متظاهر يحمل علما عراقيا قرب جسر الجمهورية المؤدي للمنطقة الخضراء وسط بغداد
متظاهر يحمل علما عراقيا قرب جسر الجمهورية المؤدي للمنطقة الخضراء وسط بغداد

516636 4

منى فياض/

هل العروبة هوية من الماضي أم ذريعة للقطيعة الثقافية مع العالم؟ أم أنها لا تزال تصلح للتأسيس للمستقبل؟

العروبة التي تمترس العرب خلفها: يمين ويسار، شمال وجنوب، مسلمون وقوميون، هل هي منجزة ثابتة كي تصبح دهرية؟ أم أنها ككل الهويات قيد البناء والتراكم في دينامية تتبلور وتتعلق بالزمان والمكان والاجتماع السياسي لمجتمعاتنا؟ أهي مرتبطة بشرعية الأنظمة وحسن إدارتها للمنظومة السياسية الاجتماعية كحامل لتفعيل القيم وإنجاحها، أم معطى جوهري قائم بذاته؟

وبالتالي هل تكفي مجموعة القيم الثقافية والحضارية والأبعاد التاريخية للأمة، وحدها، كي تنجز النهضة أو الوحدة العربية المنشودة؟

هذه بعض الأسئلة ـ الإشكاليات التي طرحت طوال يومين في 4 و5 أكتوبر الماضي وحاضر فيها أكثر من 20 مشاركا من دول المشرق والمغرب مرورا بمصر.

ذكّر البعض أن فكرة العروبة برزت بعد الدولة العثمانية متزامنة مع التقسيم الذي أراده الاستعمار. وظلت فكرة غلابة وصاعدة وزادتها مشكلة فلسطين إلحاحا. لكنها كانت فكرة دون فكر. بنية لها عدة عناصر، ولكن العنصر الفاعل فيها هو الإسلام. لماذا؟ لأنها تطورت من أجل خدمته في الوعي العربي.

المطلوب تجديد الدين وليس فقط الإصلاح. أي تخليص الفكر من الأوهام التي يحملها

ظلت العروبة فكرة جامعة وأملا منشودا في خطابات المسؤولين وفي وعي الجماهير إلى أن تعرضت للانجراح لأول مرة مع انفصال الوحدة بين مصر وسوريا. فبعد أن بدت الوحدة ممكنة التحقيق. جعلها الانفصال غير بديهية. وبرزت التحالفات والتحالفات المضادة.

قامت الوحدة على مبدأ ـ موقف جوهراني قيمي: نحن عرب، جزء من أمة واحدة، تجمعنا القيم الأساسية الحضارية: لغة ـ ثقافة ـ قيم وتاريخ مشترك. اكتفت الوحدة بالشعارات الكبرى ولم تهتم بالتفاصيل المعاشة: مثل التنسيق لتوحيد برامج التعليم أو شكل النظام السياسي ـ الاجتماعي! أو تحقيق التنسيق والتعاون الاقتصادي كالسوق العربية المشتركة التي نشأت "نظريا" منذ العام 1964! 

جوبهت جميع الصعوبات والمشاكل التي تعرضت لها "الأمة" بالإجابات الكلية. يحال كل شيء إلى قيمة عليا بعيدة عن التصورات والبرامج التي تنقلها إلى الواقع. صحيح أن القيم الحضارية موجودة كمنظومة تربط الشعوب؛ لكن المصالح المشتركة وحدها والجزئيات الضمنية هي ما قد يحقق الوحدة.

ففشلت العروبة وأصيبت الشعوب بالخيبة. وبرز "الإسلام وحده كحل". قام الحلف الإسلامي: مؤتمرات قمة، تحالف مع أميركا، إخوان مقابل يسار. ثم حرب أفغانستان وظهور الإسلام الجهادي.. ومعه تغير الوعي.. حتى ياسر عرفات بدا شيوعيا حينها.

فانكب الجميع على التراث لملء الفراغ الفكري واللادينامية المجتمعية. التوجه نحو الماضي، للبحث في التاريخ عن شيء مفقود في الحاضر لإعادة إنتاجه. نشأت حينها الثنائيات المتعارضة: تقليد/ حداثة، تجديد/ سلفية. وجدوا نثرات من الحداثة ونوع من الندية لطمأنة الذات: ابن رشد، ابن خلدون...

لكن ما الذي جاءت به هذه العودة؟ لم تأت بغير النص، الذي يتم تداوله، فيقرأ ويؤول دون أن ينتج المفهوم الذي لا ينبثق من النص المتعالي وحده خارج الواقع والوقائع.

استدعي الإسلام الجوهراني الساحر والخلاب الذي لديه جميع الإجابات الجاهزة دون إعمال التفكير والاجتهاد. أدى هذا إلى قطيعة مع الحداثة. فاقم النفط والاقتصاد الريعي هذه القطيعة.

المطلوب الطاعة فقط وانصياع الأفراد سياسيا. وهذا يحتاج إلى قيادة كاريزمية ملهمة وقدرات استثنائية لـ"القائد إلى الأبد". لم يعد المجال السياسي العام للفرد أو للمجتمع. أصبح إرادة جزئية لفرد مقابل الإرادات جميعها. وصارت العلاقة مشخصنة وزبائنية. الدولة تذهب والشخص يبقى. استقرينا على نموذج ثقافي يستمد وعيه من خارج الوضع المعاش؛ من سلطة غيب تهيمن من خارج المجتمع.

عنى التحديث لدولة النظام العربي: الآلة العسكرية للدولة، تجسس، مخابرات، بوليس. فصلت الحداثة عن أصولها الفلسفية والوجودية المتعلقة بالفرد، وبقيت الحرية والمساواة والدولة الحديثة، دولة القانون، مجرد شعارات حتى في الخطاب الليبرالي عربيا.

هناك الآن الدعوة إلى الإصلاح. المطلوب تجديد الدين وليس فقط الإصلاح. أي تخليص الفكر من الأوهام التي يحملها. الإسلام دين يفصل بين الدين والسياسة أو الدولة. الإمام علي جاء بالقرآن وقال له انطق. فلم ينطق. فقال الكتاب لا ينطق. ينطق به الرجال. أنت من يقول وهذا فهمك.

والمطلوب التخلص من الخلط بين العلم والدين: اعتبار القرآن كتاب علم وأن تكون لديه نظرية علمية، هو حديث خرافة. النظرية العلمية نظرية نسبية وتاريخية وفي سيرورة مستمرة. بينما صفة الدين الثبات والارتفاع فوق الأزمنة. الكتاب يحث على العلم ولكنه ليس كتاب علم.

أين نحن مما يجري في العالم الآن؟ كيف يكون التجديد؟ وعبر أية آليات؟

هناك العولمة التي لا نملك ترف الاختيار بين قبولها أو رفضها. العولمة تسير من دوننا لأننا خارجها. وإذا كان من تجديد ممكن للعروبة الآن فيتطلب أن يقترن بتقبل واقع أن العالم تغير ويتغير بسرعة هائلة ووعي أننا نعيش خارج السياق العالمي.

اللغة العربية مهددة صحيح، والبعض يقول بموتها؛ لكن ليس لأنها لا تدرس في المدارس والجامعات كما يجب؛ بل لأنها أصبحت خارج التطور والسباق في المجال العلمي وفي الإنتاج المعرفي.

انتفاضة العراق ثورة ديموغرافية لجيل جديد لا يفهمونه

الحديث الآن ليس عن اقتصاد المعرفة بل عن رأسمالية المعرفة على المستوى العالمي. نحن مجرد مستهلكين لما تنتجه المعرفة فقط لا غير. نستهلك سلع الإنتاج التكنولوجي للسباق المعرفي. وبالتالي الثقافة واللغة العربية ضعيفتان لضعف المجتمعات الناطقة بها ولعجزها عن الدخول في الاقتصاد العالمي.

الرأسمالية المعرفية تفخخ الاقتصاد العالمي. اخترعت رأسمالية السوق في البندقية بين عامي 1050 و1750، ثم الرأسمالية الصناعية في انكلترا مع الآلات. نحن الآن في المرحلة الثالثة للرأسمالية، رأسمالية المعرفة؛ أي اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي والبيغ داتا، التي تعرف نموا متسارعا وتغير جذريا التراتبية بين الأفراد والمؤسسات والعواصم والأمم. إنها مرحلة عظمة وانحدار أمم.

في العام 1960، كان لكوريا الجنوبية نفس مدخول الفرد مثلها مثل الدول الفقيرة في أفريقيا السوداء ولم تلحق بالمغرب سوى في العام 1970. اليوم أصبحت عملاقا تكنولوجيا في عدة ميادين مفتاحية من الميكروبروسيسور والمعالجات الدقيقة إلى الشاشات والبرمجيات والهواتف الذكية والنووي.

في العام 1980، كان المغرب أغنى بخمس مرات من الصين. أصبحت الصين قوة عظمى علميا، بينما بقي المغرب دولة فقيرة فيها 40 في المئة من الأمية بين النساء.

هذه الانقلابات الجيوسياسية لا شأن لها بالصدفة، لكنها نتيجة جهود ضخمة في التوظيف التربوي والعلمي والتكنولوجي لبلدان شرق آسيا: سنغافورة، الصين، تايوان، هونغ كونغ، وكوريا الجنوبية. حصة الصين من الصرف العالمي على الأبحاث انفجرت: من 2 في المئة عام 1995 إلى 23 في المئة اليوم، أي اكثر من أوروبا مجتمعة وتقترب من الولايات المتحدة. إسرائيل في مصاف هذه الدول. أصبحت بلدان آسيا الشرقية عمالقة علميين بينما بالكاد وظفت بلدان أوروبا الجنوبية (إسبانيا، إيطاليا، البرتغال) 1 في المئة من الثروة الوطنية الـ PIB – على البحث.

العالم في واد والعالم العربي في واد.

هل هناك من أمل بعد للمجتمعات العربية؟

قد تؤشر الثورات في العالم العربي، التي يتكاتف النظام العربي لقمعها، إلى وجود تغيرات عميقة تعتمل في المجتمعات العربية. فخلف الانتفاضات المتجددة في العراق والسودان والجزائر ولبنان ثورات ديموغرافية أكثر مما هي سياسية. فالأجيال الشابة تشكل من 60 إلى 70 في المئة من السكان العرب. وهم محبطون من سياسات الحكومات وأركانها ومن البطالة وغياب الخدمات الأساسية والحقوق.

لا أدري إذا كان لا يزال ممكنا استعادة الدولة من براثن صراع الهويات ما دون الوطنية

تبدو انتفاضتا العراق ولبنان ثورة ديموغرافية لجيل جديد لا يفهمونه. ثورة جيل الميلينيوم أو الألفية الثالثة. الجيل الذي نشأ في ظل الثورة الرقمية والثورات العربية ولم يعرف حكم صدام حسين ولا يهتم بالمرجعيات الدينية ولا بالسلطات الحاكمة.

أشار الناشط العراقي في واشنطن، انتفاض قنبر، إلى أن واشنطن بوست نشرت مؤخرا نتائج دراسة للرأي العام العراقي أجرتها على مدى 3 سنوات واستنتجت وجود انقلاب في الرأي العام الشيعي في العراق ضد إيران ويعتبرها عدوا وفقدت الحكومة شرعيتها من قبل غالبية الشيعة.

يستخدم الإيرانيون نفس آليات قمع ثورة 2009 الخضراء. ويكررون أسلوب صدام لكنهم لن ينجحوا ولن يكبحوا جيل الميلينويم.

الخلاصة

أحد مرتكزات العولمة: الفرد وحريته وقيمه الإنسانية والأخلاقية والاقتصادية، وشرط الإبداع، الذي يعني الإنتاجية بكثافة وبراعة واتقان مع احترام معايير الجودة عبر البحث العلمي والقدرة على التنافس.

لا أدري إذا كان لا يزال ممكنا استعادة الدولة من براثن صراع الهويات ما دون الوطنية وبذل الجهود الجبارة لإيجاد ديناميات مجتمعية عبر التوظيف التربوي والعلمي والتكنولوجي للاستلحاق والدخول في ركاب العولمة. دينامية الجيل الشاب في لبنان والعراق تدعو إلى التفاؤل بامكانية الاستمرار في الضغط للخروج من الثقب الأسود الذي نغرق به. لكن المشكلة في الهوة السحيقة التي تفصلنا عن وتيرة ومستوى التطور المعرفي الرقمي والسيبراني الذي وصلت البلدان المذكورة أعلاه.

اقرأ للكاتب أيضا: شيعة "الكوميديا الإلهية"، والثورة كعلاج

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
في ظل رأسمالية المعرفة.. هل من أمل للعروبة؟ CB1B686A-DF0A-44EF-8E99-E9316F5865CE.jpg AFP في-ظل-رأسمالية-المعرفة-هل-من-أمل-للعروبة متظاهر يحمل علما عراقيا قرب جسر الجمهورية المؤدي للمنطقة الخضراء وسط بغداد 2019-12-08 01:43:23 1 2019-10-18 15:10:09 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.