لقطة من فيديو أشواق وهي تواجه مغتصبها الداعشي القيادي السابق بالتنظيم أبو همام الشرعي
لقطة من فيديو أشواق وهي تواجه مغتصبها الداعشي القيادي السابق بالتنظيم أبو همام الشرعي

524657 4

مالك العثامنة/

كان موجعا مشاهدة فيديو أشواق حجي، وهي الأيزيدية الفاضلة تواجه مغتصبها المجرم الداعشي بعد أن انقلبت الآية وتم أسره.

كان موجعا، لكنه كان إلى حد ما مرضيا أن نواجه الضحية بجلادها الذي تجرد من إنسانيته.

فيديو أشواق، واحد من فيديوهات عديدة "ومحدودة أيضا" لضحايا أيزيديات تعرضن للسبي والاضطهاد والاستعباد والاغتصاب، وتلك الفيديوهات حالة توثيق ضرورية لواحدة من أبشع حملات الإبادة في العصر الحديث لأقلية "قومية ـ دينية" عاشت زمنا طويلا في معتزلها الجغرافي، وعانت كثيرا من حملات إبادة مشابهة على أسس دينية.

حين قرأت عن الأيزيدية، ولم نكن نعرف عنهم شيئا قبل مجازر التوحش الداعشي، قرأت أن فحوص الجينات الوراثية تعيدهم إلى أصولهم السريانية، وهذا وحده كاف لدحض كل نظريات النسبة الأخرى التي ظهرت في كتب المؤرخين الأوائل والمتأخرين، وهذا أيضا يشير إلى عراقة تاريخية موغلة في القدم على تلك الجغرافيا التي استقروا بها.

من المهم أن تتوقف حملات عرض الأيزيديات كضحايا والبدء بتقديمهن كحالات شجاعة

هذه العزلة التاريخية والجغرافية الطويلة جدا، والتي تقوقع فيها الأيزيديون بجيوب جغرافية معزولة ووعرة وصعبة الوصول، انعكست أيضا على عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم التي لم تتطور كثيرا تحت وطأة القلق المستمر والرعب الدائم من الخطار الخارجية، وهي موجودة حتى اليوم.

المفارقة الواقعية تكمن في أن سلاح العزلة الذي انتهجه الأيزيديون كوسيلة دفاع عن حق وجودهم (ومثلهم مثل أقليات أخرى مضطهدة في هذا الشرق البائس) لن يحقق لهم الاستمرار، وربما الانفتاح على العالم هو الذي سيحقق لتلك الشعوب حقها في الوجود بل وتقرير مصيرها بنفسها.

المشكلة لا تنتهي عند تحرير الأيزيديات، وعودة تلك الشعوب العريقة إلى عزلتها من جديد، فهناك عالم أصبح قرية صغيرة، وتلك الشعوب لها الحق "أخيرا" في أن تكون جزءا من الإنسانية في قريتها العالمية.

♦♦♦

فيديو آخر كانت قناة الحرة قد أعدته ضمن كبسولات إخبارية مصورة، عن أيزيدية فاضلة اسمها إيمان عباس، كان في حديثها نقطتين لافتتين: أنها أشارت إلى سيدات ضحايا عرب كشريكات في المأساة يجب الوقوف عندهن ومعهن، والنقطة الأخرى كانت في طموحها بأن تدرس القانون لتدافع عن حق الأيزيديات في المجتمع الدولي.

الإشارة الأولى لافتة، ولا تحمل مفهوما متسامحا خاليا من الكراهية وحسب، بل مبادرة واضحة للخروج من العزلة والانفتاح على الآخر.

الإشارة الثانية، هي الأكثر أهمية، فحق الأيزيديات لا يتوقف عند جرائم "داعش"، وما بعد ذلك من تأهيل، بل يتمدد أكثر من ذلك بحكم الطبيعة نحو حقوق الأيزيديات، وكل نساء المشرق البائس في الحرية من الانغلاق، من العادات المغلقة، من اضطهاد المجتمعات الذكورية.

مأساة الأيزيديات، مثل كل مآسي النساء اللواتي تعرضن للأسر والاغتصاب من قبل مجرمي "داعش"، لها تداعياتها المتفرعة والتي كشفت جرائم "داعش" عنها، مثل حقوق الأطفال المولودين من سنوات الأسر، وحقوق الأمهات وقد صاروا ضحايا مرتين، مرة في سنوات التوحش المتطرف، ومرة ثانية بحرمانهن من حق الأمومة مع أطفالهن، وهذا واضح لا التباس فيه من خلال تصريحات مراجع دينية أيزيدية بعدم قبول أطفال هؤلاء المغتصبات.

المسؤولية لا تقع على عاتق تلك المجتمعات وحسب، بل على العالم كله

تلك جريمة لا تقل توحشا، وهي بحد ذاتها تحمل في ثناياها مشاريع أزمات لاحقة قد تنفجر في وجه تلك المجتمعات مع الزمن.

المسؤولية لا تقع على عاتق تلك المجتمعات وحسب، بل على العالم كله، هذا العالم الذي يدعي توهما أنه أنهى الأزمة فقط بضرب جيوب مليشيات التطرف المسلحة، لكنه لم يقترب ولو إلى حدود التماس نحو جيوب الفكر المتطرف والعقلية المجتمعية المتحجرة، وهي قد تلبس لبوس أي دين أو مذهب في شرق متلاطم الأديان.

ومن المهم أن تتوقف حملات عرض الأيزيديات كضحايا والبدء بتقديمهن كنساء شجاعات وقد انبرين للحديث عن أبشع ما يمكن أن يتعرض له إنسان، والبدء بتقديم المساعدة لهن للخروج من كل هذا البؤس الجغرافي وقد أثبتن حقهن في الوجود وبشجاعة.

♦♦♦

منذ هاجرت، وأنا تربطني علاقات متجددة يوميا، وتتجذر بقوة مع أناس من مختلف العرقيات والأديان والمذاهب والطوائف.

وتترسخ قناعتي كل يوم وأنا بتلك النعمة من العلاقات، أن الإنسان متعدد، وهذا ما يجعل الإنسانية مشتركا وحيدا واقعيا وحقيقيا لا التباسات وهمية فيه.

اقرأ للكاتب أيضا: صحافة في عالم "الصح آفة"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

تعدد الإنسان الواحد 5A93434E-49C7-4CEB-93E5-0563D564D782.jpg © تعدد-الإنسان-الواحد لقطة من فيديو أشواق وهي تواجه مغتصبها الداعشي القيادي السابق بالتنظيم أبو همام الشرعي 2019-12-10 13:41:15 1 2019-12-10 13:53:12 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.