الملك الأردني متحدثا أمام البرلمان
الملك الأردني متحدثا أمام البرلمان

523904 4

نضال منصور/

لا يبدو أن الدورة الأخيرة من عمر مجلس النواب الأردني ستمر بسلام وأمان من دون مفاجآت صاخبة. القصة هنا لا تتعلق فقط بأزمة اقتصادية طاحنة تفرض ظلالها على المشهد الداخلي. ولا ترتبط برغبة العديد من النواب رفع أصواتهم معارضة في اللحظات الأخيرة من عمر المجلس واستخدام لغة شعبوية تُكسبهم تعاطف الشارع أملا بالتصويت لهم في الانتخابات المقبلة، ويُتوقع أن تجري قبل نهاية شهر سبتمبر 2020. المُعضلة التي يمكن أن تُفرّخ أزمات هي ملف رفع الحصانة عن ثلاثة نواب، وطلب إحالة وزيرين سابقين إلى النائب العام.

النواب الثلاث، اثنان منهما ـ غازي الهواملة وعبد المحسيري ـ وجهت لهما اتهامات من هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، أما الثالث فهو النائب صداح الحباشنة، الذي وجهت له تهمة القدح والذم خلافا لقانون الجرائم الإلكترونية، في حين أن الوزيرين السابقين سامي هلسة، وطاهر الشخشير اتهما باستثمار الوظيفة.

أحال مجلس النواب هذه الطلبات المقدمة من الحكومة إلى لجنته القانونية لدراستها، وحتى الآن لا يُعرف مصيرها، أو التوجهات بالتعامل معها، وإن كانت التوقعات تُشير إلى أن القرارات مهما كانت ستزيد من الإشكاليات التي ستواجهها الحكومة في التعامل مع مجلس النواب.

يعتبر البعض طلبات رفع الحصانة مصيدة لضرب صدقية مجلس النواب وتشويه صورته

يشترط الدستور الأردني في محاكمة رؤساء الحكومات، أو الوزراء العاملين، أو السابقين أن يُعرض الأمر على مجلس النواب للتصويت بالموافقة على إحالتهم إلى النائب العام؛ وقُبيل تعديل الدستور عام 2011 إبان "الربيع العربي" كانت محاكمة رؤساء الوزراء والوزراء سواء كانوا على رأس خدمتهم أو سابقين، لا تتم إلا أمام المجلس العالي لمحاكمة الوزراء ـ وهي هيئة غير قضائية يرأسها رئيس مجلس الأعيان "الغرفة الثانية من مجلس الأمة الأردني".

ينص الدستور الأردني في مادته (86) "لا يوقف أحد أعضاء مجلس الأعيان والنواب ولا يحاكم خلال مدة اجتماع المجلس ما لم يصدر قرار من المجلس الذي ينتسب إليه بالأكثرية المطلقة بوجود سبب كافٍ لتوقيفه ومحاكمته، أو ما لم يُقبض عليه في حالة تلبس بجريمة جنائية، وفي حالة القبض عليه بهذه الصورة يجب إعلام المجلس فورا".

تُثير طلبات رفع الحصانة عن النواب اتهامات وأسئلة كثيرة داخل أروقة مجلس النواب، وينظر لها بعضهم على أنها مصيدة لضرب صدقية المجلس وتشويه صورته أمام الشارع، ويتساءلون لماذا لم تلاحق السلطات القضائية النواب خلال الإجازة القضائية، وهم لا يتمتعون بالحصانة؟ ولماذا تحركت أجهزة إنفاذ القانون ـ على سبيل المثال ـ لملاحقة النائب غازي الهواملة قُبيل يومين من بدء الدورة البرلمانية العادية، وهو ما دفعه للتخفي؛ خشية إلقاء القبض عليه؟

فتحت المطالبات برفع الحصانة عن النواب الباب نقاشا موسعا حول إجراء تعديل دستوري يقصر حصانة النائب بما يتعلق بممارسة عمله البرلماني، ولا يجوز أن تمتد لما هو خارج هذا النطاق. ويطرح كتاب وسياسيون أسئلة عن مشروعية منح حصانة لنائب عن اتهامات له متعلقة بجرائم مالية، ويرون أن ذلك يعطل المسار القضائي، وسيادة القانون، ويحصن النواب أو الأعيان في مواجهة مساءلتهم.

في المقابل، فإن المصرين على الحصانة التي منحها الدستور ينتقدون أن النص الدستوري لم يوضع جزافا، وإنما جاء لتمكين مجلس الأمة من ممارسة دوره بحرية، وحتى لا بتعرض "لمكائد السلطة التنفيذية"، واستخدام الاتهامات للنيل منه ومقايضته على مواقفه.

في جميع الأحوال، حتى وإن كانت نية الحكومة وأجهزتها إجراء تعديلات دستورية، فإن تمريرها في الأشهر الأخيرة من ولاية مجلس النواب تبدو صعبة المنال.

♦♦♦

رفع الحصانة عن النواب أو الموافقة على محاكمة الوزراء أمر لا يدفع للدهشة والاستغراب؛ وفي تاريخ الحياة البرلمانية الأردنية منذ عودة الحياة الديمقراطية عام 1989 وحتى الآن قصص وحكايات تتسع الذاكرة لاستعادتها وروايتها، بعضها أحدث قلقا وألما، وبعضها الآخر كان صادما ومضحكا.

أول القصص التي لا تُنسى كان تصدي مجلس النواب للتحقيق فيما سُمي "قضية الجفر" واتهم بها زيد الرفاعي، أكثر رؤساء الوزراء السابقين نفوذا في عهد الراحل الملك الحسين، واتهم معه وزير أشغاله آنذاك محمود الحوامدة، وبعد نقاشات مثيرة تحت قبة البرلمان قرر مجلس النواب تبرئة الرفاعي بفارق صوت واحد، وتوجيه الاتهام لوزيره الحوامدة، وأحيلت القضية للمجلس العالي لمحاكمة الوزراء.

وقبل أن تزول صدمة ما حدث جاءت قضية القبض على النائب المعارض والأكثر شهرة ليث شبيلات ورفيقه يعقوب قرش واتهامهما بالتآمر ضد نظام الحكم في القضية التي عُرفت باسم "النفير"، وبمعزل عن ملابسات المحاكمة التي أنيطت بأمن الدولة، والاتهامات بتزوير واختلاق الحقائق، وما أثير عن استدعاء شهود زور؛ فإن الحكم على شبيلات وقرش بالإعدام كان الأكثر صدمة، والأكثر خطورة في الحياة السياسية البرلمانية.

تفاصيل هذه القضية لا تغيب عن ذاكرتي فقد كنت حينها مدير تحرير الصحيفة الأكثر انتشارا في الأردن "شيحان"، وتابعت تفاصيلها لحظة بلحظة، وكتبت مرافعة صحفية قُبيل صدور الحكم بعنوان "الشبيلات الغائب الحاضر" مرفقة برسم لحنظلة الذي كان يستخدمه رسام الكاريكاتير الشهيد ناجي العلي مع استبدال وجهه بوجه شبيلات.

الشبيلات لم يكن معارضا عاديا، والحكم بإعدامه ليس قرارا عابرا بمكن أن يمر بسهولة، خاصة في بلد لم يسجل على نظامه إعدام، أو قتل، أو إخفاء معارض سياسي، ولهذا لم يطل العفو الملكي العام الذي أعاد الشبيلات حرا وجبَّ الجريمة من أساسها.

قصص الشبيلات، نجم المعارضة لا تنتهي، ففي عام 1996 أعيد سجنه بتهمة إطالة اللسان على الملك الراحل الحسين، ولكن الأكثر دهشة كان ذهاب الملك إلى السجن، وأمر بالإفراج عنه واصطحبه بسيارته إلى منزل والدته، وتكرر المشهد مرة ثالثة بتوقيفه وسجنه بعد أحدث معان، وحين أعاد الملك الحسين إصدار عفو خاص عنه رفض شبيلات الخروج، وأصر على إكمال مدة السجن.

الصراع في الأردن حتى وإن اتخذ أشكالا قاسية، كان ينتهي بالغالب بمصالحات تسعى إلى تضميد الجراح ووأد الأزمة. ومن القصص التي اتسمت بالمكاسرة سجن نائبين من الحركة الإسلامية ـ الإخوان المسلمين ـ بعد اتهامهما بإثارة النعرات المذهبية، وتعكير الوحدة الوطنية؛ إثر قيامهما بالتعزية بالقيادي في تنظيم "القاعدة" بـ "أبي مصعب الزرقاوي" الذي قتلته القوات الأميركية في العراق.

لم يبقَ النائبان في السجن طويلا، وصدر قرار بالعفو عنهما، وتكرر الأمر مع النائب السابق توجان فيصل التي اتهمت بالمس بهيبة الدولة، وإذاعة أخبار كاذبة، وسُجنت ومُنعت من الترشح للانتخابات مرة أخرى، لكن أيضا جرى العفو عنها وإطلاق سراحها.

الرفاعي اتُهم وبُرأ، والشبيلات قُبض عليه وحُكم بالإعدام وتوجان سُجنت ومُنعت من الترشح

من القصص الأكثر مدعاة للخجل والضحك والتي لن يطويها النسيان، تصويت النواب في المجلس السابق على فصل ورفع الحصانة عن زميلهم طلال الشريف بعد أن هدد وطارد زميله قصي الدميسي بسلاح "كلاشينكوف" داخل أروقة المجلس.

ليست كل الاتهامات والقصص مقتصرة على النواب وخاصة المعارضين منهم، فالاتهامات وصراع التصفيات والضرب تحت الحزام قد يمتد لرجال السلطة، أو قد يكونون "كبش فداء"، فرئيس الوزراء الأسبق معروف البخيت، ووزير السياحة الأسبق أسامة الدباس اتهما بما عُرف بقضية "الكازينو"، وقد صوت مجلس النواب على تبرئة الرئيس البخيت، واتهم الدباس، وخضع لمحاكمة انتهت ببراءته.

وحتى الآن فإن وزير المياه الأسبق منير عويس ما يزال يمثل أمام محكمة أمن الدولة في القضية المثيرة للجدل، والاتهامات، والتي شغلت الرأي العام "الدخان".

إذن يتكرر المشهد أمام مجلس النواب الحالي، فهم مطالبون برفع الحصانة عن زملاء لهم، وبذات الوقت بالموافقة على إحالة وزيرين سابقين إلى النائب العام.

لا ينظر بعض النواب إلى هذه القضايا باعتبارها إجراءات قانونية صرفة، بل يعتقدون أنها لا تخرج عن سياق الصراع السياسي، وتوظيف القانون في معارك السلطة، ويرون أن هذه الأزمات والاختبارات التي تصنعها الحكومة تهوي باستقلاليتهم، وتضيق الخناق عليهم، وتحرق ما تبقى من شعبية لهم.

وزراء ونواب في قفص الاتهام هذه حقيقة. قد ينجو بعضهم، وقد يخضع آخرون للملاحقة والمحاكمة؛ غير أن الأزمة تتعمق، والنواب الذين سيصوتون ويتخذون القرار يشعرون أيضا أنهم في قفص الاتهام والملاحقة.

اقرأ للكاتب أيضا: "صناعة الرؤساء" في الجزائر

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
وزراء ونواب بقفص الاتهام في الأردن 411429B5-3F81-4124-9376-03695B5CDF64.jpg AFP وزراء-ونواب-بقفص-الاتهام-في-الأردن الملك الأردني متحدثا أمام البرلمان 2019-12-05 12:44:54 1 2019-12-04 19:05:21 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.