الملك الأردني وولي عهده في الباقورة
الملك الأردني وولي عهده في الباقورة

524956 4

نضال منصور/

أكثر من حالة غضب، وأكثر من معركة عض أصابع، وبالتأكيد أكثر من "حرب بارد" بين عمّان وتل أبيب، فما تشهده العلاقات الأردنية الإسرائيلية يوحي وكأن طبول حرب تُدق على الأبواب، والتصعيد تجاوز الحرب الكلامية؛ حتى أن جريدة الغد اليومية كان عنوانها الرئيسي قبل أيام "سيوف الكرامة: مواجهة الخطر القادم من الغرب" في إشارة واضحة إلى المخاطر القادمة من إسرائيل تجاه الأردن.

"سيوف الكرامة" كان اسم المناورات العسكرية التي أجراها الجيش العربي الأردني قبل أيام، وحظيت بترويج واسع، وحضرها العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، وبُنيت على فرضية غزو قادم من إسرائيل يقوم خلالها الجيش الأردني بتدمير الجسور على نهر الأردن، وأبرز ما في مشهد المناورة الاسم الذي أطلق عليها، ويستحضر معركة "الكرامة" التي انتصر فيها الجيش الأردني بالتحالف مع الفصائل الفلسطينية على قوات الاحتلال الإسرائيلي عام 1968.

الأزمات بين عمّان وتل أبيب ليست وليدة اليوم، ورغم مرور 25 عاما على معاهدة السلام؛ فإن الواقع يشي أن الاتفاقية ليست سوى حبر على ورق، والمشكلات المُستعصية بين البلدين تتفاقم، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يُصر قبل سقوطه ومحاكمته أن يكتب شهادة وفاة عملية السلام برمتها، وأيضا نعي العلاقات الأردنية الإسرائيلية، والصورة بالنسبة للمسؤولين الأردنيين واضحة "حماقات مستمرة يرتكبها نتانياهو"، واحدة تلو الأخرى، مسترجعين مشهد استقباله قاتل الأردنيين بالسفارة الإسرائيلية في عمّان كالأبطال، دون الالتفات لما قد يسببه من حرج للقيادة الأردنية، وكل ما يشغله تحقيق مكاسب سياسية للبقاء رئيسا وحاكما في إسرائيل حتى ولو كان ثمن ذلك دمارها.

نتانياهو مُصّر قبل سقوطه أن يكتب شهادة وفاة عملية السلام

اليوم أصبحت المواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات بما في ذلك "تجميد اتفاقية السلام" بين الجانبين، خاصة بعد قرار نتانياهو ضم مستوطنات غور الأردن، ولذلك فإن الملك عبدالله جاهر خلال تسلمه جائزة رجل الدولة/ الباحث لعام 2019 من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى الإعلان عن الموت السريري للعلاقات الأردنية الإسرائيلية حين وصفها "بأنها في أسوأ حالاتها"، وهو ما دفع سميدار بيري محللة الشؤون العربية في صحيفة "يديعوت أحرنوت" للقول "العلاقات بين الأردن وإسرائيل وصلت إلى الحضيض والدرك الأسفل".

في مشهد العلاقات بين الجانبين تفاصيل كثيرة تستحق التوقف، فالأردن لم يكن مُعتادا أن يستخدم "دبلوماسية خشنة" مع تل أبيب رغم الخروقات الإسرائيلية للاتفاقيات ومعاهدة السلام، ولا يبدو أن المعلومات المتسربة عن زيارة مُحتملة للرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين إلى عمّان حسب ما أفادت جريدة "معاريف" كفيلة بترميم الخراب الذي أحدثه نتانياهو.

فلأول مرة يُحاكم إسرائيلي علنا في عمّان أمام محمة أمن الدولة بعد مرور 25 عاما على اتفاقية السلام، وتوجه له تهمة التسلل وحيازة مواد مخدرة، وتصر الدولة على أن لا يطوى هذا الملف رغم عودة أسيريها "هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي"، وتتعالى أصوات حتى تحت قبة البرلمان مُطالبة بإتمام صفقة تبادل ثمنها السجين الإسرائيلي المتسلل "كونستانتين كوتوف" مع المعتقلين الأردنيين بالسجون وعددهم 23 بالإضافة إلى 30 مفقودا أردنيا منذ حرب 1967.

لا تُظهر الحكومة الإسرائيلية اهتماما بالسجين الإسرائيلي في عمان، ويحاول نتانياهو المتهم بالرشوة وخيانة الأمانة والاحتيال، التشبث بالسلطة حتى يحمي نفسه من الانهيار، ويرى أن قرارات مثل "ضم غور الأردن"، وشرعنة المستوطنات بدعم من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ربما تُعطيه أفضلية في سباق رئاسة الحكومة قُبيل إعادة الانتخابات للمرة الثالثة، ولهذا فإن حنان عشراوي القيادية الفلسطينية تُشخص الأزمة بالقول "خنوع نتانياهو الرخيص لقاعدته الانتخابية العنصرية والمتطرفة تكشف أجندته السياسية الحقيقة المتمثلة بفرض إسرائيل الكبرى على كل فلسطين التاريخية، وتنفيذ أجندة تطهير عرقي".

لا يوجد ما يخسره الأردن في علاقاته مع إسرائيل الآن، وواقع الحال أن "صفقة القرن" التي روجت لها الإدارة الأميركية بزعامة ترامب تحققت على أرض الواقع دون احتفالات ومراسم توقيع، وإسرائيل بدعم أميركي تُغير حقائق الجغرافيا وتتلاعب بالتاريخ، فالقدس أصبحت عاصمة لإسرائيل، والسفارة الأميركية نقلت إليها، رغم كل الاحتجاجات، والجولان ضمت للسيادة الإسرائيلية، والمستوطنات أصبحت شرعية ولا تُخالف القانون الدولي، وضم غور الأردن الأكبر مساحة في الأراضي الفلسطينية في الطريق لانتزاعه وضمه لإسرائيل، والعصف بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس يحدث ويتكرر، فلماذا يعبأ الأردن بعلاقاته مع دولة لم تُنتج له سوى الأزمات؟

الأسئلة المتصاعدة من عمّان، لماذا على الأردن ضبط النفس والانحناء للعواصف القادمة من تل أبيب، وهو يشعر أن استقراره لم يعد خطا أحمرا ومسلما به عند اليمين الإسرائيلي، وأن التهجير، والتوطين، والوطن البديل مفردات أصبحت دارجة ويُجاهر بها إسرائيليا، والثمن سيكون على حساب عمّان، وكلمات الجنرال الإسرائيلي "عاموس جلعاد" العلاقة مع الأردن كنز استراتيجي لم تعد تجد اهتماما، أو آذانا صاغية؟

منحنى العلاقات بين البلدين مرشح لمزيد من التراجع، والتعاون الوحيد المعلق حتى الآن ويتسبب بغضب شعبي هو اتفاقية الغاز، وتسربت معلومات غير مؤكدة أن وزيرة الطاقة الأردنية تدرس مع أركان الدولة خيارات إلغائها قبل أيام من سريان العمل بها، والمحظور الذي يمنع هذا القرار الشروط المالية الجزائية الواردة بالاتفاقية.

حديث المنافع الاقتصادية للجانب الأردني لم يكن أكثر من سراب، فتقديرات التبادل الاقتصادي الأردني مع السلطة الفلسطينية مختلفة ومتباينة، لكتها تتفق على أنها محدودولا تزيد في أفضل أحوالها عن 160 مليون دولار، في حين أن الصادرات الإسرائيلية لأراضي السلطة تزيد عن 4 مليارات دولار، والمعلوم أن القيود الإسرائيلية هي ما يحول دون تزايد التبادل الاقتصادي الأردني الفلسطيني.

وحتى مشروع قناة "ناقل البحرين" الذي يربط البحر الأحمر بـ البحر الميت، فإن إسرائيل تُماطل وتعطل تنفيذه، وتصريحات المسؤولين الأردنيين مؤخرا أنها ماضية بتنفيذه حتى دون مشاركة الإسرائيليين، وستطرح عطاءات التنفيذ قريبا.

آخر الأزمات كان تدشين إسرائيل بمطار "تمناع" على مقربة من مطار العقبة، واعتبرته الحكومة الأردنية مخالفا، ويُشكل خطرا على الملاحة الجوية، وقُبيل أيام أُعلن في عمّان عن كسب معركة قانونية بعدم شرعية هذا المطار وبضرورة وقف العمل به.

أكثر الصفعات الموجعة لإسرائيل كانت قرار الأردن بعدم تجديد تأجير أراضي الباقور والغمر، وإصرار القيادة الأردنية أن التجديد والتمديد لاتفاقية التأجير غير ممكن، وتجاهل كل الضغوط والواسطات الإسرائيلية لهذه الغاية.

على ما يبدو أن صفحة جديدة من العلاقات الأردنية الإسرائيلية تُدشن ولا تعرف الود، وعنوانها التصعيد والاشتباك مادام نتانياهو في السلطة، وما دام اليمين الإسرائيلي المتطرف لا يبالي بمصالح الأردن، وما دامت إدارة الرئيس ترامب كما يصفها صائب عريقات "قد تحولت من مؤيدة لإسرائيل إلى مؤيدة للاحتلال الإسرائيلي".

عمّان تُبقي الباب مواربا لتسويات سياسية والرهان أن تلعب واشنطن دورا في إطفاء الحرائق

رغم كل التصعيد في الخطاب السياسي الأردني اتجاه إسرائيل بعد الخذلان، والإحباط والخروقات، فإن عمّان تُبقي الباب مواربا لتسويات سياسية تُعيد الأوضاع إلى مسارها، والرهان يبقى أن تلعب واشنطن دورا في إطفاء الحرائق، حتى ولو كان ترامب شريكا في إشعالها.

إطلاق رصاصة الرحمة على اتفاقية السلام لم يحدث حتى الآن، فالرهانات على سقوط نتانياهو قد تُعيد إنتاج علاقات أكثر توازنا مع الأردن، وأقل مراهقة، واعتقادا أن القفز إلى علاقات تطبيعية مع بعض دول الخليج يُغني عن الحاجة لعمّان، وهذا مرتبط بالتوازي أيضا مع انتظارات أن تُعيد واشنطن مراجعتها لسياساتها الخارجية، والتوقف عن محاصرة ومعاقبة عمّان سياسيا لرفضها الخضوع لإملاءات "كوشنير" وصفقة القرن، وربما التباشير الإيجابية تسمية سفير أميركي في عمّان بعد ثلاث سنوات من الغياب، ومطالبة الكونغرس بدعم خطة سلام على أساس حل الدولتين.

التحولات في مواقف تل أبيب وواشنطن من عملية السلام ليست سهلة، ولا يمكن التوهم باستدارة، ولكن على الأقل فرملة "الطيش" السياسي، والعواصف التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، وعمّان في القلب منها.

اقرأ للكاتب أيضا: وزراء ونواب بقفص الاتهام في الأردن

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

"الموت السريري" لمعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية FE9B28B8-6686-4742-9BA4-BD14BB0DC5C7.jpg AFP الموت-السريري-لمعاهدة-السلام-الأردنية-الإسرائيلية الملك الأردني وولي عهده في الباقورة 2019-12-12 13:05:03 1 2019-12-12 13:40:51 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.