سيدة ترفع شعار "لا للانتخابات" وتحمل بطاقة انتخاب ممزقة خلال تظاهرة في الجزائر
سيدة ترفع شعار "لا للانتخابات" وتحمل بطاقة انتخاب ممزقة خلال تظاهرة في الجزائر

523028 4

نضال منصور/

الجزائر على موعد مع انتخابات رئاسية يوم 12 ديسمبر المقبل، والحراك الشعبي ما زال على عهده منذ تسعة شهر رافضا للمسار السياسي الذي فرضته السلطة. السؤال المُلّح هنا: هل تطوي الانتخابات صفحة الاحتجاجات المندلعة منذ فبراير والتي أطاحت بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وغيرت قواعد الحكم، أم أن الانتخابات التي تجري "رغم أنف" المعارضة الشعبية ستأجج الصراعات، وتفتح الأبواب لسيناريوهات مجهولة؟

اللافت أن الانتخابات الرئاسية لا تحظى باهتمام شعبي ملموس، وأخبار الاحتجاجات التي مضى عليها 40 أسبوعا تستقطب الاهتمام أكثر، والاعتقالات المتزايدة في صفوف المُحتجين الذين يتصدون لمرشحي الرئاسة خلال مهرجاناتهم الانتخابية تُحدث ضجيجا أكثر من شعارات المعركة الانتخابية.

143 مرشحا تقدموا لدخول سباق الانتخابات بالجزائر، استوفى 23 منهم الشروط، وفقط 5 منهم تم قبولهم للمضي في السباق الانتخابي، وكلهم تُوجه لهم اتهامات من الشارع بأنهم "أبناء السلطة والنظام" مهما رفعوا من شعارات، ومهما وجهوا من انتقادات للعهد السابق، ومهما قدموا من وعود لدعم مطالب الانتفاضة الشعبية.

في الوجدان الشعبي الجزائري تكرست قناعات أن الانتخابات الرئاسية ليست أكثر من مسرحية، وأن من يخوضونها ليسوا أكثر من "دمى" تحركهم السلطة الفعلية، وأن نتائج الانتخابات يُقررها الجيش والقوى المتحالفة معه، وليس صناديق الاقتراع.

الحراك ليس قوة واحدة منظمة ولم يفرز مرشحا للانتخابات

ربما كان هناك ما يبرر هذه القناعات في العقود الماضية، وخاصة بعد "العشرية الدامية" في بداية التسعينيات، وبعد أن طغى "زواج" المال والسياسية ونخر عظم الدولة ومفاصلها، وبعد أن أصبح حزب الثورة والاستقلال "حزب جبهة التحرير الوطني" حصان طروادة الذي يُستخدم للوصول للسلطة.

ولكن هل مازالت الصورة كما كانت بعد أن اسقطت انتفاضة الجزائريين العهدة الخامسة للرئيس السابق بوتفليقة، وكانت السبب في زج العديد من أبرز السياسيين ورجال الأعمال في السجن؟

يدرك قادة الاحتجاج الشعبي أن ثمة تغييرا قد حدث بعد انتفاضتهم، وأن ما يسمونهم "عصابة" السلطة قد سقطوا، غير أنهم يعرفون أن الانتخابات الرئاسية لن تُحدث التغيير المطلوب، وإنما ستُعيد إنتاج السلطة القديمة بوجوه جديدة، وشعارات جديدة، وسيظل الحاكم الفعلي هو الجيش؛ ولهذا ما زالوا يُصرون على رفض خارطة الطريق التي تريد السلطة تطبيقها، ويعتبرون أن الانتخابات لن تكون مُنصفة، ويرفعون شعارات "لا للانتخابات.. لا للعصابات"، في حين يرى الجيش أن الانتخابات الرئاسية هي السبيل الوحيد لإعادة الأوضاع إلى طبيعتها.

رحل الرئيس بوتفليقة بعد أن حكم الجزائر 20 عاما، قضى آخر سنوات حكمه على كرسي متحرك بعد أن أصيب بجلطة دماغية عام 2013، وتعذر عليه أن يؤدي اليمين الدستورية بعد فوزه بالانتخابات عام 2014، ولم يعد يُعرف من يحكم الجزائر، هل هو شقيقه الأصغر السعيد بوتفليقة الذي حُكم بالسجن بعد الانتفاضة، أم مدير المخابرات الأسبق، أم قائد الجيش، أم تحالف رجال الأعمال الذي أشيع أنهم يسيطرون على مقاليد الحكم؟

بعد رحيل بوتفليقة، استطاع قائد الجيش القوي أحمد قايد صالح السيطرة على زمام الأمور، والتغلب على خصومه ومنافسيه الذي كانوا يحلمون بوراثة بوتفليقة، واستطاع بمساندة الاحتجاجات أن يحشد تحالفَ الشارع إلى جانبه باعتباره صمام الأمان للانتفاضة، والمُنقذ للجزائر من تكرار "حمّام الدم" الذي عاشته في العشرية الدامية.

الجيش الذي يتحكم بمقاليد السلطة الآن وفي العقود الماضية يرى أن الانتخابات هي الخيار الدستوري الوحيد للخروج من الفراغ السياسي، وهي الطريق الوحيد للعودة لشرعية الحكم، وهي بالتأكيد الضمانة لعدم تقويض مصالح المؤسسة العسكرية.

المرشحون الذين سيخوضون الانتخابات الرئاسية ـ إن تمت بموعدها ـ هم، رئيس الوزراء الأسبق علي من فليس رئيس حزب الطلائع، وعز الدين ميهوبي وزير الثقافة السابق وأمين عام حزب التجمع الديمقراطي بالنيابة، وعبد القادر بن قرينة رئيس حزب حركة البناء، وعبد المجيد تبون رئيس حكومة سابق، وعبد العزيز بلعيد مؤسس حزب المستقبل.

الانتخابات قد تشهد مقاطعة وقد يؤدي ذلك إلى إلغائها والذهاب لفترة انتقالية للتوافق على مسار جديد

لم يتفق الحراك الشعبي المتواجد في الشارع منذ تسعة شهور، ولم يقدم مرشحا للانتخابات الرئاسية، وذهب إلى الدعوة لمقاطعة الانتخابات؛ لأنها لن تُعبر عن إرادة الناخبين، وتسهم في تزويرها، ولا يتردد حميد زنار ـ كاتب جزائري ـ من وصف الانتخابات بـ "المسرحية السمجة على الهواء الطلق" في جريدة العرب التي تصدر في لندن.

ويُكمل قوله "يكفي ذكر أسماء المرشحين الخمس لتظهر حقيقة تلك اللعبة التي أصبحت مكشوفة؛ بل تُثير الشفقة وتؤجج الغضب، إذ يعرف كل الناس أنه مهما كانت النتيجة فالرئيس المُنصّب سيكون رئيسا مختار من "العصابة"، فضلا عن أن خمستهم ـ أي المرشحين ـ كانوا دائما جزءا من النظام ومن أبنائه الأوفياء"، ويتابع حديثه "كيف يمكن تنظيم انتخابات رئاسية بالقوة، ورغم أنف الشعب الذي يرفضها تماما؟".

الأصوات التي تقود الاحتجاجات كانت تريد فترة انتقالية كافية قبيل إجراء الانتخابات، وتعتقد أن الانتخابات لا تمتع بالنزاهة والشفافية والفرص المتكافئة للمرشحين، وأيضا فإن سرعة الدعوة للانتخابات لم تُمكن "الحراكيين" من تنظيم أنفسهم لفرز ممثليهم لخوضها، وهي ترى أن الانتخابات في هذه الظروف ليست أكثر من مسار للاستيعاب السياسي والاحتواء، وليس لإحداث تغيير جذري.

لم تسقط قطرة دم واحدة منذ اندلاع الحراك الشعبي في شهر فبراير، وهذا يسجل للجيش، لكن الجزائر لم تخرج من دوامة الأزمة، ولا تُظهر المؤشرات أن الانتخابات الرئاسية ستنقذها، ويُراهن محتجون على أن قيادة الجيش قد تتراجع في اللحظة الأخيرة عن إجراء الانتخابات إذا شعرت أن المقاطعة الشعبية ستكون كبيرة وشاملة وستفضح قدرتها وتأثيرها في الشارع، وهو ما يؤيده عبد الله جاب رئيس حزب العدالة والتنمية، الذي يعتقد أن الانتخابات ستشهد مقاطعة شاملة وهو ما قد يؤدي إلى إلغاء الانتخابات، والذهاب إلى فترة انتقالية للتوافق على مسار جديد.

توجيه الاتهامات للجيش باعتباره من يحكم قد يُريح المعارضة؛ ولكن لا يعفيها من مسؤولية تدوير الأزمة، وعدم استثمار فرصة الاحتجاج لفرض مطالبهم على أرض الواقع.

الصورة من الداخل تبدو أكثر وضوحا، فأكثر "الحراكيين" يعترفون أن الحراك ليس قوة واحدة منظمة، وربما يكون حراكات متعددة ومتنوعة، ويدركون أن هناك من يسعون لاستغلال الحراك وامتطاء أكتافهم، ويعلمون أن السلطة القائمة بامتدادتها أكثر قوة وتنظيما منهم مهما كان الشارع ملتف حولهم.

لم يُفرز الحراك مرشحا، أو مرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية، ليس لأن الظروف والمواقيت غير مناسبة فقط؛ وإنما خوفا من استغلال الأحزاب لهذه الحراكات الاحتجاجية وتطويعها لخدمة أجندتهم.

الحراك مستمر وثابت ويقدم نموذجا لحركة سلمية لم يعرف العالم مثلها، ولكن هناك من يصف قادته بـ "التطهر"، والمراهقة والمثالية السياسية، ويعيدون إلى الأذهان شعار الاحتجاج "ارحلوا جميعا" في إشارة لكل قيادات العمل الوطني السابقين، معتبرين أن هذا الشعار كان ظالما لأنه شيطن جميع رموز النضال الوطني، وهو ما استثمر لترك الحراك دون زعامة وقيادة.

كثيرة هي إنجازات الحراك الشعبي في الجزائر منذ شهر فبراير، فقد أطاح بالرئيس بوتفليقة الذي حكم بظله لسنوات، وأجبر السلطة على التحقيق بجرائم فساد، وزج ببعض رجال السلطة والمال والأمن في السجون، والأهم أنه كسر حاجز الخوف من سنوات "العشرية الدامية" التي أشعلت حربا وأسالت دما، ودمرت البلاد.

لم تسقط قطرة دم واحدة منذ اندلاع الحراك الشعبي وهذا يُسجل للجيش

الجزائر على مفترق طرق، والمستقبل السياسي ليس واضح الملامح، والمكاسرة بين الشارع الذي يطالب بتغيير حقيقي يتعدى الوجوه، والجيش الذي يحكم ويريد الإسراع في شرعنة السلطة عبر صناديق الاقتراع، لا يُعرف إلى أين سينتهي.

سيطرة الجيش وحكمه أمر ليس مختلفا عليه في الجزائر، وحتى في الدوائر الدولية التي تراقب ما يجري داخلها، ويعرفون أن الجيش كان يصنع الرؤساء عبر حزبه الثوري ـ جبهة التحرير الوطني ـ أو في الخلطة السحرية اللاحقة لتزاوج السياسيين مع رجال المال، ونفوذ "منتدى رؤساء المؤسسات" وهو أكبر تجمع لرجال الأعمال في السلطة.

مجلة موند فريك الفرنسية تختصر في تعليق بسيط المشهد "الجزائر دولة تملك جيشا أم جيش يملك دولة"، مُفارقة مؤلمة رغم تأكيد قادة الجيش في تصريحات لهم "أن زمن صناعة الرؤساء قد ولى".

الجزائر أكبر دولة عربية، ومن أكثرها تمتعا بالثروات تواجه أزمة بنيوية مستعصية، والتغني بالأطلال وتذكر شعارات "بلد المليون شهيد"، وحزب جبهة التحرير الوطني الذي ألهم الذاكرة الوطنية، لم يعد يُجدي بعد أن رُفعت شعارات بحل حزب جبهة التحرير الوطني، وإحالته للمتحف باعتباره إرثا وملكا للجزائريين.

اقرأ للكاتب أيضا: حين يقرأ الملك تقرير "حقوق الإنسان"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
"صناعة الرؤساء" في الجزائر 598303E6-746F-419D-8226-2A8A3D871D18.jpg Reuters صناعة-الرؤساء-في-الجزائر سيدة ترفع شعار "لا للانتخابات" وتحمل بطاقة انتخاب ممزقة خلال تظاهرة في الجزائر 2019-11-28 13:12:06 1 2019-11-28 03:59:01 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.