تظاهرة نسوية في بيروت ضد التحرش والاعتداء الجنسي
تظاهرة نسوية في بيروت ضد التحرش والاعتداء الجنسي

524521 4

هشام ملحم/

عكس الشعار الذي رفعته الثورة السلمية اللبنانية منذ بدايتها العفوية: "كلن يعني كلن" عمق السخط الشعبي في مختلف مناطق لبنان، وفي أوساط مختلف الشرائح الاجتماعية في البلاد.

صرخة جماعية تقول كفى لنظام الإقطاع السياسي والطائفي الذي يحتكر السلطة منذ تأسيس الجمهورية اللبنانية، والذي زج البلاد بنزاعات أهلية قام خلالها "الأوصياء" على الحكم بالتواطؤ مع قوى إقليمية ودولية لتحقيق مصالحهم الضيقة.

سمحت سنوات الحرب وسنوات "السلم" المتزعزع، منذ 45 سنة (1975 حتى اليوم)، سمحت للطبقة السياسية ـ الدينية بعرقلة نمو المجتمع المدني، ومنع بناء مؤسسات سياسية واقتصادية مستقلة وخاضعة للمحاسبة والمراقبة من قبل نظام قضائي مستقل بالفعل وبرلمان يشرّع بشفافية واستقلالية.

بالطبع، مثل هذه المؤسسات تنمو في دولة مدنية وعصرية، وليس في ظل نظام مبني على المحاصصة الطائفية ومصالح الإقطاع السياسي المتجذر. ما خلقته هذه الطبقة هو دولة تبدو ظاهريا حديثة ومتطورة و"خدماتية" بامتياز توفر الترفيه في فنادقها الفخمة ومطاعمها ونواديها الليلية الصاخبة لأثرياء العالم العربي والسياح، وتنتج القليل للاستهلاك المحلي، وتستورد كل شيء ذو قيمة، وتسود "ثقافة فساد" بيروقراطيتها على مختلف المستويات والإدارات والوزارات دون استثناء، بحيث أصبحت هذه الثقافة جزءا عضويا من "الشطارة" اللبنانية السيئة الصيت.

بين الثوار اللبنانيين ولبنانهم المنشود جدار سميك تكلله أسلاك شائكة يعرف أيضا باسم "حزب الله"

ما يثور ضده اللبنانيون اليوم، هو ما جنته عليهم هذه الطبقة المفترسة بشقيها السياسي والديني: السياسيون الذين يرتدون البزات الغالية، ورجال الدين الذين يلبسون العمائم وكل أنواع القبعات الدينية الأخرى.

نجاح الثورة يعني تهميش جميع أركان هذه الطبقة من خلال تطبيق سياسية "كلن يعني كلن". من هذا المنظور، الرئيس الذي يكّلف (ميشال عون) والرئيس المكلف (إن كان سعد الحريري، أو نجيب ميقاتي، أو محمد الصفدي، أو تمام سلام، أو حتى سمير الخطيب الذي ما إن سطع حتى أفل) ورئيس مجلس النواب الأبدي (نبيه بري) الذي سيشرعن الحكومة، هم جزء من المشكلة، وقطعا ليسوا جزءا من الحل. ولكن ليست كل العقبات أمام التغيير السياسي الحقيقي متساوية في عنادها وخطورتها.

الخطر المزدوج: "حزب الله" والتيار الوطني الحر

مع اقتراب هذه الحركة الثورية التغييرية الجذرية من شهرها الثالث، علينا أن نقول بوضوح ودون تردد، إن قوى الثورة المضادة لها والتي تسعى بالترهيب والتشويه وأساليب البلطجة إلى إجهاضها والحفاظ على النظام الطائفي الفاسد واحتكاراته الاقتصادية، وارتباطاته الخارجية الخطيرة على الوطن والمستقبل، هي الثنائي: "حزب الله" والتيار الوطني الحر وما يدور في فلكهما المظلم.

قيادة "حزب الله"، وتحديدا حسن نصرالله، حاولت في البداية التودد للمتظاهرين، ومع استمرار وتوسع الزخم الثوري بدأ نصرالله بمحاولة تشويه سمعة مئات الآلاف من اللبنانيات واللبنانيين من خلال ربط أحلامهم بالتغيير بأموال السفارات الأجنبية، من دون أن يبالي بتقديم دليل واحد على اتهاماته، وهو المرهون لنظام ديني متخلف ومستبد في إيران يستخدمه كأداة قمع وترهيب كما رأينا من "إنجازات" حزبه الدموية في سوريا.

وعندما سخر اللبنانيون من اجتهادات "حزب الله" واتهاماته وكذلك من حلوله الاقتصادية الصبيانية، لجأ الحزب وحليفه الأصغر ( يعني Junior ) حركة أمل إلى بلطجة وزعرنة ذوي القمصان السود بقلوبهم السوداء للاعتداء على المتظاهرين والمعتصمين السلميين.

يجب أن لا يتصرف أو يعتقد أي مشارك أو مشاركة في هذه الحركة التغييرية السلمية أن سيف ترهيب "حزب الله" ليس مسلطا فوق رأس كل مواطن لبناني يسعى لبناء دولة ديمقراطية حقيقية يعامل فيها كل لبناني بحقوق متساوية كمواطن وليس كعضو في طائفة.

ما يسمى بالتيار الوطني الحر، (ليس تيارا، وليس وطنيا، وقطعا ليس حرا) وهو أيضا شريك صغير لـ"حزب الله" أصبحت وظيفته الأساسية في السنوات الأخيرة توفير "غطاء مسيحي" للحزب الإيراني يضمن وصول زعيمه وجنرال حروب التحرير والإلغاء الدموية والفاشلة ميشال عون إلى الرئاسة ولو للبقاء فيها لبضعة سنوات لضمان توريث صهره جبران باسيل للمنصب.

احتكار "حزب الله" للسلاح، وعلاقته المتشعبة سياسيا وأمنيا وماليا واستراتيجيا بإيران، وعلاقة الحزب والتيار بالنظام السوري الذي أنقذته قوات إيران و"حزب الله" من ثورة شعبه، يعني ببساطة وبصراحة بالغة أن بين الثوار اللبنانيين ولبنانهم المنشود جدار سميك تكلله أسلاك شائكة يعرف أيضا باسم "حزب الله".

يقف اللبنانيون الآن أمام مفترق طرق. وليس من المبالغة القول إن هناك فرصة هي الأولى أمام اللبنانيين ـ وربما الأخيرة ـ منذ بداية الجمهورية اللبنانية، للتوصل إلى عقد اجتماعي ـ سياسي جديد، وجمهورية ديمقراطية حقيقية.

العقبات الأخرى، (من عائلات الإقطاع السياسي في مختلف الطوائف، إلى شركائهم في احتكار القطاعات الاقتصادية)، موجودة وحقيقية، ولكنها لا تملك السلاح وتفتقر إلى التنظيم الميداني وبالتالي غير قادرة على إجهاض الثورة بالقوة، كما أنها غير مرتبطة بأنظمة قمعية قريبة لها طموحات إقليمية خطيرة على لبنان مثل إيران.

ما يثور ضده اللبنانيون اليوم، هو ما جنته عليهم هذه الطبقة المفترسة بشقيها السياسي والديني

هذا كله يتطلب نقاشا جديا ومصارحة لا مساومة فيها: كيف نحتوي سلاح "حزب الله"؟ وكيف نواجه ضغوط إيران وسوريا؟ وكيف يمكن أن نتفادى حربا مدمرة مع إسرائيل قد ترى إيران أنها ـ أي الحرب ـ يمكن أن تخدم مصالحها في المستقبل.

وكيف نتعامل بواقعية مع الضغوط الأميركية والأوروبية السياسية والاقتصادية على إيران ووكلائها في المنطقة مثل "حزب الله" الذي ستواصل واشنطن مقاطعة أركانه في السياسية وقطاع المصارف.

العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة قبل أيام ضد وكلاء وعملاء إيران في العراق من قادة ميليشيات ما يسمى بالحشد الشعبي المسؤولة عن القمع الدموي للمتظاهرين العراقيين المسالمين، وهم زعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي وشقيقه ليث الخزعلي ومدير أمن الحشد الشعبي حسين فالح المعروف باسم أبوزينب اللامي، هي مؤشر لما سيتكرر في المستقبل في العراق كما في لبنان.

التحليل الدقيق للتحديات التي تواجهها الثورة اللبنانية يجيب أن يأخذ بعين الاعتبار دور إيران ومحاولاتها إجهاض وترهيب الثورتين في العراق ولبنان عبر أدوات الجمهورية الإسلامية الكثر في البلدين.

مفارقة

هناك مفارقة لافتة يتسم فيها ائتلاف "حزب الله ـ التيار ـ أمل"، وهي أن قادته: حسن نصرالله، وميشال عون ونبيه بري لم يرثوا زعاماتهم السياسية من آبائهم أو عائلاتهم الإقطاعية والسياسية القديمة، كما هو الحال مع زعامات وعائلات جنبلاط، وفرنجية والجميل، وكرامي وسلام والأسعد وغيرهم. هؤلاء الثلاثة مع غيرهم مثل رفيق الحريري وسمير جعجع، دخلوا التركيبة اللبنانية خلال سنوات الحرب أو بعدها مباشرة. وحده رفيق الحريري لم يكن متورطا في قتل أي لبناني.

المفارقة الأخرى والسافرة أكثر، هي أن القادمين الجدد إلى النظام اللبناني، أي الثالوث غير المقدس: نصرالله وبرّي وعون هم الذين يحتكرون السلطة الحقيقية في لبنان، أكثر من أي ممثلين آخرين عن العائلات التقليدية السياسية.

هذا الإقطاع السياسي ـ الديني الجديد يمثل اليوم الخطر الأكبر الذي يواجه لبنان، والعقبة الكبرى أمام قوى التغيير الديمقراطي، بسبب احتكاره للسلاح، وتاريخه الدموي وارتباطه بالنظامين الإيراني والسوري.

دين ودولة

نقطة أخيرة. "كلن يعني كلن" تشير عادة إلى أركان الطبقة السياسة الفاسدة. ولكن، لكي يكون الشعار شاملا أكثر ويعكس واقع توازن القوى في البلاد، يجب أن يشمل أيضا الطبقة الدينية المرتبطة بشراكة عضوية مع الطبقة السياسية.

أقوى تنظيم سياسي ـ عسكري في لبنان، أي "حزب الله"، يرأسه رجل دين. تساءلت مرة في برنامج حواري تلفزيوني كيف يمكننا أن نتعامل مع زعيم "حزب الله"؟ هل نتعامل معه (أو ننتقده) كرجل دين؟ كزعيم حزب؟ أم كقائد ميليشيا مسلحة؟ وهذه تساؤلات شرعية، لأنه إذا انتقدت السيد حسن نصرالله سياسيا، يدعي أنصاره أنك تطاولت على مقامه الديني.

ومنذ بداية الحركة الشعبية التغييرية، برز إلى العلن وبشكل سافر أكثر الدور السلبي لرجال الدين في السياسة. تطرقنا أعلاه، وفي مقالات سابقة، إلى الدور الخطير لـ"حزب الله" وقادته من رجال الدين وتهديدهم لآمال وطموحات المتظاهرين السلميين، ودفاعهم المخجل عن نظام سياسي فاسد ومهترئ.

وخلال المشاورات الحكومية تحولت دار الفتوى من مرجعية دينية (سنية) إلى مرجعية سياسية. المرشح لتشكيل الحكومة سمير الخطيب أعلن عن انسحابه من سباق التكليف بعد زيارته لمفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان، الذي أبلغه أن الطائفة السنية تريد ترشيح الرئيس سعد الحريري لتأليف الحكومة الجديدة.

الإقطاع السياسي ـ الديني الجديد يمثل اليوم الخطر الأكبر الذي يواجه لبنان

لا يمكن قيام دولة مدنية وديمقراطية وعصرية إذا بقي اللبنانيون مجموعة طوائف خائفة من بعضها وتصر كل منها على حماية ما تعتبره مصالح رعاياها.

أقطاب السنةّ يريدون سعد الحريري رئيسا للوزراء، وأقطاب الشيعة اختاروا نبيه بري رئيسا لمجلس النواب، وأقطاب الموارنة أرادوا ميشال عون رئيسا للجمهورية. ومن غير المستغرب أن يتصرف قادة هذه الطوائف وكأنهم كأمراء.

جميع الطوائف في لبنان تتصرف وكأنها هي المسؤولة الرئيسية عن الأحوال الشخصية لرعاياها وفق أحكامها الدينية التي تعطيها حماية إلهية أهم من حماية الدولة. وهذا ما يفسر استياء البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي من أحكام القضاء المدني في قضية الراهبة رئيسة جمعية "رسالة حياة"، عندما رفضت الإذعان لقرار قضاء الأحداث في لبنان، حين قال إنه "من غير المسموح أن يتعدى القضاء العدلي على صلاحيات القضاء الكنسي الذي تعترف به الدولة اللبنانية".

لن تقوم في لبنان دولة عصرية مدنية وديمقراطية إلا بعد أن يسود فيها حكم القانون المدني، أي القانون الذي يكتبه الإنسان، لحماية الإنسان.

اقرأ للكاتب أيضا: النظام الإيراني يواجه أخطر أزمة في تاريخه

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
"حزب الله".. جدار يعزل اللبنانيين عن حلمهم 7B8D483B-EBF1-46F3-A1AD-897441855E93.jpg AFP حزب-الله-جدار-يعزل-اللبنانيين-عن-حلمهم تظاهرة نسوية في بيروت ضد التحرش والاعتداء الجنسي 2019-12-09 14:24:46 1 2019-12-09 14:40:46 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.