من تظاهرة في لبنان خلال احتفالات عيد الاستقلال

522827 4

حسن منيمنة/

تقوم الأوطان على مقومات موضوعية. من أهمها، دون الحصر: وحدة المكان، أو ما يقارب. نظام سياسي قادر على الاستقرار والاستمرار بفعل تجاوبه مع مصالح المواطنين، كإطار منشود، أو بفعل فائض قوة لدى الحاكم، كأمر واقع. وهوية وطنية جامعة، لتكون الرابط الضامن للوحدة عند الاهتزازات.

والهوية الوطنية بدورها قد تكون وليدة تاريخ ضارب في العمق، كما هو الحال في مصر، أو قد تتشكل نتيجة سياسات وتجارب، كما جرى في العراق، والذي أخرج خلال القرن من وجوده ككيان هوية تحدّت ولا تزال توقعات اندثارها.

لبنان، والذي شاء مؤسسوه أن يكون تجربة حداثية متقدمة، تلكأ وتأخر وتخلف عن تحقيق الهوية الوطنية الجامعة، لا لغياب الأرضية الواقعية لبروزها، بل للجدلية التي عاشها ضمن نظامه بين الإقطاعية، الموروثة ثم المتجددة، والتي تسلقت على التجارب التاريخية التي تستحضر الطائفية لتثبيت الانقسامات العامودية، وبين التوجه التلقائي الاجتماعي والثقافي لتعزيز الروابط الأفقية المتجاوزة للطوائف.

هذه الثورة هي اللحظة التاريخية الأهم على الإطلاق في تاريخ لبنان

وإذا كان المفترض، ضمن الرؤية التأسيسية للبنان أن يكون دور الدولة دعم التواصل بين مكونات المجتمع، وصولا إلى التجاوز التدريجي للطائفية، فإن مصلحة الطبقة الحاكمة المتشكلة، من زعامات مختلف الطوائف، كانت شد العصب الطائفي للمحافظة على حصّتها الآنية في السلطة.

المفارقة المتحققة بالتالي كانت أن مسؤولية تحقيق الدولة الحداثية العصرية كانت ملقاة على المنظومة الإقطاعية التي أعادت التشكل ضمن حدود لبنان الكبير، ومسؤولية التدرج للخروج من البنية الذهنية الطائفية كانت كذلك مناطة بها، في حين أن هذه المنظومة تحتاج إلى الطائفية للبقاء، وبقاؤها بذاته هو نقيض الدولة الحداثية المنشودة.

تاريخ لبنان على مدى القرن الماضي لم يكن بالتالي تاريخ سعي الشريحة السياسية إلى تحقيق الوعد بدولة حداثية، بل سجال بين المتحكمين في جهدهم للمحافظة على الصيغة الموروثة المعدلة، أي الإقطاعية الجديدة، وبين الدفع الآتي من صلب المجتمع باتجاه الربط بين المواطنين على أساس الاعتبارات المصلحية والثقافية والتي تتحدى الفصل الطائفي. لا ينفي هذا التوصيف أن بعض السياسيين اللبنانيين أراد صادقا المساهمة بالخروج من المنطق الإقطاعي الطائفي، غير أن استتباب نظم العلاقات المطلبية الزبائنية وصولا إلى المحاصصة النهبية رجّح السجال ضمن التركيبة اللبنانية لصالح الإقطاعية الطائفية وحدّ من زخم تجلي التواصل الأفقي.

جميع الاحتلالات التي شهدها لبنان استفادت من وهنه نتيجة هذا السجال بين من هم في واقع الحال إقطاعييه وحداثييه لتمتّن مواقعها. آخرها الاختراق الإيراني، والذي عمل على تعزيز الفرز العامودي لما من شأنه أن يكون إحدى أكبر الطوائف اللبنانية، متكأ عليها لحضور متعاظم في طوائف أخرى، وصولا إلى تحقيق حالة جديدة فذّة لاحتلال دون جيش وافد.

تستفيد الهوية الوطنية، في معظم الأوطان، فيما يتعدى مداميك تأسيسها وتعزيزها حجرا حجرا، من لحظات تاريخية جامعة تشكل مرجعية لها في الذاكرة والعاطفة والشعور بالانتماء. لم يكن للبنان لحظة تاريخية من هذا الصنف.

أقرب ما يكون إليها كانت لحظة الاستقلال عام 1943، يوم تسارعت الأحداث لتضع كافة زعامات لبنان في صف واحد. ونزول شباب الكتائب (المسيحيين) والنجادة (المسلمين) إلى الشارع دعما للزعامات الوطنية كان كافيا لبناء سردية وطنية للاستقلال، وإن كانت ضعيفة، مع الإعلان الفعلي لقيام الإقطاعية الجديدة ضمن "الميثاق الوطني"، لتبقى هذه الإقطاعية، المستفيدة من الطائفية رغم زعمها العمل على اجتثاثها، هي عنوان جمهورية الاستقلال، باستثناء ولاية الرئيس فؤاد شهاب.

أما "الجمهورية الثانية"، أو جمهورية الطائف، فقد أتاحت تكريس الإقطاعية والإمعان بها، وصولا إلى التخلي عن زعم السعي إلى التدرج في الخروج من الطائفية، والانتقال من مشروع دولة المواطنة إلى صيغة ائتلاف الطوائف، حيث لكل طائفة كيانيتها القائمة على تمثيل قسري لمن هو مصنّف منها من المواطنين، على أساس "مناصفة" تقدم للطوائف المسيحية حصة مكافئة للطوائف الإسلامية، دون اعتبار عددي، ليصبح الوطن في واقع الحال حلبة صراع بين زعماء الإقطاعيات الطائفية لتقاسم المناهب، علّ قدرا منها يرشح إلى القواعد الموالية والمفروزة عاموديا.

أربعون يوما من الترقب من جانب الاحتلال: كيف نجيّر، كيف نمنع، كيف نبطل؟

لم يتمكن لبنان "الجمهورية الثانية" من إنتاج اللحظة التاريخية الجامعة. لحظة التحرير في مايو سنة 2000، كان من شأنها أن تكون لحظة وطنية. غير أن مقاومة الاحتلال كانت قد صودرت باتجاه حصرية مانعة. فبدلا من أن يؤسس اندحار المحتل لذاكرة وطنية، جاء ليشكل لحظة تاريخية لتثبيت ما اصطلح على تسميته فيما بعد "بيئة المقاومة"، أي أنه أرسى، قدر إمكانه، وعيا جماعيا شيعيا لبنانيا منفصلا عن الجو الوطني العام. وهذا الوعي إن عمل في مراحل تالية على الانسجام مع سائر الوطن، فمن منطلق المحافظة على الخصوصية، بما في ذلك السلاح والتبعية للخارج، والأخطر، بناء على مزيج ملتبس من الأحقية والمظلومية والاستعلاء والاستقواء.

آذار 2005 شهد إمكانية أن يكون لحظة تاريخية لاستقلال لبناني حقيقي. الساحات شهدت التدفق التلقائي الطوعي للبنانيين من كافة الطوائف والانتماءات. غير أن مُخرج المشهد ومُنتجه كانت أحزاب الإقطاعية وزعاماتها، وإن صدقت في نواياها بلوغ الجديد. ربما.

مع عدم اشتمال تشكيلة الأحزاب هذه على حزب "المقاومة"، بل مع تناقض خياراتها مع ولاءات المقاومة، فإن 2005 لم يشكل لحظة وطنية جامعة، بل لحظة انفصام وطني. وجاء انتقال التيار العوني، العميق في ولائه لزعامته والمؤصل في مقاومته للاحتلال السوري، من صف الاستقلال إلى صف التبعية يكشف وهن آذار 2005 وانعدام صلاحيته كأساس لهوية جامعة.

كان للبنان في مايو 2007 فرصة جديدة، ربما أولى، لتحقيق اللحظة الوطنية المؤسِسة، يوم انتصر الجيش اللبناني، بدماء جنوده من جميع الطوائف، على الإرهاب الموفد من سوريا في مخيم نهر البارد. على أن الاصطفاف السياسي اعترض بروز هذه اللحظة، ليستمر الشحن على أشدّه بين شقي الإقطاعية الطائفية، ومن خلفها الاحتلال الإيراني المختبئ تحت مقاومة أمست قسرية في تعميمها على الوطن وفي تقرير زائف لشعبيتها خارج بيئتها.

وهنا تكن أهمية ثورة تشرين 2019. المجتمع اللبناني المقطع الأوصال، والذي استفاضت الإقطاعية والاحتلال في تشتيته وتشريحه وتفتيته، والذي شهد على مدى قرن كامل اندفاعات متواصلة باتجاه روابط أفقية، وطنية، مصلحية وثقافية، تعرضت تباعا للوءد والإجهاض والسحق، حقّق له فجور الطبقة الحاكمة ما لم ينجزه أي من أصحاب النوايا الطيبة، فكانت ثورته وكان خروجه إشعارا بانتهاء الجمهورية الثانية، والبدء بمسار التأسيس لعقد اجتماعي جديد على أساس المواطنة المعاشة في ساحات الثورة.

هذه الثورة هي اللحظة التاريخية الأهم على الإطلاق في تاريخ لبنان. هي السعي إلى تحقيق الوعد المؤسس للبنان بقيام دولة المواطن. هي استكمال لحداثة منقوصة بفعل مصالح إقطاعية وظّفت الطائفية لتضمن ديمومتها، واحتلالات تماهت مع الإقطاعية لتحقيق أغراضها.

لبنان، على أبواب مئويته، يعيش أخطر أيامه على الإطلاق

أربعون يوما والرهان على أن تنتهي الثورة بفعل الإنهاك. أربعون يوما من إنكار حقيقتها والإصرار على القناعة بأن الفرز الطائفي الذي استفادت الطبقة الإقطاعية الحاكمة منه قابل لإعادة الإنتاج. أربعون يوما من الترقب من جانب الاحتلال: كيف نجيّر، كيف نمنع، كيف نبطل؟

كل الرصيد المعنوي، وكل الاستثمار التاريخي، وكل التوظيف الإعلامي، وكل التعبئة العصبية، وكل الشعارات الطائفية، تستدعى اليوم لحشد "بيئة المقاومة" بوجه جمهور الثورة، في حين أن هذه البيئة، تلقائيا وموضوعيا هي أيضا حاضنة للثورة. أهل المقاومة هم أيضا أهل الثورة، وإن قيل لهم خلاف ذلك.

لبنان، على أبواب مئويته، يعيش أخطر أيامه على الإطلاق. نتيجة هذه الثورة هي إما أن وعد لبنان كدولة حداثية يسير إلى التحقق بما فيه خير جميع مواطنيه، أو أن تحالف الإقطاع والاحتلال يبدد هذه الفرصة، لصالح طغمة مالية أتخمت بالفساد ولم تشبع، وقوة خارجية تخوض معاركها الوهمية والخاسرة بدماء الآخرين.

اقرأ للكاتب أيضا: حول المستوطنات التي أمست بلدات

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
لبنان: اللحظة التاريخية المهددة B1D9161A-DDEC-4276-9C9A-0E7365B2DE6C.jpg AFP لبنان-اللحظة-التاريخية-المهددة أربعون يوما والرهان على أن تنتهي الثورة بفعل الإنهاك 2019-11-27 04:18:31 1 2019-11-26 17:28:43 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.