523307 4

عريب الرنتاوي/

مُلفت هذا التزامن في توقيت الانتفاضات الشعبية في كل من إيران والعراق ولبنان. الظاهرة بحاجة لبحث يتخطى الدوافع والمحركات الاقتصادية والاجتماعية لكل واحدة من هذه الانتفاضات، إلى بحث الأسباب العميق لما يمكن اعتباره ثورات أو انتفاضات في مواجهة "الإسلام السياسي والمسلح" في طبعته الشيعية هذه المرة.

وإن كان "التزامن" يغري الباحث للتنقيب عن "المشتركات" في ثورات البلدان الثلاثة، فإن ثمة ظواهر أخرى عديدة تعزز الرغبة في سبر أغوار الحدث من حيث أسبابه ودوافعه، أهدافه وشعاراته، والأهم من هذا وذاك، كيفية تعامل السلطات في البلدان الثلاثة مع التداعيات، سياسيا وإعلاميا، والأهم ميدانيا.

ونبدأ قراءتنا المقارنة بالتوقف عن حجم "الحدث"... في إيران، يواجه نظام "الولي الفقيه" أكبر تحدٍ داخلي له منذ انتصار ثورته الإسلامية قبل أربعين عاما. في العراق، هي الثورة الشعبية الأكبر، والحدث الأكثر أهمية منذ الحرب على "داعش"، والبعض يقول منذ سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين في العام 2003. وفي لبنان، هو التطور الأبرز منذ الحرب الأهلية، والبعض يقول منذ الاستقلال. إنه أعظم تحدٍ داخلي يواجه "محور المقاومة والممانعة" منذ أن تشكل هذا المحور، بعد الحرب في سوريا وعليها.

الثورات الثلاث، ومن قبلها الثورة السورية 2011، بدأت بشعارات مطلبية، تكشف عمق الفشل والعجز اللذين ميّزا سياسات حكومات هذه الدول الثلاث، معطوفة على نظام للعقوبات الدولية (الأميركية بخاصة) متفاوت في صرامته... إنها بهذا المعنى، لا تختلف عن ثورات الربيع العربي وانتفاضاته من حيث دوافعها ومحركاتها وشعاراتها. إنها ثورة الرغيف والحرية والكرامة... إنها الثورات التي سجّلت أوسع مشاركة جماهيرية عابرة للطوائف والطبقات والشرائح الاجتماعية والعمرية.

"الخونة" و"العملاء" الذين شنّوا "حربا عالمية" على إيران، استحقوا القسوة والرصاص الحي والسجون

بيد أنها تتميز عن بقية ثورات الربيع العربي في سرعة تحوّلها إلى شكل من أشكال الصراع الإقليمي والدولي، في هذه الدول وعليها... هنا، يحضر العامل الخارجي بسرعة وقوة... هنا أيضا، يصعب التمييز بين "داخل" و"خارج"، إذ لكل "خارج" داخله أو دواخله، في عمق النسيج السياسي والاجتماعي لهذه المجتمعات... ولهذا السبب بالذات، يصبح المشهد أكثر تعقيدا، والتحول أكثر كلفة، لا سيما بوجود خطاب أيديولوجي عميق ومهيمن.

في بلدان الثورات الثلاث، وقبلها في سوريا، تحضر فورا ومن دون إنذار مبكر، "نظرية المؤامرة" و"غرف العمليات السوداء" و"الطابور الخامس" و"الأجندات الخارجية المشبوهة" لتفسير ما يجري، وقراءة ما يتفاعل بالضد من إرادة "الطبقة الحاكمة"، لكأن لسان هذه الطبقة والناطقين باسمها يقول: وهل من المعقول أو المنطقي أن يثور شعب ضد قيادة تقف على الخطوط الأمامية لمقارعة الإمبريالية (الشيطان الأكبر) والصهيونية (الشيطان الأصغر) وعملائهما من رجعيات عربية...

هذا أمرٌ يفوق طاقة النخب الحاكمة على التصور... وأذكر أن رئيس النظام السوري، وفي معرض إجابته على "تحذير" من خالد مشعل، من مغبة انتقال رياح الربيع العربي إلى دمشق، أن ردّ ساخرا ومستاء: هم أذناب للولايات المتحدة وإسرائيل ونحن دولة ممانعة، فكيف تخطر ببالك مقارنة كهذه... لكأني بالتاريخ يعيد نفسه هذه الأيام، في طهران وبالأخص في بيروت.

ومما يلفت الانتباه كذلك، اعتماد "السلطات الرسمية" و"سلطات الأمر الواقع" في الدول الثلاث، الاستراتيجية والتكتيكات ذاتها في التعامل مع حراكات الشارع المتنقلة التي غطّت شوارع المدن والبلدات وميادينها... لكأننا أمام "أمر عمليات" واحد، يصدر عن "غرفة عمليات مشتركة"... والمفارقة أن الذين ينتقدون ويتهمون "غرف العمليات السوداء" التي تحرك الشارع، هم أنفسهم الذين يفاخرون بوجود "غرف عمليات مشتركة" للمحور الذي ينتمون إليه، وظيفتها هذه المرة، مواجهة الشارع، وليس التصدي للعدوانات والمؤامرات الأميركية ـ الصهيونية ـ الرجعية.

ففي البلدان الثلاثة، وجدنا الطبقات الحاكمة، تعترف ببعض المطالب "المُحقّة"، وهي في الغالب مطلبية، وتتعلق بالضرائب والأجور والغلاء والبطالة وغيرها، وترفض المطالب غير المُحقّة التي تعبر عن توق للحرية والديمقراطية والتعددية ومحاربة الفساد وحفظ حقوق الإنسان... ثم يجري التمييز، بين محتجين شرفاء، يتوفرون على أنبل النوايا، ومتظاهرين ينتمون إلى "مدرسة المشاغبين"، وتحركهم أصابع خفية، وغرف عمليات مشبوهة.

في العراق، لم تتوقف حكومة عادل عبد المهدي عن تكرار تفهمها لمطالب المحتجين ودعوتها لهم تمييز أنفسهم عن "الفئة الضالة"... قادة الثنائي الشيعي في لبنان، لجأوا إلى التكتيك ذاته، أما في إيران، فقد جرى تفعيل "الأسطوانة" ذاتها، حتى بدا أن رفع أسعار البنزين إنما أريد به توفير مورد جديد لفقراء إيران الذين قدرتهم الدولة ذاتها، بحوالي 80 بالمائة من سكان البلاد....

حتى بشار الأسد، لم يتردد عن التصريح من بعيد، بأن قناع التظاهرات في لبنان والعراق وإيران جميل، بيد أنه يخفي وجها قبيحا، مذكرا بفصول من التجربة السورية، التي عدّها كما يبدو بوصفها "ممارسة فضلى" في التعامل مع حركات الاحتجاج والتظاهر السلمي، رغم كل ما حصل من خراب ودمار للبشر والشجر والحجر في عموم سوريا... متجاهلا في الوقت ذاته، أنه خلف قناع "المقاومة والممانعة" الجميل كذلك، تحتجب أبشع السياسات والممارسات وأكثرها قبحا.

ثم ينتقل التكتيك المضاد، إلى التحذير من مغبة "رفع سقوف المطالبات"، ودعوة الناس للعودة إلى منازلهم والتزام الهدوء، لتفويت الفرصة على "أعداء الأمة والوطن والمقاومة والدين والمذهب"... هنا على وجه التحديد، يجري اعتماد خليط من التكتيكات والأساليب، من بينها: إثارة النعرات الطائفية والمذهبية، التحذير من "تهديد الأغلبيات"، شد العصب الفئوي، حتى وإن اقتضى الأمر افتعال حوادث عنف، والتعرض للمتظاهرين السلميين وإطلاق العنان للغرائز البدائية كما في صرخة: "شيعة... شيعة" في شوارع بيروت وبعلبك وصور، التي علت في وجه متظاهرين غالبيتهم من الشيعة أصلا، وتلكم واحدة من أبشع المفارقات.

"الخونة" و"العملاء" الذين شنّوا "حربا عالمية" على إيران، استحقوا القسوة والرصاص الحي والسجون جراء ما سوّلت لهم أنفسهم القيام به... وبالمناسبة فإن تعبير "الحرب العالمية" سبق أن استخدم في السياق ذاته في وصف الأزمة السورية...

حكومة عادل عبد المهدي، وبعد سقوط مئات القتلى وألوف الجرحى والمصابين، ما زالت تعتقد أن بإمكانها رفع منسوب القسوة والوحشية ضد متظاهري البصرة والتحرير والنجف، من أجل استعادة "هيبة الدولة" وتعزيز صورتها الردعية.

أما في لبنان، فلم يتوان الثنائي الشيعي عن استحضار أسوأ ما في الذاكرة الجمعية للبنانيين من صور للحرب الأهلية و"خطوط تماسها" بغية ترهيب المتظاهرين، ومن ضمن تكتيك "حافة الهاوية" المُعتمد، والتلويح بـ"القمصان السوداء" والتذكير بالسابع من أيار عام 2008.

في معركتها مع شعوبها المنتفضة، تسجل خسارات صافية، وتصب القمح صافيا في طاحونة أعدائها

والحقيقة أن المتأمل في الاستراتيجية والتكتيكات المعتمدة من قبل أطراف "محور المقاومة والممانعة" في التعامل مع تحدي الثورات والانتفاضات المندلعة في غرف نومهم، يدرك تمام الإدراك، إن قيادات هذا المحور لم تتعلم شيئا من دروس الأزمة السورية الممتدة منذ أزيد من ثمانية أعوام، بل أنهم ينظرون للطريقة التي أداروا فيها تلك الأزمة، بوصفها "درسا ملهما" يتعين إعادة إنتاجه بأشكال وصور مختلفة، في الدول الثلاث، ودائما تحت وابل كثيف من "الرطانة" عن المقاومة والممانعة، وجبه المؤامرات والتصدي للمتآمرين.

يغفل هؤلاء، أنهم وفي معرض "مقاومتهم" للأجندات الخارجية، التي لا نشك بوجودها، وبوجود أطراف إقليمية ودولية تريد أن تصفي حسابات وتسوي "ثارات" قديمة وجديدة، بعض أطراف هذا المحور، إنما يوفرون كل السبل والفرص لتمكين "المؤامرات" و"المتآمرين" من تحقيق أغراضها ومراميهم... يخطئ هؤلاء إن لم يروا أنهم باستعدائهم لشعوبهم، إنما يطلقون النار على أنفسهم، وليس على رؤوس وصدور المتظاهرين العزّل في بغداد وطهران وحدهم.

خلال السنوات العشر الأخيرة، نجحت أطراف هذا "المحور" في كثير من معاركها وحروبها الأخيرة، وأمكن لها إلحاق هزائم بخصومها المحليين والإقليميين... بيد أنها في معركتها مع شعوبها المنتفضة، تسجل خسارات صافية، وتصب القمح صافيا في طاحونة أعدائها.

اقرأ للكاتب أيضا: "قطار السلام" إذ يخرج عن سكته!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الانتفاضات الثلاث: في مغزى "التزامن" ودلالة "المُشتركات" 539135FF-68D9-40CE-B715-D606B46E5FCB.jpg Reuters الانتفاضات-الثلاث-في-مغزى-التزامن-ودلالة-المُشتركات عراقي يحمل رفيقه الجريح، ليوصله إلى المسعفين 2019-12-01 02:30:15 1 2019-11-30 09:11:16 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.