عبد الفتاح أبو مدين (تويتر)
عبد الفتاح أبو مدين (تويتر)

524509 4

محمد المحمود/

تُوفّي الأديب والإعلامي القدير/ عبد الفتاح أبو مدين يوم الأحد، الأول من هذا الشهر، في مدينة: "جدة"، عن عمر يناهز 94 عاما. وكان أبو مدين قد وُلِد في بنغازي في ليبيا عام 1925، حيث فقد والده ـ الذي كان يعمل في بيع الحطب والفحم ـ وهو لا يزال في السابعة من عمره، ثم فقد أشقاءه، فعاش مع والدته وأخته مسؤولا عنهما، عاش حياة اليتم والفقر والكدح في سبيل لقمة العيش، حيث عمل في أكثر من مهنة وهو لايزال صبيا، ثم قدم مع والدته إلى خاله في "جدّة" وهو في حدود السابعة عشرة من عمره، ليحفر في الصخر، وليواجه غول الفقر، وليقف وجها لوجه مع أصعب التحديات؛ فيُذلَلّ كل تلك الصعاب التي كشّرت عن أنيابها بعزيمة عصامي من نوع فريد.

توالت الأحداث، وأخذته الأيام ـ بفضل جديته ـ فنقلته من الإعسار إلى الإيسار، ومن كونه مغمورا ليكون مشهورا؛ فطفق يكتب سيرته التنويرية الفذّة في تفاصيل الواقع الثقافي على حدود زمن مفصلي؛ قبل أن يكتب كثيرا من ملامح سيرته العامة في مسطور كتابه/ سيرته الذاتية التي نشرها تحت عنوان: "حكاية الفتى مفتاح" التي صدرت عام 1996.

كان الانفتاح الثقافي والنفسي عند "الفتى مفتاح" هو السر وراء كل هذا النشاط الفكري/ الأدبي

لا يمكن تأريخ الحراك الأدبي والثقافي في السعودية دون الوقوف طويلا عند الدور المحوري الذي لعبه "الفتى مفتاح". بدونه، كثير من محاور هذا الحراك كانت ستكون متواضعة إلى حد كبير، وبعضها لم يكن ليرى النور أبدا؛ لولا هذه الهِمّة التي تنطح الثريا بِرَوْقَيها؛ كما يقول حبيبنا/ المتنبي عن همّة سيف الدولة الحمداني.

وإذا كانت بدايات أبي مدين الصحافية/ الثقافية الأولى، البدايات الواعدة، تمثّلت بإصداره جريدة "الأضواء" (وهي أول جريدة تصدر في "جدة" بعد الحكم السعودي، بشراكة مع محمد سعيد باعشن، ومحمد أمين يحيى عام 1957)، ثم بإصدار جريدة "الرائد" التي أسسها بنفسه عام 1959، فكان هو مؤسِّسها، ومديرها العام، ورئيس تحريرها، فضلا عن أدواره الصحافية الأخرى، أقول: إذا كانت هذه هي البدايات الواعدة، فإن الدور الأبرز والأهم، بل والأخطر، هو في موقعه كرئيس للنادي الأدبي الثقافي في "جدة" على مدى 25 عاما (1980 ـ 2006)، أي في فترة هي من أشد الفترات حرجا، إذ تزامنت بداياته في النادي ـ وتحديدا: بداياته كرئيس (فمن قبل كان عضوا في مجلسه المنتخب) ـ مع بدايات تصاعد المَدِّ الأصولي المتمثل في الحراك الصحوي الذي سيدخل معه أبو مدين في صراع مفتوح، لا على مستوى الأفكار والرؤى التي سيدعهما النادي فحسب، وإنما على مستوى الكيد والتآمر والتشويه والتحريض أيضا، وهي السلوكيات التي سيحاول بها الحراك الصحوي/ الأصولي إبعاد أبي مدين عن رئاسة النادي الذي أصبح في نظرهم منبرا للحداثة الأدبية والتنوير الثقافي، أي منبرا لنشر الضلال والزيغ والإلحاد؛ كما روج لذلك متطرفو الصحوة ـ كتابة وخطابة ـ في أواخر ثمانينيات القرن الميلادي المنصرم.

صحيح أن أبا مدين تولّى منصب: مدير عام الإدارة في مؤسسة "البلاد" للطباعة والنشر، وأنه قد اختبر عضوا منتدبا لدار البلاد للطباعة والنشر، وأنه تولىّ إدارة تحرير العدد الأسبوعي لصحيفة "عكاظ" وأن بعض الصحف التي تعاني من خسائر كانت تُوْكِل إليه إدارة بعض ـ أو كل ـ شؤونها؛ لينتقل بها ـ نجاحا وإنجازا ـ من وضع "مدين" إلى وضع "دائن"، وصحيحا أيضا أنه أصدر أكثر من عشرة كتب متنوعة، وأنه كتب مئات المقالات النقدية والفكرية والاجتماعية، لكن كل هذا ليس هو ما صنع قيمة أبي مدين كـ"علامة فارقة" في مسيرتنا التنويرية التي تعرضت لحرب أصولية واسعة النطاق، خاص ما بين عامي: 1980 و 2000.

إنك إن بحثت عن أبي مدين لن تجد قيمته الباذخة عطاء وعظمة في كتبه أو مقالاته، ولا حتى في معاناته مع بداياته الصعبة القاسية، فهو فيها ككبار مُجَايليه من الأدباء والصحفيين، إنه فيها مثلهم وبمستواهم تقريبا: أديب/ مفكر/ ناقد، لكنه ليس مفكرا كبيرا، ولا أديبا استثنائيا، ولا فيلسوفا تنويريا جذريا يمارس تفكيك الواقع من خلال التاريخ، وتفكيك التاريخ ـ لأجل المستقبل ـ من خلال الواقع.

المهم، أنك إذا لم تجده استثناء في كل ذلك، فأنت ـ حتما ـ ستجده استثناء فيما هو أهم، ستجده مفكرا كبيرا، وأديبا استثنائيا، ورائدا تنويريا في المحصلة النهائية لدوره كرئيس للنادي الأدبي الثقافي بجدة، إذ أصبح هذا النادي ـ بفضل اتساع الأفق الثقافي لأبي مدين، وبفضل شجاعته وتفانيه في عمله ـ منبرا أدبيا/ فكريا/ ثقافيا أسهم إسهاما كميا ونوعيا في نشر الوعي، وتعزيز مفاعيل التواصل الثقافي، لا على المستوى المحلي فحسب، وإنما على مستوى الحراك الفكري/ الأدبي في كل أرجاء العالم العربي.

لكي تقرأ مستوى الشجاعة في السياسة التي انتهجها النادي إبان رئاسته له، عليك أن تقرأها في سياق ظرفها التاريخي آنذاك. لقد أتاح أبو مدين للنساء المشاركة في حضور فعاليات النادي المنبرية في قاعة أخرى، عبر الشبكة التلفزيونية، وكانت هذه خطوة جريئة وخطيرة في وقتها، وقد تسببت ـ مع تراكمات أخرى ـ في صدور قرار بفصله نتيجة التحريض الذي تصاعد ليشارك فيه بعض الواعظ الكبار. صدر القرار بفصله، وحزن لذلك الوسط الثقافي، فضلا عن العاملين معه، ثم كان العدول عنه في غضون أسبوع؛ إذ أدرك كثير من المسؤولين أنه من العملات الثقافية النادرة التي لا يجوز التفريط فيها.

كان أبو مدين يعي تماما أنه بشجاعته في استضافة أسماء شوهتها الأصولية/ الصحوية بحملاتها المنظمة الظالمة (فضلا عن الغضبات الجماهيرية العفوية)، وبشجاعته في طباعة كتب ودوريات هي محل جدل وتشكيك، سيضع نفسه دائما على حافة الفصل/ الطرد. كان يرى المنصب أداة مهمّة للإنجاز، ولكنه كان يؤمن أنه عندما يتعارض المنصب مع الإنجاز، فليذهب المنصب بلا رجعة.

بمنطقه: أنت إذا لم تُنْجز عملا نوعيا من خلال السلطة التي يُوفِّرها لك منصبك؛ فما أهمية منصبك أصلا. وكان كثيرا ما يردد عبارته الشهيرة: "الثقافة مغارم وليست مغانم"؛ حتى أصبحت هذه العبارة من لوازم كلامه التي يستحث بها العاملين معه في الشأن الثقافي.

وإذا كان المتنبي يقول: "وبضدها تتبيّن الأشياء"، فإننا نؤكد أنه في الوقت الذي كان فيه أبو مدين يعمل بشجاعة، وبجدية بالغة، وبكفاءة عالية؛ كرئيس لنادي جدة الأدبي والثقافي، كانت بقية الأندية الأدبية (وعددها 15 ناديا أدبيا ثقافيا موزّعة على المدن/ المناطق) تبدو وكأنها خاوية على عروشها. طبعا، كانت تعمل، وتحاول، ولكن، بتردد، وخوف، وكسل، ومراعاة مَرَضيّة للسائد المجتمعي/ الديني، وأحيانا بمغازلة صريحة عارية لتوجّهات الحراك الأصولي، ولهذا كانت تبدو ـ مقارنة بنشاط نادي جدة ـ وكأنها لا تعمل أصلا، بل وكأنها غير موجودة، إذ لا تسمع ولا تقرأ لها ما يؤكد أنها على قيد الحياة، وإن فعلت ـ ونادرا ما تفعل ـ فهي حياة أموات!

لا أزال أذكر صدمتي الشديدة وأنا أتحدّث مع عضو عامل في أحد مجالس إدارة هذه الأندية، إذ فهمت من كلامه أن ميزانية نادي جدة هي ذاتها ميزانية النادي الذي ينتسب إليه، وهي أيضا ميزانية جميع النوادي. سبب صدمتي أن نشاط نادي جدة المبهر أوهمني ـ وبالقياس والمقارنة ـ أنه يتحصّل على ميزانية تبلغ ـ على الأقل ـ عشرة أضعاف ميزانية سائر الأندية.

كان نشاط نادي جدة يوهمني أنه صاحب حظوة خاصة، وأنه بالتالي يُمْنح دعما استثنائيا، إذ ليس من المعقول أن يحصل أي نادٍ آخر على الميزانية نفسها، ثم لا يقوم ولو بـ5 في المئة مما يقوم به هذا النادي الذي أصبحت رايته خفّاقة باستضافته أشهر الأسماء الأدبية والفكرية في عالمنا العربي.

لقد استضاف نادي جدة مشاهير الفكر والأدب في عالمنا العربي، خاصة أولئك الذين كان الخطاب الأصولي يستهدفهم بالتجريم والتضليل والتكفير. دُعي إليه كل من: عزّالدين إسماعيل، وصلاح فضل، وكمال أبو ديب، وجابر عصفور، وسعد مصلوح، ونذير العظمة، وحميد لحمداني، ولطفي عبد البديع، وعلي البطل، وعبد الملك مرتاض، وعبدالله إبراهيم، وعبد السلام المسدي، وحمادي صمود، وسعيد علوش...إلخ النقاد الكبار؛ فضلا عن رموز الحداثة في الداخل، استضافهم أبو مدين/ النادي عندما كان الخطاب الأصولي في أوج عنفوانه، فلم يحفل به، ورأى أن المسألة هي حياة أو موت النادي معنويا.

وفضلا عن النشاط المنبري: محاضرات وندوات ومؤتمرات وأمسيات شعرية، أسهمت فيها هذه الأسماء اللامعة وغيرها، فجعلت من النادي شعلة نشاط لا تهدأ، كان النادي يستكتب هؤلاء وغيرهم في دورياته/ المجلات الأدبية الثقافية التي عرّفت القراء العرب بالنادي من جهة، ووسّعت من دائرة انتشار هؤلاء المفكرين/ النقاد/ الأدباء من جهة أخرى.

لقد أصبحت مجلة "علامات" التي يُصدِرها النادي بشكل دوري منذ الثمانينيات الميلادية، والمتخصصة في النقد الأدبي والثقافي، من أهم المراجع في النقد، بحيث لا يمكن لباحث في هذا المجال أن يتجاهلها. وأيضا، أصدر النادي مجلة "جذور" المتخصصة بالتراث العربي، ومجلة "عبقر" المتخصصة بالشعر، ومجلة "الراوي" المتخصصة بالرواية، ومجلة "نوافذ" المتخصصة بترجمة الأدب العالمي.

لا يمكن تأريخ الحراك الأدبي والثقافي في السعودية دون الوقوف طويلا عند الدور المحوري الذي لعبه "الفتى مفتاح"

هكذا أصبحت هذه الدوريات المُحَكَّمة محاور تواصل بين المحلي والعربي من جهة، وبين العربي والعربي من جهة أخرى. ولهذا لم يكن غريبا أني إذا ما التقيت بأديب أو ناقد أو مفكر في معرض كتاب، أو في مكتبة ما، سواء في الأردن أو مصر أو تونس أو المغرب أو غيرها، فإنه لا يكاد يعرف شيئا عن الحراك الفكري المحلي عندنا إلا ما يعرفه عن هذه الدوريات الراقية من إصدارات نادي جدة. والغريب، كما قال أبو مدين في أحد حواراته المتلفزة، أن انتشار هذه الدوريات خارج المملكة أكثر من انتشارها في الداخل، خاصة في المغرب العربي.

لقد كان الانفتاح الثقافي والنفسي عند "الفتى مفتاح" هو السر وراء كل هذا النشاط الفكري/ الأدبي الذي كان استثنائيا في الزمن الأصولي. إنه الانفتاح على الجميع، فأبو مدين رغم انحيازه للخطاب التنويري إلا أنه كان يؤمن بتعدد الآراء وتجاورها وتجادلها، ويقبل الجميع، من تراثيين تقليديين، بل ومن محافظين؛ شرط أن يكونوا جزءا من حراك متنوع، ولا يسعوا لفرض رؤيتهم الخاصة كتوجه أحادي يراد له أن يلغي الآخرين.

حتى النقد الحداثي/ الفكر الحداثي الذي أصبح النادي برئاسة أبي مدين منبره الأهم في الثمانينيات، لم يكن أبو مدين من مريديه، أي لم يكن حداثيا بالمفهوم النقدي/ الأدبي، فهو كان يسير على خطى طه حسين كمقلّد له، حتى لقّبوه بـ"الطحسني"، ولكنه فتح آفاقه على الحداثة كحراك واعد، ودافع عنها وعن رموزها، وفتح لهم أبواب النادي ومنابره ودورياته؛ يوم تنكرّت لهم بقية الأندية الأدبية، وازْورّت عنهم أغلب الصحف، وطاردت الجامعات من ينتسب لها منهم، وضجّت منابر الخطابة الجُمَعيّة بتضليلهم وتكفيرهم؛ حتى أصبحت كلمة "حداثي" ـ في تصور جماهير المتدينين الذين استغفلهم الخطاب الأصولي ـ لا ترد إلا بمعنى "كافر" ماكر؛ يكيد ـ بالضرورة ـ للإسلام ولأبناء الإسلام!

اقرأ للكاتب أيضا: ابن تيمية والتوجهات الانغلاقية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

أبو مدين أو التنوير في الزمن الأصولي 58D39C6B-8534-431B-A81D-7792903F0E4C.jpg Social Media أبو-مدين-أو-التنوير-في-الزمن-الأصولي عبد الفتاح أبو مدين (تويتر) 2019-12-09 13:05:58 1 2019-12-09 13:24:58 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.