مهاجرون أفارقة تم إنقاذهم في بلدة خمس شرق طرابلس، مع الإشارة إلى أن "داعش" يشعى إلى فرض ضرائب على شبكات الاتجار بالبشر لتمويل عملياته
مهاجرون أفارقة تم إنقاذهم في بلدة خمس شرق طرابلس، مع الإشارة إلى أن "داعش" يشعى إلى فرض ضرائب على شبكات الاتجار بالبشر لتمويل عملياته

524691 4

هارون ي. زيلين/

في 6 ديسمبر 2016، خسر تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا آخر بقايا سيطرته على الأراضي عندما سلّم مدينة سرت الشمالية الوسطى. وبعد ثلاثة أعوام، أصبحت المجموعة مجرد ظل من نسختها السابقة، على الرغم من تعهد نحو خمسة وعشرين عضوا من أعضاء التنظيم بمبايعة الزعيم الجديد لمنظمتهم الأم العابرة للحدود في الخامس عشر من نوفمبر.

في الماضي، سعى تنظيم "داعش" في ليبيا إلى تكرار ممارسات الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وبلغ مستويات مماثلة من النجاح العسكري والحوكمة. ولكن اليوم، لم يعلن التنظيم مسؤوليته عن هجوم واحد في ستة أشهر، كما عانى من نكسات كبيرة في التجنيد والتمويل والقدرات الإعلامية. ولهذا السبب عمل على توحيد "ولاياته" الليبية الثلاث في كيان واحد من أجل تبسيط عملية صنع القرار، على غرار ما فعلته "داعش" في العراق وسوريا.

ورغم ذلك، يبدو أن تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا لا يمتلك القدرة على البقاء نفسها التي تمتّع بها إخوانه في العراق في العقد الماضي أو في سوريا اليوم ـ على افتراض أن الولايات المتحدة والجهات الفاعلة الأخرى على استعداد لمواصلة الضغوط.

البروباغندا منذ سقوط سرت

في غضون السنوات الثلاث الأخيرة، أصدر تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا أربع رسائل فيديو فقط، ما يشير إلى أن عملياته الإعلامية قد تراجعت بشكل كبير. وقد تم نشر آخر مقطع فيديو هذا الأسبوع، وذلك على الأرجح من أجل حشد المؤيدين. ولكن، لم يكن لدى التنظيم أي جديد، فقد اعتمد على لقطات لهجمات سابقة من هذا الربيع ومؤكدا بشكل غير مباشر على ضعف الجماعة.

في مقاطع الفيديو الثلاثة السابقة، لقيت المواضيع التالية الصدى الأكبر:

  • سبتمبر 2017: "سنصبر ونصابر".
  • يوليو 2018: "التزموا الجهاد في سبيل الله وقاتلوا".
  • يوليو 2019: "ما زلنا كيانا واحدا في العهد".

تتماشى هذه الأفكار مع السرد العام الذي كانت "داعش" تروّج له في مختلف البلدان، وهو ما يوضح كيف حافظ تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا على ولائه لمنهجيات الرسائل التي تتبناها الجماعة الأم على الرغم من الضغط الذي تتعرض له في ليبيا.

في الوقت الراهن، يعجز تنظيم "داعش" في ليبيا عن معاودة الظهور

ومع ذلك، يشير توقيت الفيديو الثالث إلى تأخير في الاتصال بين تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا والدولة الإسلامية. فقد كان هذا الفيديو جزءا من سلسلة رسائل أعادت تأكيد التعهدات بمبايعة أبو بكر البغدادي، زعيم الدولة الاسلامية آنذاك. وكان مقطع الفيديو الذي عرضه تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا هو الثامن، على الرغم من أنه كان في السابق أقوى وكيل للدولة الإسلامية خارج محورها الأساسي.

وعلى نحو مماثل، وبعد مقتل البغدادي في أواخر أكتوبر، تم نشر فيديو جديد يبايع فيه تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا الزعيم الجديد بعد مرور أسبوعين كاملين على قيام الدولة الإسلامية حملة إعلامية لإظهار الدعم المستمر في "ولاياتها" الأساسية والخارجية.

العمليات العسكرية منذ سقوط سرت

بعد تفكك إقليم تنظيم "داعش" في ليبيا، توارت الجماعة عن الأنظار وكانت هادئة نسبيا عام 2017، ويُعزى ذلك جزئيا إلى الغارات الجوية الأميركية المستمرة على معسكراتها خارج سرت. فقد أعلن التنظيم مسؤوليته عن أربع هجمات فقط في ذلك العام: اثنان في سرت وواحد في كل من مصراتة وأجدابيا. وعلى الأرجح كانت هذه الهجمات نتيجة فرصة تم انتهازها وليس حملة منسّقة.

وبدأت الوتيرة في الارتفاع في فبراير 2018، عندما قرر تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا أن الوقت قد حان للخروج من الظلال وتجديد تمرّده. وقد شنت الجماعة هجمات في مواقع عديدة خلال ديسمبر من ذلك العام: أربعة في أجدابيا، وثلاثة في طرابلس، واثنان في الجفرة، وواحد في كل من سرت وأوجلة، والعقيلة، والفقهاء، ووادي كعام، وتازربو.

وازدادت ثقة التنظيم بنفسه إلى حد أنه في أغسطس 2018، بدأ في إنشاء نقاط تفتيش على الطريق بين أجدابيا وجالو. وبعد شهرين، زعم أنه قد استولى على مدينة الفقهاء لبضع ساعات.

هجمات تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا منذ سقوط سرت

ولكن، وفقا للصحافي الإيطالي دانييل راينيري، توقف هذا الزخم في ديسمبر 2018 عندما اكتشف الجيش الوطني الليبي قاعدة للتنظيم بالقرب من المدينة الواحة غدوة.

فقد انتقلت الجماعة بعد ذلك إلى حقل هروج البركاني وبدأت عملياتها من جديد في أبريل 2019، حيث شنّت 11 هجوما في الأسابيع التالية: اثنان في سبها، واثنان في تمسة، وواحد في كل من الفقهاء (وهي البلدة التي ادعى التنظيم مرة ثانية أنه استولى عليها لفترة وجيزة)، وغدوة، وزلّة، ودرنة، وسمنو، وهروج ونقطة التفتيش 400 بين سبها والجفرة. وقد انتهت هذه الهجمات عندما عثر الجيش الوطني الليبي على أحدث قاعدة لعمليات التنظيم في منتصف يونيو، ولم يتعاف بعد.

تلاشي تنظيم "داعش" في ليبيا

يمكن أن يُعزى انخفاض وتيرة عمليات الجماعة وعجزها الأكبر عن إعادة بناء نفسها بطريقة مستدامة إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

الغارات الجوية الأميركية. وبالإضافة إلى الجهود المحلية لخنق شبكات تنظيم "داعش" في ليبيا وأنشطته، واصلت الولايات المتحدة غاراتها الجوية ضد أصول الجماعة ومعسكراتها، ما أدّى إلى تحييد قدرة التنظيم على إدامة أي ولادة جديدة له ـ وهو الدرس الذي ربما تعلمته واشنطن من فشلها في تحويل الانتصارات التكتيكية في العراق قبل عشرة أعوام إلى انتصار استراتيجي أكثر.

وفي منتصف نوفمبر، وصف وزير الدفاع مارك إسبر هذه الاستراتيجية بأنها بمثابة "قصّ العشب"، موضحا أنه "يجب بين الحين والآخر القيام بمثل هذه الضربات للسيطرة على زمام الأمور وحتى لا تكون هناك تهديدات جديدة أو تعاود هذه الجماعات الظهور".

ومنذ سقوط سرت، أعلنت قيادة الولايات المتحدة في أفريقيا عن شنّ عشر مجموعات من الغارات الجوية ضد تنظيم "داعش" في ليبيا، مستهدفة بشكل أساسي المعسكرات المتنقلة والمركبات وأعضاء الجماعة.

وحسب مسؤولي الدفاع الأميركيين، فإن آخر سلسلة من الهجمات وقعت في سبتمبر الماضي وأسفرت عن مقتل 43 فردا من مقاتلي التنظيم ـ وهي نكسة يُقال إنها أبقت على ما يقل عن 100 مقاتل في كافة أنحاء البلاد.

سقوط شبكات المقاتلين الأجانب. وحتى في أوج نشاط تنظيم "داعش" في ليبيا، كان جزء كبير من أنشطته يدار من قِبَل أجانب، ولا سيّما التونسيين والسودانيين والمصريين. وقد قُتِل عدد كبير من هؤلاء العملاء الأجانب في الحملة التي شنتها قوات "البنيان المرصوص" التابعة لمصراتة وقوات أخرى لاستعادة الأراضي التي استولى عليها التنظيم.

وفرّ آخرون إلى تونس (لمساعدة شبكة تنظيم "داعش" هناك)، أو سيناء (للانضمام إلى الجماعات المتمردة المحلية التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية)، أو السودان (سواء لإيجاد ملاذ آمن أو تسهيل العمليات اللوجستية بين الشبكات المختلفة في المنطقة).

وعندما "تتخفى" الجماعات الجهادية، يصبح من الصعب على الأجانب أن يندمجوا في الوسط المحلي. كما لم ينضم المقاتلون الأجانب إلى تنظيم "داعش" في ليبيا كما فعلوا أثناء ذروة نشاط الجماعة في الفترة ما بين 2014 ـ 2016.

صعوبات مالية. لسنوات عديدة، اعتمد التنظيم على التمويل القادم من منظمته الأم، لكن نضبت معظم هذه الأموال منذ أن خسر "داعش" أراضيه في العراق وسوريا. ومع ذلك، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ التنظيم قد حاول تنويع تمويله من خلال مصادر محلية، مثل الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم في المدن الساحلية، وابتزاز المواطنين الليبيين، وفرض ضرائب على شبكات الاتجار بالبشر واختطاف الأفراد طلبا للفدية.

وفي بداية هذا العام، تم تقويض هذه الجهود الأخيرة من خلال غارات الجيش الوطني الليبي التي استهدفت معسكر غدوة التابع للتنظيم، حيث ورد أن الجماعة كانت تحتجز أربعة وعشرين رهينة.

مستقبل تنظيم "داعش" في ليبيا

من الصعب توقّع قدرة "داعش" في الأمد البعيد على إطلاق التمرد في ليبيا وإدامته نظرا للحرب الأهلية الجارية في البلاد. والواقع أن عجز تنظيم "داعش" في ليبيا عن الاستفادة من هذا الصراع يعطي بعض الآمال، ويدل على أن الليبيين قد لا يكونون قابلين للأيديولوجية أو الوحشية التي تمارسها الجماعة كما كان بعض الأجانب.

ولكن، فإن تغيير الديناميكيات قد يوفر للتنظيم مساحة أكبر للعمل. وعلى وجه الخصوص، فإن الحملة الحالية التي يشنها الجنرال خليفة حفتر للاستيلاء على طرابلس قد تساعد الجماعة على تجنيد الإسلاميين الساخطين أو الغاضبين الذين يعتقدون أن الانضمام إلى التنظيم هو الخيار الوحيد أمامهم للانتقام.

حتى في أوج نشاط تنظيم "داعش" في ليبيا، كان جزء كبير من أنشطته يدار من قِبَل أجانب

وفي الوقت الراهن، يعجز تنظيم "داعش" في ليبيا عن معاودة الظهور كما فعل السلف الرئيسي للدولة الإسلامية، أي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، بعد النكسات الكبرى التي عانى منها في الفترة ما بين 2006 ـ 2009.

وحتى عندما كانت الجماعة الأخيرة في أضعف حالاتها، كانت وتيرة عملياتها أعلى بكثير من الوتيرة التي كان عليها تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا في السنوات الثلاث الماضية.

وبحلول عام 2012، أصبح واضحا أن المنظمة العراقية تعيد بناء نفسها وتستفيد من الاضطرابات في الداخل والفرص الجديدة في سوريا. وبطبيعة الحال، لا تتمتع ليبيا بنفس نوع الديناميكيات الطائفية التي شهدناها في العراق، ناهيك عن الحرب الأهلية التي تلوح في الجوار والشبيهة بتلك التي اندلعت في سوريا. وإذا نشأ مثل هذا الصراع في مصر أو السودان أو الجزائر، فسيغيّر بالتأكيد آفاق تنظيم "داعش" في ليبيا، إلا أن ذلك يبدو غير محتمل في الأمد القريب.

ومع ذلك، على واشنطن مواصلة تنسيق الضربات الجوية وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع شركائها في ليبيا من أجل تفكيك معسكرات التنظيم ومنع الجماعة من الظهور مرة أخرى على غرار العراق وسوريا.

وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي على الدبلوماسيين الأميركيين التوسّط بين مختلف الأطراف الليبية على الصعيدين المحلي والدولي للمساعدة على تفادي التبعات السلبية التي قد تترتب على أي هجوم شامل على طرابلس من ناحية تعزيز إمكانية نهوض تنظيم "داعش" في ليبيا.

هارون زيلين هو زميل "ريتشارد بورو" في معهد واشنطن وهو أيضا مؤلف الكتاب القادم "أبناؤكم في خدمتكم: مبشرو الجهاد في تونس".

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
تنظيم "داعش" في ليبيا لم يسترد عافيته بعد 9F74DA83-9C39-4591-B678-A2414E6F8ADA.jpg AFP تنظيم-داعش-في-ليبيا-لم-يسترد-عافيته-بعد مهاجرون أفارقة تم إنقاذهم في بلدة خمس شرق طرابلس، مع الإشارة إلى أن "داعش" يشعى إلى فرض ضرائب على شبكات الاتجار بالبشر لتمويل عملياته 2019-12-10 16:14:50 1 2019-12-10 16:30:50 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.