تظاهرة نسورية في لبنان
تظاهرة نسورية في لبنان

524674 4

د. ابتهال الخطيب/

ذات زمن، بالنسبة لي، كان عبده خال الأديب العربي الأول، كان روائي ما بعد الحداثة الأكثر تأثيرا في عالمنا العربي. كان محيطا عميقا وكهفا غائرا وأفقا ممتدا، كل صفحة من صفحات رواياته كانت تأخذني إلى عمق النفس الإنسانية بكل جمالها، وبكل بشاعاتها.

حين قرأت له، أول ما قرأت، رواية "الطين" تعلقت روحي، وأصريت أنني وجدت العربي الذي سيحوز نوبل للآداب. وجدت في عبدو خال العمق النفسي عند الحداثيين واللامبالاة الموجعة عند ما بعد الحداثيين والتصوير الدقيق المؤلم عند التعبيريين والتعبير المشوش عند الانطباعيين، واليأس القطعي والحتمية الموجعة عند الطبيعيين الداروينيين، والأهم وجدت في كلماته عنف لوني يضعه في قلب حركة التوحشيين أو من يطلق عليهم Fauves، تلك المدرسة الفنية التي ظهرت في بدايات القرن العشرين لتعبر عن بشاعة (أو لربما جمال) الحياة الحديثة بألوان صارخة وأشكال هادئة في ذات الوقت.

كان عبده خال بالنسبة لي عقلية أدبية متفردة، حتى في عنفها وإيلامها للقارئ، وكانت جلسة حوارية، أو لربما استماعية من طرفي، معه هي غاية المنى، ولكن، يقول المثل احذر دائما ما تتمنى، وقد وقع المحظور وتحققت الأمنية وليتها ما فعلت.

لم تكن جلسة حوارية ولا جلسة استماعية، كان "تويتر"، غفر الله لمبرمجه، هذا الذي استحضر قلم عبده خال في كل وقت إلى عقر دورنا. كنت غاية في السعادة في البداية وأنا أمني النفس بالقراءة "الطازجة" لخال كل يوم، أول بأول، إلى أن انقلبت الأمنية على صاحبتها، وبدأ "تويتر" يكشف أكثر مما أود وأتمنى.

كان عبده خال بالنسبة لي عقلية أدبية متفردة، حتى في عنفها وإيلامها للقارئ

في البداية كان هناك شيء من الاستعلاء، أوعزته إلى الشاشة الزجاجية بين الأفراد، فهي توحي أحيانا بالكثير مما هو غير حقيقي. إلا أن قسوة غريبة وعنف لفظي بدآ يطفوان فوق كتابات خال، ذكراني بالقسوة السردية في رواياته والتي طالما أوعزتها للخيال التأليفي لا لطبيعة الروح.

تزامنا مع ذلك، ظهر انحياز واضح عند خال لصوت السلطة فوق صوت الشعب، فجاءت دفاعاته المستميتة مستدعية للتساؤل، من يصدق أن هذا هو ذات الرجل الذي كتب "مدن تأكل العشب"، مثلا؟ كيف يمكن الجمع بين الصوت الروائي المنتصر للضعفاء والمهمشين والمنبوذين والصوت التويتري السلطوي المنحاز تماما "للعليين".

من أواخر ما كتب وأثار ضجة في "تويتر" كان ما أتى في مقاله حول عمليات التجميل والذي كان بعنوان "مستقبل فاسخ للعقد" حيث قال فيه "لماذا تقومين بكل هذه العمليات ما دام زوجك راضيا بك حتى لو كنت قردة؟ فيكون جواب هذه القردة، أتجمل من أجل نفسي. المغيب والمختفي من أسباب التجميل الجذري ما هو إلا رغبة في أن تكون المرأة محط أفئدة الرجال ولا يعنيها البقاء على ما هي عليه، ويمكن قبول هذا المنطق من فتاة لم تتزوج بعد وتريد استقطاب الرجال لأن تتزوج"، منهيا المقال بقوله "ومن الوصايا أن تبقي كل فتاة صورة لها قبل علميات التجميل حتى إذا جاء العريس الموعود صارحته بأن شكلها (هذا هو)، فإن قبل تم استكمال العقد، وإن رفض عليها البقاء في حالة انتظار إلى أن يأتي عريس الغفلة".

وحين أتت ردود الفعل الناقدة المتألمة من القارئات علق خال "الردود العنيفة ـ تحديدا من السيدات ـ تؤكد أني وضعت الملح على الجرح، أهو قليل من الملح فعل الفعايل كيف لو أمضيت في مشروعي القادم عن بشاعة القادمات من السيدات الجدد؟ البشاعة أن تتخلى عن ذاتك". ثم مضى يقول "أي امرأة ردت بعنف فهي في إحدى ثلاث: يا مبلطة نفسها بسرميك غليظ يا دميمة وتنتظر فرصة التبليط ـ استعدادا ـ يا مش لاقية ثمن التبليط ـ احترازا ـ أما الواثقة بجمالها وأنوثتها سوف (تطقطق) عليّ أو على مصانع البلاط وهي تردد: حولينا ولا علينا".

في تناقض صارخ مع المفاهيم الإنسانية والحقوقية التي كنت أعتقدها تغمر كتابات خال، أتت تغريداته، مثل المذكورة أعلاه، لتفصل شخصية الكاتب عن الإنسان، ولتظهر خال على أنه ليس أكثر من مجرد رجل "ذكوري عادي" مثل الملايين غيره ينظر للمرأة بعين ذكورة مسكينة يعتقد من خلالها أن كل ما تأتيه المرأة يستهدف رضا الرجل وأن كل همها هو "استقطاب زوج" عليها أن تبقى في "حالة انتظار" له.

عبد خال (الصورة من حسابه في فيسبوط)

الأسوأ أن هذه التغريدات أظهرت أن خال في الواقع ليس سوى إنسانا متهورا سليط اللسان منفلت الأعصاب يصف من لا يعتقدها جميلة "بالقردة" ويستخدم تعابير مثل "عريس الغفلة" و "مبلطة نفسها" و "دميمة" في عارض ردوده مع تفاعلات قارئاته. إذا ما لم يستطع المثقف أن يتحكم في أعصابه ويحسن تواصله ويضرب مثلا في أدب الرد والقدرة على التحكم فيه، فمن يفعل؟

آخر ما أثار القراء على "تويتر" كانت تغريدة خال المقارنة بين مشاعره تجاه وفاتين قال فيها: "أن أتلقى خبر موت المترجم الكبير صالح علماني والمطرب الشعبي شعبان عبدالرحيم في نفس اللحظة جعلني بين التبجيل لأحدهما كقامة ثقافية عالية وبين استخفاف بأداء مطرب متواضع. الموت جمع التبجيل والاستخفاف في مشاعر حزن فياضة، فكيف لقطار الرحيل الجمع بين المتناقضين؟".

لا يبدو معقولا أن تكون روايات خال على ما هي عليه من العمق وأن تخلو تغريداته من لمحة إنسانية معقولة، من احترام لحالة الموت التي لا يمكن أن تحتمل مقارنة مترفعة كالتي ساقها هو، بل لا يبدو معقولا أن يكون وفاضه الفكري خاليا تماما من فهم لقيمة الفنون الشعبية بأنواعها ومستوياتها أو على الأقل من تواضع فكري ومفاهيمي حين تقييم الأعمال الفنية، فالنقد الحديث مبني في عمقه على انفتاح الساحة على كل أنواع الفنون اليوم وعلى فكرة أن الأحكام القطعية بأن هذا العمل "جيد أو سيئ" هي أحكام نسبية ساذجة قديمة ضيقة الأفق، غير قادرة على رؤية المعنى الأوسع للفنون والأثر الأعمق لأنواعها المختلفة.

لست هنا أقول بعدم أحقية خال أو غيره في تقييم الفنون، ولكن أحكام خال المطلقة المترفعة وبألفاظها القاسية دون مناسبة تستدعي هذه القسوة كتلك التي أرفقها بتعزيته هي أصغر بكثير من فكر وتقييم وتعبير الأديب الإنساني الحقيقي.

كيف يمكن أن يكون هذا المغرد الفظ هو ذاته عبده خال؟

وحين لامه قراءه على التغريدة انطلق غضبه في كلماته مجددا، مدعيا أن القراء استعجلوا ولم يكملوا التغريدة التابعة (والتي ما ورد فيها أكثر من ترحم على الرجلين)، معلقا في إحدى تغريداته قائلا "أجارنا من غبائكم"، وفي أخرى واصفا "معظم الناس معبئين ملحا" ثم معيدا إرسال تغريدة فيها مقولة لفريدريك نيتشه تقول "قد يجرحك كلام أحد السفهاء، لكن تذكر أن الصواعق لا تضرب إلا القمم".

لربما يمكن للأديب أن يكون نرجسيا فظا غليظ القلب بل وعنصري كذلك، ولكن ما لا يمكن هو الاستمرار بالتواصل الإنساني القرائي معه. ودون أن أدعي أي أهمية لي كقارئة لعبده خال، إنما أحكي عن تجربتي الإنسانية هنا فقط، لا أدري إن كنت سأستطيع فعليا أن أقرأ عملا جديدا لخال بعد اليوم، وإن فعلت، لا أدري إن كنت سأستطيع أن أقرأه بذات الروح، إن كنت سأتفاعل وأحلل وأتألم وأفكر معه بذات العقل والقلب.

كيف يمكن أن يكون هذا المغرد الفظ هو ذاته عبده خال، هو ذات الإنسان الذي كتب "الموت يوم من هنا"، "ليس هناك ما يبهج"، والعمل الخارق "لوعة الغاوية"؟ هل استبد "تويتر" بخال فأخرجه عن طوره الإنساني والحسي والعاطفي؟ هل حررته الشاشة الزجاجية من ذاك الخجل الذي يصنعه التواصل الإنساني المباشر فأطلقت له يد القسوة؟ أم أن "تويتر" كشف رجلا لم نكن نعرف، رجلا اختبأ خلف موهبة أخفت كل ذاك الذي ما كان يجب أن نعرفه، ما كان يفترض بنا أن نعرفه، ما ليتنا ما عرفناه قط؟

اقرأ للكاتبة أيضا: الجرائم الصغرى

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

ليت المستور بقي مستورا 907CB0A7-3EEC-4B4E-B7C3-CD44E9638A14.jpg AFP ليت-المستور-بقي-مستورا تظاهرة نسورية في لبنان 2019-12-10 14:35:56 1 2019-12-10 15:03:26 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.