مشهد تمثيلي للقمع الذي يتعرض له المتظاهرون في العراق
مشهد تمثيلي للقمع الذي يتعرض له المتظاهرون في العراق

524546 4

مايكل نايتس/

في السادس من ديسمبر، فرضت الحكومة الأميركية عقوبات على 4 عراقيين لتورطهم في انتهاكات حقوق الإنسان وأعمال فساد بموجب الأمر التنفيذي رقم 13818 الذي طبق "قانون ماغنتسكي العالمي لحقوق الإنسان والمساءلة" وفرض حظرا على ممتلكات الأفراد المتورطين بهذه الانتهاكات.

وهي المرة الثانية في عام 2019 التي يتمّ فيها تطبيق قانون "ماغنتسكي" لاستهداف عراقيين من مرتكبي الانتهاكات الخطيرة ولن تكون الأخيرة. غير أنه من المهم استقاء العبر من كل شريحة من التصنيفات بغية الاستفادة بالكامل من الميزة التي تقدّمها، ولا سيما لجهة حث الأعضاء الآخرين ضمن النخبة العراقية على تجنب ارتكاب أي أفعال مؤذية سواء ضد المتظاهرين أو مواطنين آخرين أو مؤسسات وطنية.

ما هي مفاعيل هذه العقوبات؟

لتصنيفات قانون "ماغنتسكي" التداعيات التالية على الأفراد المستهدفين:

وضعهم على اللائحة السوداء من قبل المصارف. عندما يتمّ إدراج أفراد على قائمة "الرعايا الخاضعين لإدراج خاص" الصادرة عن "مكتب مراقبة الأصول الأجنبية" التابع لوزارة الخزانة الأميركية، يتمّ حجز أصولهم الأميركية. كما أن أسماءهم تضاف إلى أنظمة المسح الآلي المستخدمة الخاصة بالمصارف في الولايات المتحدة والعديد من الدول الأجنبية، ما يصعب عليهم فتح الحسابات المصرفية أو امتلاكها أو تحويل الأموال أو إجراء معاملات خاصة بالملكية خارج العراق.

عدم تعامل المستثمرين معهم. غالبا ما يتخلى المستثمرون عن الأفراد الخاضعين للعقوبات وشركاتهم، ما يؤدي إلى انهيار أعمالهم. كما أن هذا التصنيف يجعل في معظم الأحيان مشاركتهم في مشاريع اقتصادية مربحة (مثلا الاستحصال على ترخيص لمصرف جديد) مستحيلة.

هناك عدد لا يستهان به من الشخصيات التي تستحق إدراجها ضمن العقوبات

قيود السفر. تمنع تصنيفات قانون "ماغنتسكي" الدخول إلى الولايات المتحدة، ويمكنها أن تعقّد إصدار تأشيرات دخول إلى البلدان الأخرى، وقد تتمكّن أنظمة المسح في الخطوط الجوية من التعرف عليهم.

العزل عن الحكومة الأميركية. غالبا ما يعطّل تصنيف مماثل السيرة السياسية للشخص المستهدف، بما أنه ما من شخص أو كيان أميركي ـ بما في ذلك المسؤولون الحكوميون ووكالات الإغاثة ـ سيلتقي عادة بأشخاص مدرجين على قائمة "الرعايا الخاضعين لإدراج خاص".

علاوة على ذلك، لم يتم تعيين أي عراقي مصنّف على قائمة "الرعايا الخاضعين لإدراج خاص" كوزير في الحكومة أو كمحافِظ بعد تسميته ـ وهذه نقطة مهمة بما أنها قد تمنع الجهات الفاعلة التي لديها طموحات سياسية أطول أمدا من ارتكاب انتهاكات.

من هم الأفراد المستهدفون؟

في 6 ديسمبر فُرضت عقوبات على 4 أفراد:

قيس الخزعلي. أحد أبرز السياسيين الشيعة وزعيم جماعة "عصائب أهل الحق"، وقد قدّم الدعم الكامل لحملة القمع التي شنُت مؤخرا ضد المحتجين بمساعدة "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني. كما قاد حملة التشهير العلنية التي طالت المحتجين لاعتبار التظاهرات مؤامرة مدعومة من الخارج ضد العراق. يُشار إلى أنه منذ عقد من الزمن، اعتقلته القوات الأميركية بسبب ضلوعه في قتل 5 جنود أميركيين.

ليث الخزعلي. هو شقيق قيس وأحد أبرز رجال الميليشيات الذين يحرصون على تطبيق القوانين، ويخضع للعقوبات بسبب قمعه المحتجين ومشاركته في عملية تطهير طائفية بحق السنّة في محافظة ديالى. وإذ إنه شخصية يهابها الجميع عموما، شارك في عمليات استهدفت قتل جنود أميركيين، كما هاجم مؤخرا منتقدي شقيقه وحتى شخصيات دينية بارزة عينها آية الله العظمى علي السيستاني.

أبو زينب اللامي (اسمه الحقيقي حسين فالح اللامي). هو عنصر في منظمة "كتائب حزب الله" التي صنفتها الولايات المتحدة على لائحة الإرهاب، ورئيس "مديرية الأمن المركزي" ضمن "قوات الحشد الشعبي"، كما قام بتنسيق عمليات القناصة ضد متظاهرين عزّل.

خميس الخنجر. عضو سنّي بارز في كتلة "البناء" ضمن البرلمان العراقي، خضع للعقوبات بسبب أعمال رشوة وفساد لدعم إيران. وبشكل خاص، كان المحرك الأساسي (إلى جانب أحمد الجبوري ـ المعروف باسم أبو مازن ـ الذي فرضت عليه عقوبات قبله) في دفع رشاوي لرجال سياسة سنّة لدعم كتلة "البناء" التي تعتبر فصيلا متحالفا مع طهران.

فرض عقوبات لاحقة

لقد تسببت العقوبات السابقة التي فرضتها الولايات المتحدة على سياسيين وقادة ميليشيات عراقيين في إحداث صدمة في أوساط نخبة البلاد، التي غالبا ما تخبئ الدخل الذي تجنيه من الأعمال الفاسدة لدى سلطات خارجية حيث يكون عرضة للعقوبات. وهذه كانت الحال عندما تمّ إدراج في 5 مايو 2018 الخبير المالي العراقي آراس حبيب ومصرفه "مصرف البلاد الإسلامي" على لائحة "الإرهابيين العالميين المصنفين بصورة خاصة" بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بسبب دوره في تحويل الأموال من "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري الإسلامي" إلى "حزب الله" اللبناني.

كما سادت حالة من الصدمة عند صدور الشريحة الأولى من العقوبات بموجب قانون "ماغنتسكي" في يوليو من هذا العام. لكن واشنطن لم تكن مستعدة لمواصلة فرض رزم لاحقة من العقوبات، ما قضى بالتالي على أي فرصة للاستفادة من الصدمة الأولى وممارسة ضغوط نفسية كبيرة على معتدين آخرين.

ومن هذا المنطلق، على المسؤولين الأميركيين دعم العقوبات المفروضة في 6 ديسمبر بسلسلة مطردة من الرزم الجديدة بموجب قانون "ماغنتسكي"، ربما من خلال فرض رزمة كل بضعة أشهر خلال السنة القادمة.

وعندها سيدرك السياسيون وقادة الميليشيات العراقيون ضرورة تعديل سلوكهم حتى إن كان هدفهم الوحيد تراجع مراكزهم ضمن لائحة الأهداف الأميركية التي تحظى بالأولوية. وفي غضون ذلك، سيرى الشعب العراقي أن الحكومة الأميركية تتصرف باتساق وانتظام لحماية حقوق الإنسان ودعم مساعي مكافحة الفساد.

قوات أمنية عراقية في بغداد

تجدر الإشارة إلى أن هناك عددا لا يستهان به من الشخصيات التي تستحق إدراجها ضمن العقوبات أو اتخاذ تدابير بحقها لاحقا. فيجب أن تركز كل رزمة من العقوبات على هدف رئيسي واحد و3 أهداف من المستوى المتوسط أو الأدنى، بما في ذلك:

سياسيون رفيعو الشأن. خلال رزمة العقوبات اللاحقة، يجب أن يتوقّع العراقيون بشكل صحيح فرض عقوبات على أحد رجال السياسة البارزين، ويعتبر المرشح الأبرز مستشار الأمن الوطني ورئيس هيئة "وحدات الحشد الشعبي" فالح الفياض الذي سهّل إطلاق النار على المحتجين والهجمات على محطات التلفزيون.

قادة ميليشيات رئيسيون أمروا بقتل المحتجين. يجب أن يكون أبو تراب (اسمه الحقيقي ثامر محمد إسماعيل) هدفا مهما آخر، فهو مقاتل منذ فترة طويلة في صفوف فصيل "بدر" المتحالف مع إيران ويترأس حاليا "فرقة الرد السريع" في وزارة الداخلية وهو منصب يخوله إصدار الأوامر للجنود بإطلاق النار على المحتجين.

قد يساعد تعزيز القدرات الاستخباراتية المسؤولين على رصد نقاط ضعف الأفراد الذين تستهدفهم العقوبات

وأيضا من الأسماء التي يجب استهدافها أبو منتظر الحسيني، مستشار شؤون "وحدات الحشد الشعبي" في مكتب رئيس الوزراء، بسبب انخراطه في خلية الأزمة التي أمرت بعمليات القتل وبالهجمات على محطات التلفزيون.

القتلة والجلادون المدعومون من إيران الذين ينفذون العمليات. أهداف صغيرة شاركت في قتل المحتجين بمن فيهم مساعدا اللامي، أبو بكر (مدير مديرية الأمن المركزي لمنطقة الرصافة حيث تتمركز العديد من مواقع الاحتجاجات) وحجي غالب (رئيس قسم التحقيقات في مديرية الأمن المركزي).

أما قادة الميليشيات الذين يجب استهدافهم فهم: حميد الجزائري، قائد الميليشيا المدعومة من إيران "سرايا طليعة الخراساني" (اللواء 18 ضمن "الحشد الشعبي") الذي نسق الهجمات على محطات التلفزيون؛ وأبو آلاء الولائي (اسمه الحقيقي هاشم بنيان السراجي)، قائد الميليشيا المدعومة من إيران "كتائب السيد الشهداء" (اللواء 14 ضمن "الحشد الشعبي") الذي أمّن مطلقي النار خلال عملية القمع.

ولضمان سلسلة مفتوحة من رزم العقوبات، على واشنطن تخصيص المزيد من العاملين في مجال الاستخبارات والقانون والإدارة لمهمة محددة ألا وهي فرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان والمسؤولين الفاسدين العراقيين ـ بعبارة أخرى، فريق عمل فعال دائم.

وقد يساعد تعزيز القدرات الاستخباراتية المسؤولين على رصد نقاط ضعف الأفراد الذين تستهدفهم العقوبات: مثلا، إن كانت شخصية عراقية بارزة تخطط لفتح مصرف والبدء بعملية الاستحصال على ترخيص لمؤسسة مربحة مماثلة، قد لا تكون معرضة بشكل كبير للعقوبات فحسب، بل حتى لشائعات قوية بإخضاعها للعقوبات.

وعلى فريق العمل الجديد أيضا تحديث لائحة أفراد عائلة الأشخاص الخاضعين للعقوبات باستمرار. ففي 25 سبتمبر، صرح البيت الأبيض بأنه سيستخدم الصلاحيات الواسعة النطاق المنصوص عليها في "قانون الهجرة والجنسية" لمنع دخول أفراد العائلة الأقربين لمسؤولين إيرانيين بارزين إلى الولايات المتحدة.

ويمكن استخدام الأسلوب نفسه بطريقة انتقائية مع العراقيين، لضمان عدم استغلال أفراد عائلتهم لحسن ضيافة أميركا ونظامها التعليمي في الوقت الذي يقوم فيه أقرباؤهم الخاضعون للعقوبات بعمليات قتل وسرقة في العراق. وعلى الأرجح ستحذو دول أخرى حذو الولايات المتحدة من خلال حظر دخولهم بشكل انتقائي.

تعميق تأثير العقوبات

في إطار عملية صقل تكتيكاتهم، على المسؤولين الأميركيين التنسيق بفعالية أكبر مع حلفائهم قبل إصدار كل شريحة عقوبات، ولا سيما بريطانيا. فالعراقيون الفاسدون يستخدمون المملكة المتحدة أكثر من أي دولة غربية أخرى لحماية ثرواتهم وشراء ممتلكات والحصول على الرعاية الطبية وتعليم أولادهم. غير أن التدابير البريطانية والأميركية بحق المخالفين العراقيين غير منسقة في الوقت الراهن.

فمثلا، وفي وقت سابق من فصل الخريف هذا، ساد اعتقاد كبير بأن أحمد الجبوري الذي تحدثنا عنه سابقا زار لندن رغم أنه خاضع للعقوبات بموجب قانون "ماغنتسكي"، وهي حادثة أغضبت المسؤولين في البلدين.

هذا ويحرص "مكتب الشؤون الخارجية والكومنولث البريطاني" على اتخاذ تدابير إضافية في قضايا مكافحة الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان في العراق، ومن شأن دعم تحركات لندن على هذا الصعيد تخويف المنتهكين.

وما تحتاج إليه بريطانيا هو إعلامها مسبقا بأسماء الذين سيخضعون للعقوبات، ومشاركة محمية للأدلة، والوضوح في احتمال تعديل العقوبات المفروضة بموجب قانون "ماغنتسكي"، وشرح أساسي لكيفية اختيار الأهداف كي تصب في إطار حملة ردع أشمل.

وفي حال إشراك بريطانيا في هذه الجهود، فهي تملك العديد من الأدوات التي من شأنها ترهيب المعتدين العراقيين. على سبيل المثال، في 10 ديسمبر، صادرت أصولا بقيمة 190 مليون جنيه إسترليني (بما فيها عقار فاخر بقيمة 50 مليون جنيه) من رجل أعمال باكستاني يملك العديد من العقارات كانت أصدرت "الوكالة البريطانية لمكافحة الجريمة" بحقه "أمر إثراء غير مبرر" وأخضعته لاستجواب لاحق بتهمة "امتلاك أموال غير مشروعة". وستتمّ إعادة الأموال المصادرة إلى باكستان.

ولو تمّ إصدار حكم مماثل بحق أحد أبرز المعتدين في العراق، لكانت النخبة خافت، ولكان العديد من المواطنين ليُسروا إلى حدّ كبير عند استعادة الأموال المنهوبة.

كشف دور إيران و"حزب الله"

أخيرا، يمكن لفرض عقوبات إضافية مساعدة الولايات المتحدة على كشف ماكينة نفوذ إيران على سياسة العراق ومجتمعه. فقد عزز أصحاب النفوذ الإيرانيون أنشطتهم الآن في وقت يواجه فيه العراق تحدي اختيار رئيس وزراء جديد ليحل محل عادل عبد المهدي الذي قدّم استقالته.

يُذكر أن فردين مدرجين على قائمة "الرعايا الخاضعين لإدراج خاص" ـ قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني والمسؤول في "حزب الله" عدنان حسين كوثراني ـ لعبا دورا رئيسيا في تشكيل حكومة عبد المهدي المتحالفة مع إيران وقد عادا إلى بغداد اليوم لتكرار ما فعلاه.

ما تحتاج إليه بريطانيا هو إعلامها مسبقا بأسماء الذين سيخضعون للعقوبات

وعليه، يجدر بالولايات المتحدة أن تتعاون مع المسؤولين العراقيين لكشف كل من يعقد اجتماعات مع سليماني وكوثراني. ويمكن لخطوة مماثلة أن تحدث تغييرات باتجاهين: من خلال بث القلق في صفوف العراقيين حيال الالتقاء علنا بهاتين الشخصيتين، وربما إغراء البعض للسعي إلى الحصول على تأييد الشعب من خلال رفض هذه الاجتماعات.

وقد يؤدي ذلك بدوره إلى قلب وضع قائم ببطء أصبح فيه من الطبيعي جدا لـ"الحرس الثوري الإسلامي" و"حزب الله" التوسط لتشكيل الحكومات الجديدة في بغداد. وبما أن المواطنين العراقيين كانوا يحرقون قنصليات إيران ويعتدون على اللوحات التي تصوّر المرشد الأعلى علي خامنئي، قد يكون الوقت مناسبا لجعل أي مسؤول يلتقي بممثلي هاتين المنظمتين في هذا الوقت الحساس يتحمل ثمن تشويه سمعته علنا.

مايكل نايتس، هو زميل معهد واشنطن وقد أعدّ ملفات حول الميليشيات والسياسيين المدعومين من إيران في العراق منذ العام 2003.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

عن معاقبة القتلة المأجورين من إيران في العراق 56A5FC5C-0892-4DF4-865A-3A711084D8F1.jpg AFP معاقبة-القتلة-المأجورين-من-إيران-في-العراق مشهد تمثيلي للقمع الذي يتعرض له المتظاهرون في العراق 2019-12-09 16:54:28 1 2019-12-09 17:12:28 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.