525005 4

رحيم حميد/

استفادت قوات النظام الإيراني والميليشيات التابعة لها من انشغال العالم بالقضايا الدولية الملحّة، لتنفيذ حملة واسعة من القتل والاعتقالات الجماعية ضد عرب الأحواز القاطنين في مدينة معشور (المعروفة أيضا باسم بندر ماهشهر) التي تقع في منطقة الأحواز العربية في إيران. وقد حدث هذا الاستهداف كحلقة من سلسلة الفظائع المماثلة التي يرتكبها النظام للقضاء على الاحتجاجات المتنامية والمناوئة للنظام السياسي الإيراني في مختلف أنحاء البلاد.

تعود الاحتجاجات التي اندلعت في منطقة الأحواز أساسا إلى تردي الظروف المعيشية في منطقة تعاني من الفقر المدقع، والفساد الممنهج، وارتفاع معدلات البطالة، وعنصرية النظام ووحشيته ضد العرب. أما الشرارة التي أطلقتها تلك الاحتجاجات، فكانت الوفاة المشبوهة لشاعر أحوازيّ شاب، نتيجة عملية تسمّم، يُعتقد أنها حدثت عندما كان محتجزا لدى النظام.

بدأت التظاهرات يوم الجمعة 8 نوفمبر، حيث نزل مواطنو الأحواز إلى الشوارع في كلٍّ من مدينة خور موسى ومعشور والكورة المترابطة. فكما أخبرنا أحد الناشطين المحليين في مجال حقوق الإنسان عبر البريد الإلكتروني، والذي تم حجب اسمه لحماية سلامته: يجب إعادة تسمية معشور، والكورة، والجراحي، وهي منطقة مترابطة، لتصبح "أرض الدم والنار".

تم حرق الكثير من المصابين، الذين كانوا ضعفاء وغير قادرين على الفرار، وهم أحياء

وبينما تُعرف معشور، والكورة والجراحي بكونها معقل صناعة البتروكيماويات في إيران، إلا أنها أصبحت مستهدفة من قبل النظام، خاصة بعد أن قام المحتجون هناك بإغلاق الطرق المؤدية إلى المنشآت البتروكيماوية والشركات الصناعية المملوكة للدولة في المنطقة بالإطارات المشتعلة.

ولكن لم تُستهدف هذه المنشآت بسبب أهميتها للدولة فحسب، بل لأنها مكروهة على نطاق واسع في المنطقة، بسبب سياساتها العنصرية تجاه الشعوب. إذ تُظهر اللقطات المصورة من الهواتف المحمولة، التي تم الحصول عليها من المنطقة، المتظاهرين وهم يقومون بتحريك الحواجز جانبا للسماح بمرور السيارات المدنية والمركبات الأخرى غير المرتبطة بصناعة النفط، مع منع مركبات الشركات البتروكيماوية فقط من الدخول والخروج.

وفي عرض أكاديمي حديث لورقة بحثية من المقرر نشرها قريبا، أكَّد الباحث آرون إيتان ماير على أنه في فترة تعود إلى الخمسينيات من القرن الماضي، حددت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الأحواز باعتبارها نقطة الضعف المحتملة لإيران، كونها تحتوي على موارد لا يمكن لأي نظام أن يحافظ على سيطرته من دونها. وهذا الواقع المرير هو أمر يفهمه الشعب الأحوازي جيدا.

وعلى الرغم من كون الاحتجاجات سلمية وغير عنيفة، إلا أن نجاح المحتجين في إيقاف عمل المنشآت البتروكيماوية لربما كان سببا في إثارة غضب النظام بشكل أكبر، مما قد تفعله احتجاجات مماثلة في أماكن أخرى تطالب بالحرية والديمقراطية.

فمنطقة الأحواز تُعد موطنا لأكثر من 95٪؜ من موارد النفط والغاز التي يمتلكها النظام الإيراني، وبالتالي تشكّل ومن دون منازع مصدر الدخل المتبقي للنظام. فردا على تلك الاحتجاجات التي تمثل تهديدا لشريان الحياة الاقتصادي، قام الحرس الثوري الإيراني بتنفيذ عمليات قتل وحشية بالدبابات والمدافع الرشاشة ضد المحتجين.

تدخلت الشرطة المحلية في المعشور بعد أسبوع من بدء الاحتجاجات، ومرة أخرى في اليوم التالي، ولكنها فشلت في تسوية الوضع بما يرضي النظام. وفي تلك المرحلة، قرر النظام بوضوح إطلاق العنان للقوة الغاشمة، مع نشر قوات خاصة في المنطقة يوم الأحد 17 نوفمبر، دون أي محاولة جادة، ـ في غضون ذلك ـ لنزع فتيل التوترات.

وفتحت هذه القوات النار عشوائيا على المتظاهرين في محاولة لترهيبهم وإرغامهم على التفرق، مما أسفر عن مقتل وإصابة عدد كبير من الأشخاص خلال ذلك. وعلى الرغم من ذلك، رفض المحتجون فض الاعتصامات.

ازدادت الهجمات في صباح اليوم التالي، حيث لاحظ المتظاهرون في بلدة الجراحي وصول أعداد كبيرة من قوات النظام المدججة بالسلاح، فضلا عن الدبابات، والقوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، و"كتيبة مالك الأشتر"، وأعضاء فرقة القوة الخاصة لمكافحة الإرهاب التابعة للنظام.

نفذت قوات النظام عمليات قتل جماعية في الكورة، متذرّعة بالوجود المزعوم لـ"داعش"

يشار إلى أن هذه الفرقة الأخيرة تعمل بناء على أوامر رؤساء وحدة "أمير المؤمنين" التابعة لقيادة الوحدات الخاصة التابعة لقوة إنفاذ القانون في جمهورية إيران الإسلامية. وكانت هذه القوات قد تجمعت لأول مرة في ميدان البعثة (يُسمّى بعثت في الفارسية) في البلدة، ثم انتقلت إلى ضواحي المدينة لاستهداف المحتجين مباشرة.

بعد ذلك، قام القادة العسكريون الذين يقودون قوات الحرس الثوري الإيراني بقيادة الكتائب إلى منطقة أهوار صغيرة متاخمة للطريق خارج البلدة والمعروفة محليا باسم "هور الجراحي" حيث تجمّع المحتجون.

وأفاد شهود عيان أن قوات الحرس الثوري الإيراني والميليشيات فتحت النار على المتظاهرين، وبدون مفاوضات، ومن بينهم عدد كبير من النساء والأطفال، باستخدام الرشاشات الثقيلة وأسلحة أخرى. فاختبأ بعض المتظاهرين بالأهوار بينما هرب آخرون إلى البلدة بحثا عن مأوى فيها.

تجدر الإشارة إلى أن إطلاق النار المكثّف على المتظاهرين في الأهوار قد بدأ عند الساعة العاشرة والنصف صباحا تقريبا واستمر لمدة أربع ساعات، ما أسفر عن سقوط الكثير من القتلى والجرحى.

وبعد أن أزالت بعضا من جثث القتلى واعتقلت الجرحى، واحتجزت عددا من المواطنين غير المتورطين في الاحتجاجات، دخلت قوات النظام بلدة الجراحي مجددا بهدف قتل أو اعتقال بقية المحتجين.

وتم إطلاق الرصاص على العديد منهم عشوائيا ومن مسافة قريبة أثناء محاولتهم الفرار. وكان الكثير من المصابين مرعوبين لدرجة أنهم لم يلتمسوا أي علاج طبي، خشية أن يراقب النظام المستشفيات والصيدليات وأن يعتقل أي شخص يسعى للمعالجة من إصابات ناجمة عن طلقات نارية.

ومما زاد الطين بلة، أن نشطاء حقوق الإنسان في الأحواز أفادوا أيضا أن النظام حاول أخذ الأموال من الأسر المفجوعة، وأجبرهم على دفع ما يقارب أربعة آلاف دولار من أجل استعادة جثث أحبائهم، وفرض أيضا عليهم تكاليف الرصاص الذي استخدم لقتل أطفالهم وآبائهم وأزواجهم وزوجاتهم.

وقال شاهد عيان محلي: "عندما كان النظام يطلق النار بجنون على المحتجين في الأهوار القريبة، لم نسمع سوى صرخات الأطفال والنساء والمتظاهرين الشباب، ولكن بعد ساعة سكتت أصواتهم. وفي الصباح التالي، أضرم النظام النار في قصب الأهوار، وفاحت رائحة الجثث. فأتت آليات النظام وجمعت الجثث وأخذتها. وعندما بدأت الأسر المفجوعة في الخوض في الأهوار بحثا عنهم، لم تجد سوى بقايا قماش ملابس أبنائها غارقة بالدماء، وصوت الذباب المتجمّع حول الدم ورائحة لحم الجثث المحترق وآثار دماء على القصب".

وذكر شاهد العيان أن عائلات كثيرة قد سمعت المصابين وهم يصرخون وحاولت الإسراع لإنقاذ أحبائها في منطقة الأهوار، ولكنّ قوات النظام أطلقت النار عليها. هذا واستخدم الضباط مكبرات الصوت ليأمروا العائلات بالبقاء بعيدا عن الأهوار. كما وتم حرق الكثير من المصابين، الذين كانوا ضعفاء وغير قادرين على الفرار، وهم أحياء.

وبعد ارتكاب هذه الفظائع في الجراحي، انتقلت قوات النظام إلى بلدة الكورة المجاورة التي تقع على بعد خمسة كيلومترات. وبدأت بمحاصرة البلدة بالدبابات، كما فتحت النيران على المتظاهرين الذين أغلقوا الطريق المؤدي إلى البلدة لإجبارهم على فضّ احتجاجاتهم والسماح لقوات النظام بالدخول. وعلى إثر ذلك، قُتل عدد كبير من المواطنين بمدافع الرشاشات الثقيلة، وحوصرت البلدة من الاثنين 18 نوفمبر إلى الأربعاء 20 نوفمبر.

منطقة الأحواز تُعد موطنا لأكثر من 95٪؜ من موارد النفط والغاز التي يمتلكها النظام الإيراني

وتدخّل رجل دين محلي، وهو الذي يؤمّ صلاة الجمعة في البلدة، وطلب من الحرس الثوري الإيراني عدم الدخول إلى المدينة من أجل نزع فتيل التوترات. وأفاد شهود عيان بأنّ كبار ضباط الحرس أخبروا رجل الدين بأنهم تلقوا تقارير عن وجود أعضاء من تنظيم "داعش" في المدينة، وأنه قد تمّ إرسالهم إلى هناك بناء على أوامر من مسؤولين رفيعي المستوى، مشيرين إلى رئيس الجمهورية الإسلامية حسن روحاني، وقيادة الحرس الثوري الإيراني، ومسؤولين في مجلس الأمن القومي. وبعدها، شرعت قوات النظام في تنفيذ عمليات قتل جماعية في البلدة، متذرّعة بالوجود المزعوم لتنظيم "داعش"، على الرغم من أنه لم يكن هناك أي وجود من هذا القبيل في المنطقة.

يُعد حميد شيخاني واحدا من مئات المتظاهرين المقتولين، وتؤكد قصته على أن المجازر التي يرتكبها النظام لم تتوقف مع توقّف الاحتجاجات. لقد كان شيخاني رجلا في الخامسة والثلاثين من عمره من منطقة الكورة، وكان متزوجا وأبا لطفلة صغيرة، وكان بطلا وطنيا في ألعاب القوى.

وخلال الاحتجاجات، ذهب هو وشبان آخرون إلى ميدان القرآن مع غيرهم من الشباب للمشاركة في الاحتجاجات. وحسبما روى أحد أصدقائه الحادثة: "في يوم الاحتجاج، واجهنا فجأة أعدادا هائلة من الآليات العسكرية مثل الدبابات. وكان حميد غاضبا من وجود القوات، فركض نحو الدبابة، وخلع قميصه وهو يصرخ "أنظروا، نحن أشخاص عزّل، فلماذا تأتون بالدبابات؟ وبينما كان يصرخ، هاجمه عدد من قوات الحرس واعتقلوه، ثم أخذوه بعيدا في سيارة.

وفي حين كان يتمتع بصحة جيدة عندما تم اعتقاله في 19 نوفمبر، إلا أن أفرادا من قوات النظام اتصلوا بأسرته في 23 نوفمبر لإبلاغها بأن حميد تعرض لـ "نوبة قلبية" أثناء وجوده في السجن. وعندما استرجعت العائلة الجثمان، يقال إنهم عثروا على آثار لكدمات حول عنقه تدل على الخنق.

كما ارتكبت قوات النظام فظائع مشابهة ضد المتظاهرين في مدينة المحمرة، المعروفة باسم خرمشهر بالفارسية، وفي عبادان والفلاحية المعروفتين باسم شادكان وتستر، وفي رامز، وكذلك في عاصمة الإقليم، مدينة الأحواز.

ومثلما حدث في سائر المناطق الأخرى، لعب الحرس الثوري الإيراني ورجال ميليشيات الباسيج سيّئي السمعة الذين يرتدون زيا مدنيا، دورا رئيسيا في ترويع المتظاهرين العزّل وقتلهم، وكذلك في حملة الاعتقالات الجماعية.

وبلغ عدد الجرحى في مدينة الأحواز وحدها 140 جريحا على الأقل، مع اعتقال أكثر من 1000 شخص. ولم يتم الأفراج سوى عن 150 شخصا من المحتجزين، كما لم يتم الكشف لأسر المحتجزين الآخرين عن أي معلومات بشأن أماكن وجودهم. وبحسب ما ورد، فقد نُقل بعض المحتجزين إلى محافظات أخرى.

ارتكبت قوات النظام فظائع مشابهة ضد المتظاهرين في مدينة المحمرة

وقد أعرب الناشطون الغاضبون والمحبطون عن الشعور ذاته عندما أجريت معهم المقابلات. وتساءل أحدهم: "إن العرب يحتجون على هذا القمع، ففي أي بلد تستخدم الحكومة الدبابات والأسلحة الرشاشة لمواجهة الاحتجاجات الشعبية؟ ولكن أعود لأقول إنّ هذا هو النظام الإيراني، خالق أرض الجرائم، وحيث تم إحراق المحتجين العرب الشباب وهم أحياء في حقول القصب".

إن ادعاءات ضابط النظام بأن مسؤولين في القيادة هم من أمروا بتلك الهجمات، تؤكد تورِّط النظام الإيراني في هذه الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. ولابد من فهم هذه الهجمات الأخيرة على أنها جزء من الاستراتيجية المنهجية التي يتبناها النظام لإرهاب شعوب المنطقة بغية الرضوخ.

وفي حين تم قمع الاحتجاجات في أنحاء أخرى من إيران، في الوقت الحالي على الأقل، فإن آلاف المتظاهرين المصابين والمشوّهين، والمارة الأبرياء، ومن اعتقلوا بدون الكشف عن أي معلومات بشأن أماكن وجودهم، يذكرون نيران الإرهاب في منطقة الأحواز. إذ تُترك أسر المعتقلين بلا أمل، وفي خوف دائم من أن يتلقوا مكالمة هاتفية في منتصف الليل، تماما كما حصل مع أسرة حميد شيخاني، لإبلاغهم بأن أحباءهم الذين كانوا يتمتعون بصحة جيدة قد ماتوا لأسباب "طبيعية"، وهي أسباب بعيدة كلّ البعد عن ذلك.

رحيم حميد هو كاتب وصحفي مستقل ومدافع عن حقوق الإنسان مقرّه في الولايات المتحدة. هو محرر "مركز دراسات دورانتاش" القائم في كندا. وغالبا ما تركّز كتابات حميد على محنة شعب الأحوازي في إيران.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
النظام الإيراني يستهدف المتظاهرين في الأحواز 6A94E627-AFA9-4D66-8E0F-2A0389904AA7.jpg AFP النظام-الإيراني-يستهدف-المتظاهرين-في-الأحواز متظاهرون يتجمعون بالقرب من سيارة محترقة في طهران 2019-12-12 18:14:51 1 2019-12-12 18:24:51 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.