متظاهرون في مدينة الديوانية
متظاهرون في مدينة الديوانية

523875 4

إياد العنبر/

في الجمعة الماضية كنت جالسا مع أحد الأصدقاء في إحدى مقاهي بغداد الشعبية القريبة من ساحة التحرير، وتواردت الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن إعلان قريب لاستقالة عادل عبد المهدي من رئاسة الحكومة، وما هي إلا دقائق وتم الإعلان رسميا عن الخبر في القنوات التلفزيونية.

بعد الإعلان مباشرة، توجهنا إلى ساحة التحرير، فشاهدنا مشاهد الفرح والبهجة والاحتفالات، التي تجري جميعها بطريقة عفوية. في مدخل "التحرير" كانت الحاجّة أم سلوان ترقص فرحا، وهي المرأة التي رابطت طوال أكثر من شهر بالقرب من نصب الحرية لجواد سليم، وعملت على تجميع وغسل ملابس الشباب المتظاهرين بغسالة اشترتها بالتقسيط خصيصا لهذا الغرض.

وبجوارها خيمة "موكب جماهير عصر الظهور لخدمة الثوار في ساحة التحرير"، والتي استمرت منذ 25 أكتوبر بتقديم الخبز العراقي الساخن للمتظاهرين.

تعد استقالة عبد المهدي إنجازا يحسب لساحات التظاهرات

عبرت مظاهر الفرح عن أول مكسب حققته التظاهرات، لكنها لم تكن تعبيرا عن تحقيق المطالب التي رفعتها حركات الاحتجاج، والتي لا تزال تراوح مكانها في أروقة مجلس النواب العراقي، واجتماعات الكتل السياسية.

بيد أن ثمن الاستقالة كان دماء أكثر من 400 متظاهر وآلاف الجرحى، ولذلك لم تكن الاستقالة بعد سقوط هذا العدد من الشهداء والجرحى مُرضية، وإنما تعالت الأصوات المطالبة بمحاكمة رئيس الحكومة وجميع من تورط بقتل المتظاهرين.

أولى، وأهم دلالات استقالة عبد المهدي تكمن في كونها أول رئيس وزراء يُجبر على تقديم الاستقالة بطلب من الشارع، وليس من قبل القوى السياسية تم سحب الثقة عنه.

فعلى مدى أربع دورات حكومية لم يقدم رئيس الوزراء استقالته رغم الكثير من الحوادث والاخفاقات التي كانت تستوجب الاستقالة أو الإقالة. لكنها لم تكن متوفرة في قاموس وأدبيات الأحزاب والقوى السياسية التي هيمنت على السلطة بعد 2003.

هي أول حكومة منذ 2003 تسقط بإرادة شعبية

ولذلك، نجد أن عبد المهدي الذي كان مسارعا في تقديم استقالته عندما كان نائبا لرئيس الجمهورية، ووزيرا للنفط في حكومة العبادي، كان معاندا ومراوغا في كتابة استقالته من منصب رئيس الوزراء! فهو لم يشِر في كتاب الاستقالة إلى أنها جاءت استجابة لمطالب المتظاهرين، وإنما ادعى أنها استجابة لخطاب مرجعية السيد السيستاني الذي جاء في خطبة الجمعة، التي تلاها وكيله السيد أحمد الصافي. وأيضا تقديمه الاستقالة للبرلمان وليس لرئيس الجمهورية، وفقا للنظام الداخلي لمجلس الوزراء.

كان بيان المرجع الأعلى السيد السيستاني واضحا بدعوة مجلس النواب إلى سحب الثقة عن حكومة عبد المهدي؛ بسبب عجزها عن الاستجابة لمطالب المتظاهرين، ولذلك كانت تقديم عبد المهدي استقالته محاولة استباقية لخطوة الإقالة من البرلمان.

وهي كانت محاولة متعالية عن الاستجابة لمطالب الشارع المنتفض ضد حكومته، ويبدو أن السيد عبد المهدي، الذي يُجيد لعبة التنقل بين الأيديولوجيات من البعثية إلى الماركسية وأخيرا الإسلامية، إلا أنه ظل متمسكا بنظرة هذه الأيديولوجيات على اختلافها إلى الجمهور، باعتباره مجموعة من الأتباع أو الرعايا، وليس مواطنين تستمد الحكومات شرعيتها منهم.

بات الكثير من السياسيين يتهرب من التصدي لمنصب رئاسة الوزراء

لطالما كان عبد المهدي، قبل تظاهرات أكتوبر وبعدها، مسترخيا تماما لبقائه بالسلطة، ليس على أساس إنجازاته أو قدرته على إدارة الدولة، وإنما لأن القوى السياسية ستجد صعوبة بالاتفاق على شخصية بديلة له.

ويبدو أن عبد المهدي والقوى السياسية الداعمة لبقاء حكومته لم يتجاهلوا حركة الاحتجاجات ومطالبها فحسب، وإنما تجاهلوا رسائل المرجع الأعلى السيد السيستاني التي نقلتها ممثلة الأمم المتحدة في العراق، حيث نقلت قوله بأن القوى السياسية تعمد إلى التسويف والمماطلة، وإذا لم تستجب إلى مطالب المتظاهرين لا بد من سلوك طريق آخر.

وأيضا اعتمد السيد عبد المهدي على الرسائل الخاطئة التي كانت تأتي من مصادر مستفيدة من بقائه بالسلطة بعدم طرح المرجعية موضوع إقالته. لكن صوت تشييع جنائز شهداء الناصرية والنجف الذين سقطوا في يوم الخميس 28 نوفمبر كان أقوى وأعلى من كل الأصوات المستفيدة والمدافعة عن بقاء حكومة عبد المهدي.

إذا، تعد استقالة عبد المهدي إنجازا يحسب لساحات التظاهرات، فهي تعد أول كسر لحلقات هيمنة زعامات القوى السياسية على تشكيل الحكومة وبقائها. فهي أول حكومة منذ 2003 تسقط بإرادة شعبية، وتجعل القوى السياسية في حرج البحث عن البديل. وبدلا من تدافع بعض الشخصيات على ترشيح نفسها لرئاسة الحكومة البديلة، بات الكثير من السياسيين يتهرب من التصدي لمنصب رئاسة الوزراء.

الرهان الآن على تصحيح مسار التحول الديمقراطي بات واقعا

إذ أضحت القوى السياسي تحت ضغط الشارع في موقف لا تحسد عليه، فالتفكير ببدلاء عادل عبد المهدي يخضع لمعادلة التوفيق بين الإبقاء على مصالحها ومكاسبها التي حققتها عبر حكومة عبد المهدي، وبين ساحات تمتلأ بالمتظاهرين الرافضين العودة إلى بيوتهم إلا بعد تحقيق بقية المطالب وعلى رأسها تشكيل حكومة بعيدة عن التوافقات والصفقات بين الأحزاب.

يحاول كثيرون التقليل من أهمية استقالة عبد المهدي، وقد تكون حجتهم صحيحة ومنطقية، لأن استقالته كانت كلفتها أكثر من 400 عائلة منكوبة بضحاياها، وآلاف الجرحى الذين قد يعاني بعضهم من إعاقة مدى الحياة.

لكن في المقابل، الرهان الآن على تصحيح مسار التحول الديمقراطي بات واقعا مع بروز القوى الشبابية المطالبة بإسقاط النظام المحاصصة والتوافقات بين الإقطاعيات السياسية، واستبداله بنظام ديمقراطي حقيقي يتحقق من خلال تشريع قانون انتخابي يضمن التنافس العادل على الأصوات، ومفوضية انتخابية مستقلة حقيقا لا عنوانا فقط.

وأخيرا، أهمية الاستقالة تكمن في إعادة الاعتبار للجماهير التي أصرت القوى السياسية على تجاهلها وتحويلها إلى زبائن ورعايا.

اقرأ للكاتب أيضا: من هو "الطرف الثالث" في تظاهرات العراق؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الاستقالة التي كان ثمنها دماء المتظاهرين 2CCE9C3E-BA81-41EC-B44E-D2E9E1969EAE.jpg AFP الاستقالة-التي-كان-ثمنها-دماء-المتظاهرين متظاهرون في مدينة الديوانية 2019-12-04 15:51:12 1 2019-12-04 16:06:12 0

موديز

تقلص عدد الحكومات التي تحظى سنداتها بأعلى تصنيف ائتماني بعد أن فقدت الولايات المتحدة تصنيف "‭‭AAA‬‬" لدى وكالة موديز، التي كانت آخر وكالة تصنيف ائتماني لا تزال تعطيها هذا التصنيف.

فقد خفضت الوكالة الجمعة تصنيف الولايات المتحدة درجة من "‭‭AAA‬‬" إلى "Aa1"، عازية ذلك إلى ارتفاع الدّين والفوائد، وهو انعكاس لتزايد القلق بشأن ارتفاع الدّين في الاقتصادات الكبرى.

وفيما يلي نظرة على الوضع:

ما هو التصنيف "AAA" ولماذا هو مهم؟

التصنيف الائتماني دليل على مدى خطورة شراء الديون بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتقوم وكالات مستقلة بفحص لمصدّري السندات المحتملين في ضوء مقاييس محددة لتقييم جدارتهم الائتمانية وتحديد مدى احتمالية تخلفهم عن سداد الديون.

ويسلط خفض التصنيف الائتماني الضوء على تنامي القلق بشأن المسار المالي للولايات المتحدة، وتسبب في بعض الضغوط التي رفعت عوائد السندات طويلة الأجل، لكن محللين لا يتوقعون موجة بيع حادة للأصول الأميركية. وقالوا إن التأثير على كيفية استخدام البنوك للسندات الحكومية، مثل أن تكون ضمانا، ينبغي ألا يتضرر بشكل كبير.

غير أن خفض التصنيف الائتماني يمكن أن يكون رمزيا، كما كان الحال خلال الأزمة المالية العالمية وأزمة ديون منطقة اليورو.

ومن المحتمل أن يكتسب خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة أهمية أكبر بسبب تزايد القلق بالفعل حيال السياسة التجارية الأميركية ووضع الدولار كونه عملة احتياطيات.

ما هي الدول ذات التصنيف "AAA" الآن؟

يتقلص عدد الدول الحاصلة على التصنيف "AAA" منذ سنوات.

وبعد خروج الولايات المتحدة من القائمة بفقدانها آخر تصنيف "AAA" كان متبقيا لها، صار عدد الدول الحاصلة على التصنيف الأعلى من أكبر ثلاث وكالات تصنيف ائتماني 11 دولة فقط انخفاضا من أكثر من 15 دولة قبل الأزمة المالية في 2007 و2008.

وتمثل اقتصادات هذه الدول ما يزيد قليلا عن 10 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي.

ومن أكبر الاقتصادات الحاصلة عل هذا التصنيف في أوروبا، ألمانيا وسويسرا وهولندا.

وتضم القائمة من خارج أوروبا كلا من كندا وسنغافورة وأستراليا.

وبذلك يصير دّين الولايات المتحدة في مرتبة أدنى من دّين ليختنشتاين الأوروبية الصغيرة التي تتمتع بتصنيف "AAA" ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي سبعة مليارات دولار فقط، حسبما تشير إليه بيانات البنك الدولي.

ما هو تصنيف الولايات المتحدة الآن؟

لا تزال الولايات المتحدة تحمل ثاني أعلى تصنيف ائتماني وهو "AA".

وكانت موديز هي الأخيرة من بين الوكالات الثلاث الكبرى، بعد ستاندرد أند بورز غلوبال وفيتش، تخفض تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة، وهي المرة الوحيدة التي فعلت فيها ذلك منذ 1949.

وكانت ستاندرد أند بورز أول وكالة تخفض تصنيف الولايات المتحدة، وذلك في 2011، والتي كانت أول مرة منذ منحها الولايات المتحدة التصنيف "AAA" في 1941. وتبعتها فيتش في 2023.

لماذا يتم خفض تصنيفات الاقتصادات الكبرى؟

يتم تخفيض التصنيفات على خلفية ارتفاع الدّين الحكومي والقلق من عدم كفاية الجهود المبذولة لمعالجة المشكلات المالية طويلة الأجل.

فعلى سبيل المثال، شهد كل عام منذ 2001 تجاوز إنفاق الولايات المتحدة ما تجمعه سنويا، وهو ما أدى إلى عجز في الميزانية السنوية وعبء ديون بنحو 36 تريليون دولار.

وأنفقت البلاد 881 مليار دولار على مدفوعات الفوائد في السنة المالية المنصرمة، وهو ما يفوق ثلاثة أمثال المبلغ الذي أنفقته في 2017. وتتجاوز تكاليف الاقتراض الإنفاق الدفاعي.

وتتزايد أعباء الديون على الاقتصادات الكبرى الأخرى أيضا بسبب ارتفاع متوسط أعمار السكان وتغير المناخ واحتياجات الدفاع. وتقترب نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا من 100 بالمئة، في حين تتجاوز نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان 250 بالمئة.