متظاهرون في بعلبك يهيون حفلة لمارسيل خليفة
متظاهرون في بعلبك يهيون حفلة لمارسيل خليفة

523254 4

كوليت بهنا/

مازال الحدث اللبناني يستأثر باهتمام عام ومتابعة آنية لتطوراته المستمرة منذ أكثر من أربعين يوما. اهتمام ينبع من حرص مشوب بالترقب والحذر على مسار ومصير هذه الثورة المفصلية في تاريخ لبنان، لأسباب عدة فرضتها بذاتها على محيطها العربي والاقليمي والعالمي.

أبرز الأسباب التي أوجبت هذا الاهتمام، بل خطفته بنعومة، هو ما أشاعته من طاقة إيجابية، عبر إصرارها منذ انطلاقها على النضال السلمي المدني، رغم استخدام كل الأساليب لعرقلتها، أو حرفها عن مسارها، أو افتعال أحداث جانبية مؤسفة في محاولة جر المتظاهرين إلى الفوضى عبر الاستفزاز المستمر، ومن ثم تورطيهم عبر التلويح الدائم لهم بشبح الحرب الأهلية وتحميلهم المسؤولية عن استحضاره.

ليست الثورة اللبنانية أول من أشاع هذه الطاقة الإيجابية، فقبلها نجحت ثورتا تونس 2010 والسودان 2019 بإنتاج طاقة إيجابية مماثلة، يمكن الربط بينها كسمة عامة تجمع هذه الثورات الثلاث أو تتقاطع بينها في بعض الخطوط العريضة، أبرزها الانتشار والالتزام والشبابية، والانسجام بين الأجيال والطبقات الاجتماعية المشاركة ومطالبهم، والحضور الملفت للنساء ونشطاء المجتمع المدني، محدودية العنف الشارعي، والسلوكيات المنضبطة نسبيا لدى المتظاهرين من جهة والقوى الأمنية وعناصر الجيش من جهة أخرى.

قدمت هذه الثورات، ثلاثة نماذج حية لمفهوم المواطنة والانتماء

ورغم بعض الاختلافات بين الحالات الثلاث المتعلقة بالخصوصيات والهويات، إلا أن "صورة" هذه الثورات، مع الأخذ بالاعتبار للثغرات التي اخترقتها، وصلت ناصعة ومشتهاة، تلقفها المتلقي، العربي بشكل خاص، المشبع بالأحزان والانكسارات وخيبات الأمل المتتالية، بفرح وإحساس بالفرج وشارك بالبهجة التي تنضح منها، حيث لا عنف أو رعب أو أزيز هراوات، أو عويل نساء ووجوه أطفال مغبرة وجحافل من الأسر الهاربة للنجاة بأرواحها، ولا دماء تسيل في الصورة، أو دخان انفجارات أو أطراف وأجساد مفتتة، كما الحال الكارثي الذي آلت إليه ثورات ليبيا واليمن وسوريا لأسباب معروفة، والعراق في صورته المؤسفة اليوم، والتي يجر إليها من أعداء ثورته، رغم شجاعة واستبسال متظاهريه للحفاظ على المشهدية السلمية دون جدوى.

قدمت هذه الثورات، ثلاثة نماذج حية لمفهوم المواطنة والانتماء، والوعي الفردي والجمعي، وقدمت إجابات علمية وعملية ثاقبة في قراءاتها لواقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقدمت مطالب انبثقت من معرفة معمقة وقانونية بالحقوق وبالتالي الواجبات التي عليها تقديمها في الحاضر والمستقبل، مع استشفاف المخاطر والتحديات والاستعداد للتضحية والتقنين العام في سبيل أهداف سامية تسعى إليها لخير البلاد وشعبها.

يستثنى لبنان من بين الحالات الثلاث في واحدة من أبرز وأخطر النقاط الخاصة بهويته، وهي الحالة المذهبية والطائفية والتوافقات التي بني عليها، وهو استثناء يضع البلاد في دائرة الخطر، لكن وبالوقت ذاته، يمنح هذا النضال السلمي المدني مصاعب وتحديات أكبر، بل أخطر، وبالتالي، يمكن أن يصنف المتظاهرون اللبنانيون الذين أدركوا كل هذه التحديات، وخرجوا رغما عنها، بالشجعان.

ليست الثورة اللبنانية أول من أشاع هذه الطاقة الإيجابية، فقبلها نجحت ثورتا تونس والسودان

في الثاني والعشرين من شهر نوفمبر الحالي، عزز العرض المدني اللبناني الذي جرى موازيا للعرض العسكري الرسمي بمناسبة الذكرى 76 لعيد الاستقلال، معنى الطاقة الإيجابية وجددها، وهو عرض يسجل كعلامة فارقة استثنائية وناصعة في تاريخ لبنان والعالم وتاريخ نضال الشعوب السلمي، ويمكن التأسيس عليه كأنموذج، وكمؤشر حي لنشر الطمأنينة وتبديد المخاوف من شارع غير قاصر، يدرك طريقه، ويبتدع كل يوم الجديد والمدهش في مفهوم الحراك الشعبي، وبإمكانه أن يتدبر أموره بنفسه، وحماية مقدرات البلاد عبر التنظيم والروح الجماعية ووحدة الهدف.

الطاقة الإيجابية التي أشاعتها ثورات تونس والسودان ولبنان، تعني فيما تعنيه التفاؤل بمقدرات الشعوب وديناميكيتها، والإيمان بإرادتها، ومساندة حلمها المنشود لصناعة مستقبل البلاد المشتهى، وهو ما رأيناه في مشاركة أفراد الجاليات اللبنانية في دول الاغتراب، وتكبد عناء ونفقات سفر من قبل بعض المغتربين للحضور إلى بيروت لمؤازرة مواطنيهم معنويا وجسديا ولو ليومين، ولعل أجمل تجليات هذه الطاقة الإيجابية، هو التظاهرة الأخيرة المشتركة قبل يومين لأمهات منطقتي "عين الرمانة والشياح" (رمز الحرب الأهلية 1975) لرفض هذه الحرب ورفض كل محاولات استجرارها مهما كلف الأمر سلميا.

هل تستمر هذه الطاقة الإيجابية وتحقق الثورة اللبنانية إنجازها في المدى القريب؟ الأمر مرهون بثبات صنّاعها الشبان وحيوتهم، ولا يمتلك المرء إلا الكلمات الداعمة التي تعزز الثقة بهم وتغذي الأمل.

اقرأ للكاتبة أيضا: "طلعنا عالحرية".. يا فيروز

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
صنّاع الطاقة الإيجابية E7DB7D53-DA70-4868-8CFA-9C37C09C6B87.jpg AFP صنّاع-الطاقة-الإيجابية متظاهرون في بعلبك يهيون حفلة لمارسيل خليفة 2019-11-30 00:30:30 1 2019-11-29 19:13:41 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.