من المسلسل
من المسلسل

523633 4

د. ابتهال الخطيب/

أشاهد هذه الأيام عددا من مسلسلات الخيال العلمي، المفتونة بها أنا عادة، وأسارع كلما ظهر مسلسل أو فيلم جديد لمشاهدته وتحليله والاستمتاع البطيء بتخيل حدوثه في زمننا هذا وحتى الزمن المفترض لأحداثه.

إلا أن مسلسل Altered Carbon المعقد، الذي أشاهده هذه الأيام، أوقعني في أزمة مقارنة بين الحاضر الواقع والمستقبل المتخيل لبشرية تنكر على نفسها حقيقتها، وتنكر على نفسها مراحلها وتسلسل تطورها من كائن بدائي يعيش في الماء إلى كائن أكثر تطورا متسلق للأشجار، وصولا إلى الكائن المعقد ذي الوعي المركب اليوم، والذي يميزه الوعي ويتسبب في نكبته الوجودية الفريدة، من بين كل الأحياء من حيث كونه الكائن الحي الوحيد الواعي بوجوده والذي يسائل معنى هذا الوجود ومنتهاه، إلى الكائن الخالد الذين سيكونه ذات يوم، كما يقول المسلسل وكما يقول بعض العلماء اليوم.

في زمن ما، يقول المسلسل، سيصبح الأغنياء خالدين

هذا الكائن، الذي يفترض أن يصبح مجرد "وعي" أو "ذاكرة" يمكن "تنزيلها" من "كيس" إلى آخر كنا ذات زمن نسميه جسد، هذا "الوعاء" الذي سنتمكن من اختياره وتبديله وتغييره، إذ سيكون الحظ الأوفر في هذه العملية، كما هو الواقع دائما، للأغنياء الذين سيحصلون على أفضل الأجساد، والذين سيتمكنون من استنساخ أنفسهم والمحافظة على وعيهم إلى ما لا نهاية.

في زمن ما، يقول المسلسل، سيصبح الأغنياء خالدين، إذ ستتمكن البشرية في الواقع من تسليع الخلود بيعا وشراء.

أخذني خيالي، ترى كيف ستواجه البشرية حينها ماضيها؟ هل ستعترف بتاريخها الطويل أم ستفعل كما نفعل الآن، ويأخذها غرورها لأن ترفض أن تعترف بأصولها المتواضعة وتصر على أنها خلق ذكي بهي، بدأ كذلك وسينتهي كذلك؟

هل سيأتي زمن تصبح فيه نظرية التطور الداروينية تاريخا متأصلا يعترف به كل البشر، أم ستبقى المقاومة قوية لفكرة البدايات المتواضعة والكينونات البدائية التي احتاجت ملايين السنوات لكي تتطور؟

هل سيدرس الأطفال في المدارس، أو في أي مؤسسات مستقبلية، حول الماضي البدائي السحيق للبشر وتحوله البيولوجي القافز بين الكائنات وتكوينه العقلي المتواضع جدا، والذي أخذ بالتطور مارا بمراحل مختلفة وصولا إلى درجة العقل البشري الذي مكن الإنسان من صنع اللغة ومن "الوعي بالوعي" ومن تعقيد حياته بالصورة التي هي عليها اليوم، والتي ستكونها في المستقبل؟

هل سيأتي يوم يتطور فيه العلم بما فيه الكفاية ليضع حدا لخجلنا من بداياتنا التكوينية البسيطة، وليطور لدينا فخرا برحلتنا التطورية المديدة التي نقلتنا من كائنات بدائية بسيطة تتسلق الأشجار وتعيش عشرين عاما كحد أقصى، إلى كائنات معقدة قابلة للخلود؟

حين أسأل الشباب والشابات الصغار من حولي عن مدى علمهم بالنظرية الداروينية، وأتحصل منهم على إجابات نافية لأي معلومة أو مستنكِرة لنظرية "الإنسان أصله قرد"، وهو التنميط الخاطئ تماما للنظرية؛ أو حين يرد عليّ أحدهم قائلا "يلا وريني شمبانزي يصبح بني آدم"؛ أو حين يستهزئ آخر ضاحكا "إذا كانوا أجدادك قرودا فأجدادي ليسوا كذلك"؛ أغمض عيني لوهلة وأتخيل البشرية خمسة آلاف سنة للأمام (تراها مدة كافية لتغطية خيالاتي؟) وقد اعترف البشر، تحديدا في منطقتنا المأزومة، بأهم نظرية بيولوجية وأنثروبولوجية، ولربما طبية، منذ بداية عصرنا البشري الحديث، وقد انتهى زمن الجدل الجاهل المسكين حول النظرية، وقد درس صغارنا بشكل طبيعي غير مأزوم نظرية بداياتنا وتطورنا، بلا خوف، بلا قلق، وبلا شعور بالتضارب والنزاع بين نظرية علمية مثبتة وبين عقائدهم الدينية والروحانية الراسخة.

أتمنى أحيانا لو أنني أتخطى حاجز الزمن إلى الأمام، فأشهد زمنا لا نحتاج فيه لأن نتنازع حول نظرية علمية تبدو الردود على مناهضيها أكثر فكاهية من استنكاراتهم بحد ذاتها، فإذا كان استنكار البديهيات العلمية مضحكا، ألن يكون الرد عليه ودحضه مضحكا كذلك؟

تعالوا بنا نتذكر فترة حركة "الأرض مسطحة" التي عمت وسائل التواصل الاجتماعي قبل مدة قصيرة، والتي كادت أن تقضي على مساعي علماء عظماء ضحوا بأرواحهم منذ آلاف السنوات من أجل تقدم البشرية العلمي، ولنسترجع الادعاءات والردود، ألم تكن كلها مضحكة؟ ألم يكن الحوار بحد ذاته، بكل غرابته وسرياليته غاية في السخافة؟

هكذا يبدو الحوار الآن حول مصداقية نظرية التطور لكل من يعرف شيئا عن تاريخ التطور البشري، أو لكل من زار (حقيقة زار) متحف علم طبيعي، أو لكل من درس مبادئ البيولوجيا الرئيسية "الحقيقية"؛ هكذا يبدو الحوار، وكأنه فعليا خارج الزمن، فهل يا ترى سيأتي وقت تتخذ فيه البديهيات مكانها الطبيعي فلا نحتاج لحوارات مضحكة محرجة حولها؟ هل سيحدث ذلك عندنا في الشرق الأوسط؟

أتمنى أحيانا لو أنني أتخطى حاجز الزمن إلى الأمام، فأشهد زمنا لا نحتاج فيه لأن نتنازع حول نظرية علمية

هل سنستطيع أن نوائم بين كل الاكتشافات العلمية الماضية والقادمة ونحتفظ بإيمانياتنا وعقائدنا، كما هو الوضع إلى حد ما في الغرب الآن، دون أن تكون هناك معارك حادة مستمرة بين العلم والدين يُظلم فيها الدين دائما، ليتخذ كل منهما موقعه الحياتي الذي يجب أن يكون فيه؟

حين نصبح خالدين ذات يوم، وهو يوم قادم لا محالة كما يقول العلماء، هل سيقنعنا خلودنا بأن نتقبل تاريخنا بكل ما يكشفه من بواعث فخر وخجل حول نشأتنا وتكويننا، لنتخطى هذه العقدة التي تكبلنا، ليس فقط بيولوجيا ولكن اجتماعيا كذلك من حيث تقديسنا لأعراق وأصول كلها ضرب من خيال؟

بعد خمسة آلاف سنة، هل ستأتي سلالاتنا المتطورة الخالدة، بكل علومها وقدراتها التي ستكون، أفضل مما أتينا اعترافا بالحقائق والوقائع؟ ليتني أستطيع أن أرى..

اقرأ للكاتبة أيضا: الجرائم الصغرى

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

حين نصبح خالدين 31FCE928-836E-414A-A7CD-1D54BE125B9B.jpg AFP حين-نصبح-خالدين من المسلسل 2019-12-03 09:10:23 1 2019-12-03 00:33:03 0

تقرير صيني يحذر قادة بكين من احتمالية حدوث مواجهة بين الصين والولايات المتحدة على خلفية انتشار فيروس كورونا
FILE PHOTO: A woman wearing a protective mask is seen past a portrait of Chinese President Xi Jinping on a street as the country is hit by an outbreak of the coronavirus, in Shanghai, China March 12, 2020. REUTERS/Aly Song/File Photo

سجلت الصادرات الصينية تراجعا في حين بلغت الواردات أدنى مستوياتها منذ 4 أعوام، بحسب ما كشفت البيانات التجارية الصينية لشهر مايو، وسط تباطؤ اقتصادي عالمي سببته القيود المفروضة لمكافحة تفشي فيروس كورونا المستجد. 

وانخفضت صادرات الصين، البلد الأول الذي ضربه فيروس كورونا المستجد، بنسبة 3.3 بالمئة الشهر الماضي بالمقارنة مع العام السابق، بحسب بيانات نشرتها سلطات الجمارك. 

وعرفت الصادرات في شهر إبريل ارتفاعا قويا بنسبة 3.5 في المئة بعد 3 أشهر من التراجع. 

ويعزى هذا الارتفاع إلى قفزة ترافقت مع تخفيف تدابير العزل بعد الصعوبات التي واجهها المصدرون في الفصل الأول، نتيجة توقف حركة النقل بسبب تدابير العزل. 

واستأنفت الحركة إلى حد كبير مذاك، لكن الشركات تواجه صعوبات في تلقي طلبيات في وقت لا تزال فيه أسواقها الرئيسية في أوروبا وأميركا الشمالية، مشلولة بسبب الوباء. 
ورأى المحلل راجيف بيسواس من مكتب "أي إتش أس ماركيت" أن الوضع القائم "سيواصل الضغط على الصادرات في يونيو ويوليو". 


ويضيف لفرانس برس "لكن يجب أن تنتعش الصادرات خلال الفصل الثاني"، تزامنا مع رفع العزل في أوروبا "وخلال فترة الميلاد"، التي عادة ما ترتفع فيها الطلبيات. 

يبقى الارتفاع على السلع الطبية، التي تعد الصين المزود الرئيسي لها، مرتفعا جدا في الخارج. 

وصدرت الصين إلى العالم 70.6 مليار قناع بين مارس ومايو، وفق أرقام كشفت عنها بكين الأحد خلال مؤتمر صحفي للسلطات مخصص للوباء. 

ويتوقع المحللون في الأثناء أن ينخفض الطلب على هذه السلع مع تحسن الوضع الصحي في العالم. 

انخفضت الواردات من جديد في مايو بنسبة 16.7 في المئة مقارنة مع العام الماضي، مقابل 14.2 في المئة في إبريل. 

وهذا أسوأ تراجع للواردات تسجله الصين من يناير 2016. 

وهذا التراجع الذي يسجل للشهر الخامس على التوالي، أعلى بكثير مما توقعه محللون لوكالة بلومبرغ، كانوا ينتظرون تسجيل تراجع بنسبة 7.8 في المئة. 

ورأى بيسواس أن ذلك "يشكل انعكاسا لبطء الانتعاش" في الصين، فيما ثاني أكبر اقتصاد في العالم متوقف منذ أواخر يناير بسبب الوباء. 

وتعتبر الاقتصادية إيريس بانغ من مصرف "آي أن جي" أن الشركات أيضا بدون شك خفضت وارادتها نظرا للغموض المحيط بالطلب. 

وسط هذا التراجع التجاري، تسعى المدن الصينية إلى استحداث تدابير من شأنها رفع الطلب المحلي، فقد أعلنت بكين الأسبوع الماضي منح قسائم شرائية قيمتها 12.2 مليار يوان (1.6 مليار يورو) لدعم القدرة الشرائية للسكان، وفق وكالة أنباء الصين الجديدة.

وكنتيجة طبيعية لتراجع الواردات، ارتفع الفائض التجاري للصين في مايو حتى 62.9 مليار دولار، في حين بلغ 45.3 مليار الشهر الفائت. 

كما ارتفع الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة بنسبة 3.7 في المئة، ليبلغ 27.9 مليار دولار في مايو، مقارنة مع العام الماضي. 

وارتفعت حدة التوتر بين الولايات المتحدة والصين في الأشهر الأخيرة على خلفية الوباء وقضايا أخرى. 

ووسط تضرر البلدين من الوباء، يشكك اقتصاديون بإمكانيتهما تلبية تعهداتهما التي وافقا عليها في اتفاق تجاري جزئي أبرم في يناير. 

وفي خطوة غير مسبوقة، لم تحدد الصين الشهر الماضي هدفا للنمو لهذا العام. 

وبرر رئيس الوزراء الصيني لي كيكيانغ ذلك مع افتتاح الدورة السنوية للبرلمان الصيني ذلك بالقول إن "بلدنا يواجه بعض العوامل التي يصعب التنبؤ بها"، بسبب وباء كوفيد-19 والظروف العالمية.

وأعلن لي عن تدابير قيمتها 2000 مليار يوان (256 مليار يورو)، مثل رفع عجز الموازنة والاقتراض الحكومي، بهدف دعم سوق العمل.

وللمرة الأولى في تاريخه، تراجع الاقتصاد الصيني بنسبة 6.8 بالمئة في الفصل الأول بفعل تفشي الفيروس.