وأن التعاون مع المؤسسة العسكرية للتوصل إلى رؤية بعيدة المدى هو أسهل وأكثر سلامة من أي طريق آخر أسرع ولكن أخطر يؤدى الى المواجهة بين الشعب والمؤسسة العسكرية.

إن البلاد تسير ببطء نحو مأزق خطير، وخطر التصعيد يزداد يوما بعد يوم. وحدها التنازلات والتفاهمات المتبادلة قادرة على الحؤول دون دخول الجزائر في نوبة فوضى جديدة.

زين العابدين غبولي هو طالب جزائري بالجامعة الأميركية في بيروت. وقد شارك في العديد من القضايا السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع التركيز على الشؤون الجزائرية.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
أزمة الشرعية في الجزائر: مسار نحو المأزق D0BD9AD6-8034-492F-A3A1-E174B709AE45.jpg AFP أزمة-الشرعية-في-الجزائر-مسار-نحو-المأزق تظاهرات للطلبة الجزائريين ترفض إجراء الانتخابات الرئاسية بالشكل الذي يفترض أن تجري به 2019-11-27 15:29:14 1 2019-11-27 15:36:14 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.